المنبر الحر | رقي الأمم يقاس برقي قضائها (الجزء 3)
21 يوليو، 2020
0 2 دقائق
بقلم: عبد الرحيم بن سلامة
لقد خاطب علي ابن أبي طالب وليه على مصر، الأشتر النخعي، موصيا إياه بالحرص على اختيار من يتولوا القضاء قائلا: ((اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا تشرف نفسه على طمع، وأصبرهم على كشف الأمور وأصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء وأولئك عددهم قليل))… وبهذا الخصوص، قال عمر بن عبد العزيز: ((لا يصلح للقضاء إلا القوي على أمر الناس المستخف بسخطهم وملاءمتهم في حق الله، العالم بأنه مهما اقترب من سخط الناس وملاءمتهم في الحق والعدل والقصد، استفاد بذلك ثمنا ربيحا من رضوان الله))، وجاء في الكتاب الذي بعثه عمر ابن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري والذي يوصيه فيه بعدة وصايا من أجل تحقيق العدل للرعية: ((إن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فأفهم إذا أدلي إليك، وأنفذ إذا تبين لك الحق، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.
آس بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا يخاف ضعيف في عدلك، البينة على المدعي واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين الناس إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا.
ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع عنه إلى الحق، فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
فاجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة، فاضرب له أمدا ينهي إليه، فإن بينه أعطيته حقه، وإن أعجزه ذلك، استحالت عليه القضية، فإن ذلك لهو أبلغ للعذر وأجلى للعمى.
المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور.
إياك والغضب والضجر والتأذي بالخصوم، والتنكر في مواطن الحق، فإن القضاء في موطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذخر، فمن خلصت سريرته ونيته في الحق ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا لوجه عز وجل…))
إنها وصايا جليلة وحكيمة للخليفة عمر بن الخطاب، وتدور عليها أحكام القضاء وأهميته في الدولة الإسلامية عبر التاريخ، حتى أن عمر بن عبد العزيز وصف القاضي بظل الله في أرضه، وقال: ((لا يصلح للقضاء إلا القوي على أمور الناس المستخف بسخطهم وملاءتهم في حق الله)).
من أجل التشديد في صفات من يتولى القضاء في الإسلام، عزف قديما كثير من ذوي الفضل، عن قبول منصب القضاء، ونفر أكثر العلماء والفقهاء الكبار من تحمل تبعاته، تخوفا من هيبته ومسؤولياته الجسام، لأن الحكم من صفات الله، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تخوف هؤلاء الرجال الفضلاء من هيبة القضاء وحرصهم على أن توضع العدالة في أيد صالحة قادرة على إحقاق الحق وإقامة العدل، فما أجمل تشبيه القاضي النزيه بالعامل في منجم الماس الثمين، أو المستخدم في البنك حين يقوده عمله إلى التخبط في ثروة طائلة من المعدن الثمين أو المال الكثير، فلا تمتد يده إلى قطعة صغيرة منها مقتنعا بأداء عمله وواجبه في راحة ضميره، لذلك قال العالم الكبير ليفي بروفنسال، الأستاذ بجامعة السوربون: ((القضاء محنة وبلية، ومن دخل فيه فقد عرض نفسه للهلاك، لأن التخلص منه عسير وطلبه حمق كثير)).
والقاضي قبل الشروع في مهامه وبعد تعيينه بسلك القضاء، يؤدي القسم حسب القوانين المعمول بها عالميا، ومنها النظام الأساسي للقضاء المغربي رقم 100.13، الذي ينص في المادة 33 منه: ((أقسم بالله العظيم أن أمارس مهامي بحياد وتجرد وإخلاص وتفان، وأن أحافظ على صفات الوقار والكرامة، وعلى سر المداولة، بما يصون هيبة القضاء واستقلاله، وأن ألتزم بالتطبيق العادل للقانون، وأن أسلك في ذلك مسلك القاضي النزيه)). تؤدى هذه اليمين أمام هيئة بمحكمة النقض في جلسة رسمية، ويحرر محضر بذلك يحتفظ به.
ومن المعلوم، أن القاضي بدوره يؤدي اليمين لجميع فئات المجتمع الذين تفرض مهامهم أداء اليمين، كرجال الأمن والإدارة، والخبراء بمختلف أنواعهم، والموثقين والعدول والمفوضين القضائيين والتراجمة، والمستخدمين بمختلف القطاعات، الذين يستوجب عملهم أداء اليمين.