تقاس أعمار الأشخاص بالسنوات، وتقاس أعمار الدول بالعقود والقرون، والدول التي لا تتجاوز أعمارها بضعة عقود يعني ذلك أنها ما زالت في مرحلة الطفولة أو المراهقة في أحسن الأحوال، وما يميز هذه المراحل الأولى، هو أنها مراحل الطيش والنزق وغياب العقلانية في التصرف.. إنها مراحل الخصومات والشتائم المتبادلة والمعارك، والأخطاء الفادحة التي قد تخرب أشياء ثمينة وقد تخلف لأصحابها عاهات مستديمة أو تودي بحياتهم، فهذه المراحل الصعبة تتطلب وجود راشد يرشد إلى السلوك السليم.
المغرب دولة راشدة عمرها أزيد من اثني عشر قرنا، عندما جاءت إلى الوجود دول عربية وغير عربية كثيرة وجدت المغرب أمامها.. دولة عريقة، جذورها ضاربة في عمق التاريخ، وعلاقاتها الدولية ضاربة في عمق القارات، وبحكم رشده، مد المغرب يده بالخير للكثير من الدول حتى وقفت على رجليها.. ساعد البعض على التحرر.. سخر إمكانياته الدبلوماسية لصالح البعض.. تدخل من أجل الصلح بين البعض.. حاول خلق اتحادات وأسواق مشتركة تعود بالنفع على الكل.. فتح ذراعيه واقتصاده وجامعاته ومعاهده للجميع..
لكن وللأسف، الكثير من توجيهات المغرب ومخططاته الإنمائية والتعاونية تم إفشالها، ولم تدرك قيمتها إلا بعد أن سقطت دول وأشرفت أخرى على الهاوية، والكثير من أياديه البيضاء تم التنكر لها وقوبلت بالإساءة وبخلق المتاعب له عوض رد إحسانه بالإحسان. إنه سلوك لا يفسر إلا بعقدة الصغير المبتدئ أمام تفوق الكبير المجرب، والتاريخ القريب يشهد على الكثير من مبادرات المغرب التي تم تجاهلها بغير سبب معقول وتم التحسر عليها بعد فوات الأوان.
تصرف المغرب خلال جائحة “كورونا” الذي أبان فيه عن حكمة وفكر استباقي وقدرة سياسية وإدارية واقتصادية على التصرف، أثار إعجاب دول تماثل المغرب رشدا وعراقة، مما جعل سياسيين كبارا ووسائل إعلام دولية مرموقة تشيد بتصرف المغرب، ولكن ذلك أثار مرة أخرى حسد وغيرة بعض الصغار الذين لا يتحكمون في مشاعرهم، والذين يغيظهم أن ينجح الأخ الأكبر وأن يحظى بالثناء، فوجهوا إليه سهام ألسنتهم.
لا أعتقد أن المغرب سيحقد على أحد بسبب ذلك، لأنه تعود على لملمة جراحه والمضي في طريقه بثبات رغم الألم الذي يتركه في نفسه ظلم من أحسن إليهم.. سيتركهم لأنفسهم حتى يرشدوا، وإن عادوا للخير عاد إليه، أو حتى يطويهم الزمن كما طوى الكثيرين ممن تطاولوا عليه.