المنبر الحر | “القرينة الكحلة” والطاعون في تاريخ الأوبئة بالمغرب
3 يونيو، 2020
0 2 دقائق
بقلم: بوطيب الفيلالي
أحدثت جائحة “كورونا” هزة عالمية عمت جميع نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ثم العلمية، التي كان لها النصيب الأكبر من المتابعة، إذ أصبح العلماء والخبراء والباحثون في عدة مختبرات، ملجأ الاهتمام العالمي، أملا في التوصل إلى ما ينفع الناس من أدوية لوقف زحف العدوى، الشيء الذي رافقه كذلك الانفتاح على تاريخ الأوبئة والطواعين التي أصابت البشر عبر التاريخ، وفتكت بجزء كبير من الناس عبر كل الأصقاع، وكيف تمكنت الأمم من مواجهتها والنجاة من مساوئها. لهذا شكلت اللقاءات العلمية التي نظمتها مراكز الأبحاث والمؤسسات الأكاديمية ظاهرة صحية جميلة رافقت الحجر الصحي الذي نعيشه، تناقلتها مختلف المواقع الإلكترونية، مما خلق نقاشات وتفاعلات أطرها أساتذة باحثون وخبراء في مجال التاريخ وتاريخ الأوبئة على الخصوص، مكنت الرأي العام والمهتمين من ضبط المفاهيم والمعارف حول تاريخ الأوبئة بالمغرب، حيث قام الدكتوران شفيق أرفاك وعبد العزيز ياسين، وهما أستاذان للتاريخ والحضارة بجامعة ابن زهر بأكادير، واللذان حلا ضيفين على برنامجين علميين في نقل تفاعلي مباشر بتأطير كل ما له علاقة بتاريخ الجوائح بالمغرب، عندما أكد د. أرفاك، أن الصحراء تكون أقل تأثرا بالأوبئة، تليها الواحة ثم الجبل، وأضاف بأن الأوبئة لا تؤدي دائما إلى الخراب، بل تؤدي كذلك إلى التوازن، مبرزا ذلك بتجارب تاريخية في كيفية الحد من الوباء، كاللجوء إلى الطب الشعبي وتوجه قبائل نحو الصحراء، كما وضح دور كتب المتصوفة (كتب المناقب) في معرفة كيفية التعامل مع الوباء، عندما أعطى مثالا بكتاب يتم تحقيقه حاليا حول “مناقب السيدة مريم السملالية”.
أما د. عبد العزيز ياسين، فقد سلط الضوء على مجموعة من النقط في هذا الجانب، مميزا بين أوبئة محلية وأوبئة عالمية كما هو حال “كوفيد 19″ ، ومبرزا كيفية تعامل كل من المخزن والعامة والفقهاء في تاريخ المغرب مع الأوبئة منذ زمن الدولة الموحدية، مؤكدا أن المخزن لم يجار الموقف المتشدد لبعض الفقهاء، وخاصة فقهاء المالكية منهم، والذين كانوا يرون في الجذام سببا لمنع الزواج ودخول المسجد ومشاركة الناس في الموارد المائية كالشرب مثلا، وأضاف بأن الاختلاف نشب بين الفقهاء حول دخول المجذوم للمسجد في الصلوات الخمس أم في بعضها كالجمعة، ومتحدثا كذلك عن الكوليرا كوباء دخيل على المغرب لم تتحدث عنه المصادر التاريخية إلا في القرن 19، وهو الوباء الذي سماه المغاربة بـ”بوكليب” وكان يترك أثارا بارزة على بعض الأعضاء، وهو المرض الذي له شبيه يسمى في بعض المناطق الأمازيغية بـ”ايمكيرر”، كما تحدث ياسين عن أهمية الأوبئة في توجيه الحدث السياسي بالمغرب، محددا بعضها كسقوط الدولة المرينية، ووفاة أحمد المنصورالذهبي، والقضاء على ما تبقى من الأسرة السعدية، ثم حسم الصراع لصالح مولاي رشيد العلوي، مذكرا بأوبئة ضربت المغرب كـ”القرينة الكحلة”، أي الطاعون الأسود في القرن 14، والطاعون الذي جلبه الموريسكيون معهم في القرن 15، دون نسيان الوباء الجارف الذي مات بسببه المئات ومن بينهم عالم كبير بسوس هو عمر بن عبد العزيز الكرسيفي، رابطا انتشار مثل هاته الأوبئة بتحرك جيوش ضمن حركات سلطانية، وكذا مسايرتها ومطابقتها (أي الأوبئة) للطرق التجارية البرية والبحرية، دون نسيان ذكره لبعض النوازل الفقهية التي بينت ارتباط الإنسان بدوابه وثروته الحيوانية زمن الطواعين، كحال شخص سأل الإمام الحضيكي عن جواز الدعاء للبغلة في سجود الصلاة حتى تشفى، وهي النازلة التي تؤكد إصابة الحيوانات بالأوبئة، التي ذكر منها الأستاذ ياسين “وباء الإسكندرية” الذي واجهه السلطان سيدي محمد بن عبد الله بإغلاق الحدود الشرقية والمنافذ البحرية، وهو ما ساهم في التقليل من خطورته.
هذه الجوائح التي زادت من المقاومة الذاتية عن طريق العمل التضامني وشراكات في وسائل الإنتاج (المغارسة والخماسة نموذجا)، وكذا تعاقدات في المجال الزراعي، بالإضافة إلى زيادة التمسك بالمؤسسات الاجتماعية كالأسرة مثلا، ومقدما طاطا كنموذج لتعاون القبيلة مع المرضى، حيث يتم تخصيص “نوبة” ماء (تناست) تكترى ويمنح المبلغ المالي للمريض.