المنبر الحر

يا حسرة على بلاد الرافدين..!

بقلم: جميلة حلبي 

لا شك أن الكل يتساءل مثلي، ما الذي يحدث في العراق؟ أو ما الذي لم يحدث في العراق؟ بلاد الرافدين ومهد الحضارات الضاربة في القدم (الآشورية والأكادية والسومرية والبابلية..) قبل مجيء الإسلام، لتنضاف الحضارة الإسلامية إلى تاريخ هذا البلد العربي الذي ما إن تخلص من سيطرة الإمبراطورية العثمانية قبل عشرينيات القرن الماضي، وبعد أن عرف فترة حكم ملكي لم يدم طويلا، حتى انقلب إلى نظام حكم جمهوري، حيث ساهمت التراكمات الحضارية والتلاقح بين مختلف الأجناس في خلق بلد استثنائي تعيش في حضنه عدد من الديانات وعدد من الطوائف، مما جعل بلاد الرافدين مجالا خصبا للتوترات وعدد من الحروب التي قادتها السلطات مع الجيران (الحرب العراقية الإيرانية، حرب الكويت)، هذه الحرب التي استغلها الغرب للتدخل مرة ثانية في الخليج العربي، وجعلها ذريعة لتقسيم المنطقة حسب الاستراتيجيات الإمبريالية الجديدة، ومن جهة ثانية، لأن الرئيس العراقي آنذاك، الراحل صدام حسين، لم ترق سياسته لطموحات الأمريكان، فكان ما كان، ولا يخفى على أحد الغزو الغربي بقيادة الولايات المتحدة للعراق وما خلفه ذلك من مآسي وإبادة وويلات لازال العراقيون الآن يعيشون تبعاتها.. لتأتي مرحلة ما بعد الرئيس صدام، بخلق تنظيم “داعش” وجعل أرض العراق مهدا له ومسرحا لعملياته الإبادية، ذلك أن هذا التنظيم الإرهابي حصد ما لم يتم حصده من قبل، واستطاع خلق تطاحن ربما لن ينتهي، بين السنة والشيعة من جهة، وبين العرب والأكراد من جهة ثانية، ومحاولة القضاء على بعض الطوائف كالإيزيديين، الذين استعملت في حقهم جميع وسائل التعذيب.

ورغم تعاقب عدة حكومات، إلا أن الوضع في بلد أقدم الحضارات لازال على ما هو عليه، ولم يعرف العراقيون طعم الاستقرار، لا الاجتماعي ولا السياسي. لقد اختلط الحابل بالنابل ولم يعد أحد يعرف الوصفة السياسية التي بإمكانها إرجاع هدنة ولو نسبية للبلد، وها هي المظاهرات لازالت مندلعة في جميع أنحاء البلد وفي تصاعد منذ  شهر أكتوبر الماضي، لأسباب اجتماعية وسياسية تتعلق باستشراء البطالة والفقر وأزمة الطاقة وفساد الدولة، وكذا المشاكل الطائفية وتزايد النفوذ الإيراني، حسب شعارات المحتجين، دون أن يتمكن الفرقاء السياسيون من إيجاد حل للوضع، ليزيد الوضع تفاقما وتعقيدا، اغتيال قاسم سليماني، قائد “فيلق القدس” بالحرس الثوري الإيراني بمطار بغداد، وإن تضاربت الأنباء حول منفذ العملية بين من ينسبها لتنظيم “داعش” ومن يقول بأن أمريكا هي التي وراء الاغتيال، إلا أن الأمر سيطيل عمر الصراعات المتشابكة بالمنطقة، والتي لا يبدو لها أي حل في الأفق، في ظل تصاعد حدة الاحتجاجات بين الشيعة المؤيدين لإيران وبين العراقيين السنة، مما يغذي طبعا مطامع الغرب ويقوي أسباب بسط سيطرتهم على المنطقة، وهذا يدخل في إطار الاستراتيجية الغربية الكبرى التي هدفها ضرب الدين الإسلامي وجعل المسلمين في شتات دائم، وهذا ما جعل معظم الدول العربية الإسلامية لازالت تعيش على وقع ما أسموه الربيع العربي، والذي حل بالعراق متأخرا، والذي لم يستطع الخبراء السياسيون التكهن بما ستؤول إليه الأوضاع في القادم من الأيام.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى