المنبر الحر
المنبر الحر | عندما عطست الصين أصيب العالم بالزكام

بقلم: عثمان محمود
“عندما عطست الصين أصيب العالم بالزكام”، “صار العالم قرية صغيرة”، “العالم اليوم صورة”.. هذه العبارات كثيرا ما ترددت على سبيل المجاز في سياقات مختلفة حسب المقامات التي ترد فيها، فإذا كانت العبارة الأولى غالبا ما تذكر فيما يهم المجال الاقتصادي والصناعي منه على وجه الخصوص، فإن العبارة الثانية وجدت لنفسها مقاما مريحا في المقالات والحوارات والتحليلات، وما إليها، عندما استثب الأمر لما بات يعرف بالعولمة، وهي تحكم قبضتها بكل قوة، أما العبارة الثالثة، فقد فرضت نفسها في ظل الثورة الرقمية، لما غدت الشاشات فارضة نفسها على الأيدي قبل الأعين، وبات كل طارئ مصورا، وكل صورة مثيرة قادرة على الطواف حول العالم في دقائق معدودات، لكن اليوم، بعدما وجد فيروس “كورونا” المستجد، غير المرحب به، مكانا له بين سكان المعمور، بتنا نلحظ خروج هاتيك العبارات من خانة المجاز إلى خانة الحقيقة، فما إن أحكم الفيروس السيء السمعة قبضته على مقاطعة ووهان في الصين، حتى انشغل العالم بأمره، وغرق الإعلام بمختلف أنواعه وتياراته في بحره، وراح يتتبع خطواته الساحقة لكل ما داسته أقدامه الثقيلة، بدء من المجال الصحي، ومرورا بالمجال الاجتماعي، وانتهاء بالمجال الاقتصادي الذي ترنح ترنحا قل نظيره منذ سنوات خلت، وتجاوبت جهات العالم الأربع مع الأحداث المترادفة التي تخص البؤر المتمركز فيها ذاك الفيروس الفتاك، وغدا كما لو أنه القرية الصغيرة التي التهمت النيران القش في أحد أحيائها، فظهرت الأدخنة من بعيد، وتأثرت الساكنة قاطبة بالمواد المحترقة التي تناقلتها الرياح، أما عن الصورة فحدث، ولا تفكر في التوقف، فقد واكبت ما يحدث أولا بأول، وأخذ منها البعض صبغة النمطية، وفي طليعتها تلك التي تركز على الأطقم الطبية في ملابسها الخاصة وهي تستعد لاستقبال الحالات المؤكدة، أو تباشر التعهد والعلاج، ولا ننسى تلك التي تركز على سبل الوقاية، سيما ما يتعلق بغسل اليدين، فهذه الصور النمطية، وغيرها كثير، تكررت بشكل متواصل وهي تجوب العالم بأسره، ثم ماذا بعد؟ ألم يصل الوقت المناسب لينتبه أبناء هذا العالم إلى أن الظروف التي باتوا يعيشون في كنفها، تستدعي تكثيف الجهود في اتحاد أمثل، وتعاون أشمل، لمواجهة مختلف الجوائح التي تتربص بهم، في اصطفاف، واتخاذ تدابير صارمة شبيهة بهذه التي واجهوا بها الفيروس المقيت، وما أكثر تلك الجوائح؟ أليست المخدرات وصنوها التدخين جائحتان تفتكان بالملايين سنويا؟! أليست الحروب الطاحنة من الجوائح التي أضحت في أيامنا تعمر أطول مما عمرت الحربان العالميتان بكثير، فتأتي على الأخضر واليابس، وتهلك الأنفس صغيرها وكبيرها، وتشرد الأسر، وتطوح بها في صحاري التيه والضياع؟! أليس التلوث بكل أشكاله جائحة سممت الأجواء والمياه والأراضي، وتسببت في الأمراض، وفيما بات يعرف بالاحتباس الحراري؟! هذه مجرد عينة مما يصطلي به أبناء الأرض في هذا العصر، فهلا انتبهت هذه القرية، التي تسمى العالم، إلى ما يتهددها من مخاطر مما صنعت أيدي أبنائها وبناتها، لعلها تقف في وجهها في حزم وعزم وإقدام، وهذا لعمري ليس بالمستحيل، فقد برهن الفيروس المبغوض على أن الإنسانية قادرة على التصدي لما ينوي إصابتها به، والصمود في وجهه.
تتمة المقال تحت الإعلان
تتمة المقال تحت الإعلان



