تحقيقات أسبوعية

تقرير | هل يعلن الملك محمد السادس حالة الاستثناء كما أعلنها الحسن الثاني؟

أنباء عن استقالة حكومة سعد الدين العثماني أو تعديلها..

إعداد: رشيد بغا

يعيش المغرب على صفيح ساخن على المستوى السياسي، وبوادر أزمة خانقة تلوح في الأفق القريب بالتزامن مع الدخول السياسي الجديد، من أهم ملامحها الواضحة، احتقان اجتماعي ينذر بانفجار في أي وقت بسبب حكومة فاشلة استهلكت ما يكفي من الوقت دون تقديم أية حلول موضوعية للواقع وما يعج به من أزمات، في المدن والقرى على حد سواء، من احتجاجات سلمية إلى “حراك” إلى الهجرة العلنية عبر زوارق “الشبح” من شمال المملكة، والتي أودت بحياة شابة في العشرينات من عمرها وجرح أربعة آخرين بعد إطلاق وحدة من القوات البحرية المغربية النار في اتجاه القارب، الذي تعود ملكيته لبارون مخدرات إسباني(..).

إلى جانب ذلك، هناك واقعا حزبيا مريضا، يتكون من أحزاب مفلسة، تتزعمها وجوه مستهلكة وفاقدة لثقة الشعب، سواء من المعارضة أو الأغلبية، وحتى تلك التي لا تمثل شيئا في البرلمان وتلعب دور الطهرانية المغشوشة، لأنه ليس لديها ما تقدمه أو تؤخره كأجوبة على الواقع الصعب الذي يمر به المغرب سياسيا، ولا يمنح الدستور الحالي الجديد إمكانيات كثيرة لحلحلة الوضع، اللهم الخيارات التالية الممكنة، ليبقى السؤال، الذي ينتظر جوابا من الملك محمد السادس، واحدا من بين أربعة يتناقلها المغاربة، بل ويطالبون بها سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في نقاشاتهم اليومية للشأن العمومي: هل الحل يكمن في استقالة الحكومة بنفسها وتشكيل حكومة جديدة دون الذهاب إلى انتخابات؟ وهل إسقاط الحكومة، بملتمس رقابة تقدمه المعارضة والذهاب لانتخابات مبكرة، وسينتج عن هذا الوضع، فراغ مؤسساتي لمدة ثلاثة أشهر على الأقل، وفي ظروف اقتصادية كل الأرقام الرسمية تقدم مؤشرات بأنها خانقة والمغرب في غنى عنها، خاصة بعد “البلوكاج” الذي عرفته حكومة بن كيران لمدة تناهز 6 أشهر وما تسببت فيه من خسائر كبرى للمستثمرين الأجانب والمغاربة، وحتى خسائر إدارية واجتماعية فادحة، تقول التقديرات أنها وصلت إلى مليارات الدراهم؟

لكن من الحلول التي يتجه إليها المغاربة في ظل الأزمة الحالية، أو في الأزمات المشابهة، هو الملك محمد السادس، الذي تعلو أصوات كثيرة تطالبه بالتدخل لحل البرلمان والذهاب لانتخابات مبكرة، وهو ما سيدخل البلاد في فراغ مؤسساتي لمدة ثلاثة أشهر على الأقل، بل وأمام استياء جزء كبير من الشعب المغربي بسبب هشاشة الحكومة وفقدان الثقة بها وفي البرلمان بغرفتيه (مجلسي النواب والمستشارين)، فإن المطالب وصلت إلى حد إعلان حالة استثناء كما فعل والد جلالته، المرحوم الحسن الثاني سنة 1965، ففي مثل هذه الحالة، يعطي الدستور للملك حق اتخاذ القرارات التي يراها مناسبة، رغم أن كلفة هذا السيناريو مرتفعة جدا، سياسيا واقتصاديا، لكن في هذا الخيار، ستكون فرصة لمراجعة الجميع لذاته ويجد الأجوبة الشافية الكافية للمطلوب اليوم أمام التحديات الوطنية في شتى مجالات الحياة العمومية والأخطار المحدقة بأمن واستقرار البلاد، وهذا هو الربح والرأسمال الأساسي للسياسة في المغرب(..).

الدخول السياسي الجديد، حابل بالعديد من المفاجآت، ومنها الأنباء التي تلوكها الألسن بين المهتمين والمواطنين العاديين، عن إعلان حالة استثناء أخرى، فيما يرى كثيرون أن الظروف ليست ناضجة لاتخاذ مثل هذا القرار الدستوري، لأن التشابه قليل بين الشروط التي أعلن خلالها الراحل الحسن الثاني قراره وبين الظروف التي يتحكم فيها الملك محمد السادس بكثير من الاتزان والحكمة، نظرا لتنافي الواقعين، وتكلفة القرار وانعكاساته على الوضع المغربي، ستكون باهظة الثمن اقتصاديا وسياسيا، لأن الحسن الثاني، كما يروي عبد الهادي بوطالب الذي كتب خطاب حل البرلمان والإعلان عن حالة الاستثناء، أنه تلقى دعوة من الحسن الثاني وهو في مدينة إفران، حيث قال الملك الراحل لضيفه، ((إن الأمور لا تسير نحو الأحسن، والديمقراطية التي أخذنا بها معطلة، والبرلمان لا ينتج شيئا، إنه لا يزال عقيما، فلم يصدر عنه أي مشروع قانون، ولا مقترح، والبلاد فيها فساد، لذلك أريد، يقول الحسن الثاني، بقرار الاستثناء أن أصلح(..))).

ويضيف عبد الهادي بوطالب، أنه ((لم يكن الحسن الثاني، وهو الملك الجديد المنتشي بحماسه، يتصور أن تستقبله المعارضة البرلمانية المتمثلة أساسا في فريق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي سيحمل في 1975 اسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بما يشبه العصيان، وهو يفتتح إحدى دورات المجلس. لقد تقرر أن ينزع الاتحاديون اللباس الرسمي التقليدي المتمثل في الجلباب الأبيض والسلهام والشاشية الحمراء، التي اعتبروها رمزا للعبودية وهم يحضرون افتتاح دورة برلمانية يترأسها الملك، وعوضوا ذلك باللباس العصري)).

وأكد المصدر ذاته قائلا: ((لقد شكل هذا الموقف وقتها، الحدث السياسي الأبرز الذي غطى على كل ما حملته كلمة الملك في افتتاح البرلمان، وسجل المتتبعون أنها بداية معركة لن تنتهي بين الحسن الثاني والمعارضة، التي كانت قد حاولت إسقاط حكومة أحمد باحنيني سنة 1964، وهي تنجح في تقديم ملتمس للرقابة، رأى فيها الكثيرون بعد ذلك، بداية شد الحبل بين طرفي النزاع، الملك ومعارضته، وهو الشد الذي سيقود إلى انتفاضة الدار البيضاء، وإلى الإعلان عن حالة الاستثناء)).

ووقتها يقول بوطالب: ((كانت الأزمة الاقتصادية قد شدت بخناق المغرب، خصوصا بعد فشل الخطة الخماسية الأولى، التي كانت حكومة باحنيني قد وضعتها، ووصل عدد المعطلين في مدينة الدار البيضاء لوحدها، إلى أكثر من 300 ألف معطل، وما زاد الطين بلة، أن وزارة التربية والتعليم، قررت إبعاد كل التلاميذ الذين وصلوا سن الثامنة عشر من الثانويات بعد أن وصلهم داء السياسة، وإلحاقهم بالتعليم التقني، كان مبرر الملك هو ربط التعليم بعالم الشغل الذي كان في حاجة لمتمرسين، أكثر من حاجته لمتعلمين تعليما عاما، أما التفسير الذي قدمته المعارضة، فهي أن تلاميذ المؤسسات الثانوية، أصبحوا يشكلون خطرا على النظام لأنهم انشغلوا بالسياسة وانخرطوا في عدد من التنظيمات السرية التي ولدت منها “منظمة 23 مارس” و”إلى الأمام” و”القاعديين”)).
رغم أن الأحداث، اندلعت في مارس من سنة 1965، لكن الحسن الثاني لم يعلن عن حالة الاستثناء، حينما أغلق البرلمان وأخذ كل السلطة بيديه، عملا بمنطوق الفصل 35 من الدستور، إلا في يونيو من نفس السنة، أما قرار إعلان حالة الاستثناء الذي اتخذه أشهرا بعد ذلك، فقد كان بحسبه، محطة ضرورية من أجل الإعداد لإصلاحات جديدة.. هكذا فكر الملك الراحل، لكن خصومه السياسيين، رأوا في هذه الخطوة، التي كانت مبكرة وهو يتقلد الحكم، بمثابة إعلان عن سوء نية لما سيقع في المستقبل، خصوصا وأن حالة الاستثناء التي وصفها البعض بحالة الطوارئ التي توجد في عدد من الأقطار، امتدت لخمس سنوات.

لقد عاش المغرب الكثير من الأحداث السياسية بسرعة كبيرة، حيث تم التصويت على الدستور في 1962، ونظمت أول انتخابات تشريعية في 1963، وقدمت المعارضة ملتمس رقابتها ضد حكومة باحنيني في 1964، وتم حل البرلمان، والإعلان عن حالة الاستثناء في 1965، ليحتد الصراع بين المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية، بعد أن قام الملك بتجميع كل السلطة بيده.

سيتساءل القارئ،عن هذه العودة للتأمل في أحداث 1965، وأسباب إعلان الحسن الثاني حالة الاستثناء، من أجل قراءة للحاضر، وفهم علمي وتاريخي، بأن مرحلة الملك محمد السادس، مختلفة تماما، وما يروج من أنباء وسجالات بين المغاربة، هي مجرد آراء نحترمها، لكن بعين الصواب، هناك اختلافات وشروط متباينة بين الأزمة السياسية التي عاشها المغرب في ستينيات القرن الماضي، وأزمة حكومة سعد الدين العثماني، وهشاشة أغلبيتها التي وصلت إلى حد من الضعف والتفكك، إلى ضرورة إعادة النظر إما بإقالة جماعية، أو تعديل، وذلك أضعف الإيمان دستوريا، لأن توالي الجدل القوي بين أحزابها وخاصة العدالة والتنمية من جهة والتجمع الوطني للأحرار من جهة أخرى، دفع بالمواطن إلى فقدان الثقة بشكل مطلق في الحكومة والبرلمان وكل المؤسسات، مما جعل المغرب يجتاز ظرفا عصيبا يحتاج إلى علاج فعال وناجع مع الدخول السياسي الجديد، ومع افتتاح البرلمان في الجمعة الأولى من أكتوبر الجاري ،بإلقاء الملك محمد السادس، لخطاب افتتاحي ينتظر المغاربة مضامينه التي لا يستبعدون أن يعبر جلالته عن غضبة تاريخية تجاه عمل البرلمان والحكومة، وكل الفاسدين السياسيين مع الضرب بيد من حديد على فئة جديدة من المسؤولين، خاصة بعد عملية شد الحبل التي وصلت أوجها بين الفرقاء المشاركين في الأغلبية إلى حد صدور الحديث في الصحف الوطنية، عن إنهاء رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، لـ ((خطة تهدف إلى تقليص عدد الحقائب الوزارية لدواعي سياسية ومالية، ترتكز على أساس توزيع الخسائر بالتساوي بين الأحزاب الحكومية وعدم المساس بالتمثيلية النسائية في النسخة الثانية للحكومة)).

 وذكرت إحدى الصحف الوطنية، أن ((رئيس الحكومة، وسع دائرة النقاش بخصوص التعديل الحكومي المرتقب، مستهل شهر أكتوبر الجاري، بعدما حصل على الضوء الأخضر في الاستغناء عن ثمانية من كتاب الدولة)).

كما كشفت نفس اليومية، أن ((التعديل، من المرتقب أن يسقط حقيبتين للعدالة والتنمية، وتشمل لائحة المعنيين: محمد نجيب بوليف، وجميلة مصلي، وخالد الصمدي، ونزهة الوافي، كاتبة الدولة لدى وزير الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة المكلفة بالتنمية المستدامة، وحصة الحركة الشعبية ستقلص من كتابات الدولة بعد التعديل إلى واحدة، إذ سيتم حذف اثنتين من ثلاث حقائب بيد وزراء “السنبلة” في شخص حمو أوحلي، وفاطنة لكحيل، ومحمد الغراس، كما سيلاحق شبح الحذف، الفريق الوزاري للتجمع الوطني للأحرار، في شخص امباركة بوعيدة، كاتبة الدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، المكلفة بالصيد البحري، ولمياء بوطالب، ولن يستثني “نداء الرحيل”، رقية الدرهم كاتبة الدولة المكلفة بالتجارة الخارجية، وعثمان فردوس، المكلف بالاستثمار)).

السيناريو الذي تحدثت عنه الصحيفة، لم يصمد سوى أياما قليلة، حتى بدأ المتتبعون والمحللون يرسمون سيناريو آخر يتعلق بتقديم سعد الدين العثماني لاستقالة حكومته، ما سيترتب عنه قبول الملك للاستقالة، وتعيين شخص آخر من نفس الحزب، أي العدالة والتنمية، الذي احتل المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة كما يقول بذلك الدستور الجديد، أو تعيين الملك لشخصية ثانية من الحزب الثاني في الانتخابات، وهو حزب الأصالة والمعاصرة الذي حصل على 102 مقعد من أصل 395 مقعدا، هي إجمالي مقاعد البرلمان.. وبالتالي، تكليف حكيم بنشماس، الأمين العام الجديد، باختيار شخصية من “البام” لتشكيل تحالف حكومي جديد، سيكون حزب الاستقلال بقيادة نزار البركة، أحد المشاركين فيه، وكذا عزيز أخنوش، زعيم ” التجمع الوطني للأحرار، مع العلم أن حزب الاستقلال، بدأ تسخيناته لمواجهة الدخول السياسي الجديد، بإصدار خلاصات “الخلوة” الدراسية المنظمة من طرف اللجنة التنفيذية للحزب، لمناقشة تصور الحزب حول النموذج التنموي الجديد، المزمع عرضه على أنظار المجلس الوطني لـ “الميزان” في دورته العادية نهاية أكتوبر القادم.. الخلاصات التي أكد فيها جاهزيته للمشاركة في حكومة جديدة ببرنامج للإصلاح، نقله إلى الصحافة، حيث عبرت اللجنة التنفيذية عن أسفها بشأن تداعيات ما وصفته بـ ((الارتباك المتزايد في صفوف الأغلبية الحكومية، في تزامن غير مسبوق مع تصاعد الاحتجاجات في عدد من المدن، وتسرب اليأس والإحباط في صفوف فئات عديدة من المجتمع، وخاصة لدى الشباب الذي أصبح يفضل الهجرة عوض البقاء رهينة في يد حكومة عاجزة عن توفير الشغل وضمان كرامته)).

وأوضح حزب الاستقلال أن النموذج التنموي الجديد، الصادر عن اللجنة التنفيذية للحزب، يعتبر “الإصلاحات السياسية والمؤسساتية والديمقراطية، محورا لكل التعاقدات المجتمعية، ومدخلا لتحقيق القطائع والانتقالات الفعلية، وإنجاز الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية الملحة، والتجاوب مع الحاجيات المتزايدة والمطالب المشروعة للمواطنين)).

وبالواضح، ((دعا حزب الاستقلال مختلف الفرقاء، للالتفاف حول لحظة توافقية كبرى، بعيدا عن التدافع والتصادم، لتحصين المكتسبات، وإعطاء إشارات سياسية قوية بأجندة واضحة للمرحلة القادمة، لاستعادة الثقة في السياسة ومؤسساتها، وإضفاء المعنى من خلالها على جدوى الانتقال إلى هذا النموذج التنموي الجديد، بحيث يقتنع المواطنون المواطنات والشباب خاصة، أن هذا النموذج الجديد، سيكون فعلا، بوابة للارتقاء بالنسبة إليهم نحو حياة أفضل، بالإنصاف في توزيع الثروة، والمواطنة الكريمة)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى