المنبر الحر | بكاء رئيس الحكومة في زمن “كوفيد 19”.. تمويه سياسي أم عاطفة صادقة؟
5 مايو، 2020
0 3 دقائق
بقلم: نورالدين الطويليع
انهمرت دموع رئيس الحكومة وهو يستعرض حصيلة ضحايا “كوفيد 19″، وبدت علامات التأثر ظاهرة على محياه، وعلى لكنته في مشهد لم يعود عليه المغاربة، خلافا لسلفه الذي كان بَكّاءً، مما أثار ردود أفعال متباينة بين من اعتبرها دموعا صادقة تعبر عن إحساس إنساني تجاه فجيعة الموت، ومن صنفها في خانة البروباغاندا السياسية التي حاول صاحبها استثمار اللحظة لمآرب أخرى.
فلا يمكن فهم واقعة بكاء رئيس الحكومة وهو يستعرض حصيلة الوفيات التي سببها فيروس “كورونا” دون استحضار السياق الذي وقعت فيه، ورمزية المكان الذي احتضنها (قبة البرلمان)، ودون استحضار تمثل الجمهور (المواطن) لشخصه، فالمتكلم، سواء كان شخصا حقيقيا، أم صورة خطابية، ليس ذاتا منفصلة عن خطابها.. لا يمكن تلقي هذا الخطاب بمعزل عن الصورة التي تكونت في ذهننا عن المتكلم، ولا يمكن كذلك إغفال تمثله هو نفسه لهذا الجمهور الذي كان له تأثيره الواضح عليه حينما تحدث، وحينما بكى، يقول عبد الله صولة: “حضور الجمهور مهم جدا بالنسبة إلى الخطيب، إذ به يكيف خطابه”، وما دمنا أمام متكلمٍ ومتلق، فنحن أمام إرسالية لا تخرج عن واحد من شيئين حصرهما حازم القرطاجني في سياق حديثه عن الشعر قائلا: “كل كلام يحتمل الصدق والكذب، إما أن يرد على جهة الأخبار والاقتصاص، وإما أن يرد على جهة الاحتجاج والاستدلال”، وهنا نتساءل: هل كانت غاية رئيس الحكومة من إرسال الخطاب تقديم آخر الحصيلة (الإخبار)، أم حركته غايات حجاجية تتجاوز الخبر إلى الرغبة في التأثير على المستمع؟
إن أخذنا بالافتراض الأول، سنكون بصدد خبر يعرفه البلاغيون بـ”ما يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب”، وهنا تبدو مفارقة تقمص رئيس الحكومة لشخصية مقدمِ نشرة الأخبار، فاستعراض الأرقام والبكاء بعدها يجعل لخبره غرضا بلاغيا يسمى فائدة الخبر، بمعنى أنه بصدد تقديم معلومات للمواطنين يجهلونها، في حين أن الجميع يتلقون عبر تطبيقات إلكترونية مختلفة حصيلة الإصابات بالفيروس على مدار الساعة، مما يضع رئيس الحكومة، إن أخذنا بهذا الافتراض، في خانة السخرية، وفي صورة المسؤول العاجز عن الإتيان بخبر جديد يعكس وضعه في هرم الدولة بوصفه ثاني شخصية في الهرم السياسي للبلاد.
أما إن أخذنا بالافتراض الثاني، واعتبرنا خطاب رئيس الحكومة حجاجيا، فسنصطدم بشخصية الباث التي بدت ضعيفة، مما يتناقض مع ما يستلزمه الموقف من قوة الحجة وجِدة المعطيات تبعا للسياق الإقناعي الذي يؤطره، يقول محمد الولي: “إن الباث يبعث الرسالة لأجل إحداث تغيير، أو تثبيت رأي المتلقي أو سلوكه، أو هما معا”، وعندما يتعلق الأمر بالتغيير، فالمهمة تبدو جسيمة، وتحتاج إلى باث ذي شخصية قوية، يملك معطيات الموضوع الذي يتحدث فيه وعنه، ويتميز عن غيره في تناوله، ولا يعيد تكرار ما يروج، وفي اجتراره، ولا بأس حينئذ أن يستعين بخطاب العاطفة ليكمل حجاجه، لأن “البعد العاطفي هو بالأحرى الذي يرشح أكثر من غيره الخطاب لكي يكون حجاجيا”.
هذه المعطيات كانت كلها غائبة في بكائية رئيس الحكومة، ولقد كنا أمام سرد وقائع، وليس أمام خطاب حجاجي، كأن الباث انتدب من قبل السلطات ليعيد تذكير المواطنين بالإجراءات التي باشرتها بخصوص جائحة “كورونا”، وسنكتفي هنا بهذين المثالين من ضمن حديثه السردي: “السلطات المعنية دارت الخدمة ديالها”، “الإجراءات التي فرضتها السلطات الخاصة، كل في مجاله، سواء الصحية، سواء الأمنية، سواء الإدارية، سواء التعليمية…”، تبدو ذات المتكلم/ المسؤول غائبة تماما، ولذلك غاب ضمير المتكلم الذي يعد عنصرا أساسيا في الحجاج، لأنه يعطي الانطباع بحضور الذات القوي في صنع القرار، وهذا ما أدى إلى تلاشي حجة السلطة (Argument d’autorité)، فبدا الخطاب خاليا من المشيرات التي تؤكد حضور رمزية رئيس الحكومة وسلطته المفترضة، فالسلطات هي التي تفرض القوانين، وتخبر المواطنين، والباث يوصل خبرا متداولا ومستهلكا، وهذا ما جعل هذا الخطاب خاليا من حجة السلطة التي تتأسس على هيبة المتكلم ونفوذه وسطوته، لأن “المثال (Modèle) ليس له من النفوذ والهيبة ما يجعل كلامه مقنعا”.
في ظل هذه الوضعية، وأمام هذا الفراغ الحجاجي، احتمى رئيس الحكومة بدموعه حتى يؤثر في المتلقي، ويصرف نظره عن فشله في مسعاه الحجاجي، وعن عجزه في إظهار مؤسسة رئاسة الحكومة في صورتها التي رسمها الدستور. هذا الهروب من الواقع، ومن وخزاته الممضة هو ما يسميه شاييم بيرلمان “مرض الديبلوماسية”، ويعرفه قائلا: “هو إحدى التقنيات التي تمكن من تأخير اختيار مُستكرَه، أو تضحية مؤلمة”، فاللجوء إلى البكاء كان تعبيرا عن الفشل في إنتاج خطاب حجاجي متماسك ومقنعٍ، لا سيما أن الذات المرسلة للخطاب تعرف أن المتلقي يدرك ضآلة وجودها وتأثيرها السياسي في المواقف الكبرى، وفي القرارات المصيرية والمهمة، وما غياب رئيس الحكومة، وإبقائه بعيدا عن تدبير صندوق الدعم المحدث بسبب جائحة “كورونا” سوى مثال من أمثلة متعددة وكثيرة.
ختاما، يحضرني هذا المقطع للشاعر أمل دنقل من قصيدته “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”، يتحدث فيه على لسان عنترة بن شداد، مع التنويه إلى فرق جوهري، يتمثل في كسب الفارس الشاعر الرهان، وإخفاق السياسي إخفاقا شديدا: