ملف الأسبوع | أخنوش أفشل مهمة المنوني والقباج لصالح شخص عالي الهمة.. واغتيال سياسي لمؤسسة “رئيس الحكومة”
28 يناير، 2017
13 دقائق
إعداد: عبد الحميد العوني
نزع الملك الوجه المؤسساتي عن أزمة تشكيل الحكومة، وحولها إلى أزمة حزبية بدعوته البرلمان إلى المصادقة على ميثاق الاتحاد الإفريقي قبل تصويت هذه المنظمة على انضمام المغرب إليها، إيمانا منه بمبدإ “الحدود الموروثة عن الاستعمار”، المثار من طرف خصومه، وتحريكا في الداخل لمبدإ استقلال السلطة التشريعية عن التنفيذية، كما أكد على ذلك المستشار الملكي، المنوني في لقائه مع رئيس الحكومة المعين، عبد الإله بن كيران، فاقترح حزب العدالة والتنمية استمرار التشكيلة الحكومية الحالية، لكن أخنوش طالب بتوسيعها فرد بن كيران ببيان علق فيه المشاورات حول تشكيل الحكومة، وبدأت مشاورات انتخاب أجهزة البرلمان، ورفض حزب العدالة والتنمية إضعافه من داخل الحكومة، فتحول الأمر إلى إضعاف أي أغلبية من داخل البرلمان.
ولا يرغب الملك في أن تتوسع أي أزمة، وتطرح الأزمة الحالية بتعبير مجلة “أوراسيا”، إعادة هيكلة السلطة في داخل الدولة(1)، فمنذ فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية، تحولت وزارة الداخلية إلى خصم للحزب، واعترف بن كيران: “أنك لن تعمل شيئا في المغرب إن لم تتعاون معك هذه الوزارة” التي تعتبر إلى عهد قريب “أم الوزارات”، فكيف إذا كان الحزب المذكور في صدام علني معها منذ معارضته لطريقة إدارتها للانتخابات التشريعية الأخيرة، وفي صدام مع عالي الهمة، أحد مستشاري الملك والمؤسس التاريخي لحزب الأصالة والمعاصرة، ومست بشكل مباشر، في بيان للقصر، الحليف الاستراتيجي للحزب، نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية قبل أن توجه النيران إلى الحليف الجديد، حزب الاستقلال.
الرجوع إلى نقطة الصفر في تشكيل الحكومة لا يعني انتخابات مبكرة
قطع الملك، بدعوته البرلمان إلى التصويت على الميثاق الأساسي للاتحاد الإفريقي، مع أي انتخابات مبكرة أو سيناريو إعادة الانتخابات، بل يهدف مشروعه إلى تشكيل الحكومة من داخل البرلمان، وبذلك تخف أزمة الحوار بين أطراف حكومة تصريف الأعمال التي من المرتقب أن تكون “حكومة جديدة” ينصبها برلمان السابع من أكتوبر 2016، وبيان أخنوش مع الأحزاب الأربعة، إفشال لمهمة المستشارين المنوني والقباج، ومساندة للمستشار القوي، عالي الهمة.
واقترح بن كيران التعامل مع الملك على أساس مؤسساتي وقانوني في توضيح للمهمات والأهداف حسب الاختصاص، كما قام بالأمر، عمر القباج في قضايا القارة والانضمام إلى الاتحاد الإفريقي.
وبدأ رئيس الحكومة، حين تم إرسال مستشارين ملكيين له، بناء هذه العلاقة “المؤسساتية”، وليست علاقة رضى مع الملك، لأنه كما قال لموقع “الأول”، يطلب الرضى من والدته وليس من الملك، وعلاقته مع الجالس على العرش علاقة “احترام ووفاء”.
وفي تخلي حزب العدالة والتنمية عن كونه عازلا يحمي السلطة من حركة الشارع، لا يريد النظام تعزيز الانقسام في الشارع السياسي والحزبي، وهو من اعتبر الانتخابات “قيامة”، ولا يرغب في إعادة تسخين الوضع، مع العلم أنه أهدر وقتا كثيرا لتبريده.
ولا يريد النظام أيضا، أن يكرر التصويت على من هو ضد وعلى من هو مع المخزن في جولة ثانية بعد هزيمة الأصالة والمعاصرة، وفي ظل تحالف استراتيجي يعيشه المحافظون لالتحاق حزب الاستقلال بحزب العدالة والتنمية، لا يمكن ضمان العرش بصورة واحدة للملك، فيما يضمن كبرياءه حسب مقال علي عمار، من خلال لعبه ورقة “أخنوش”.
والليبراليون والحداثيون ليسوا معسكرا متكاملا وقويا في الشارع، وجاءت هزيمة عبد الرحمن اليوسفي، لأن المحافظين وعلى رأسهم حزب الاستقلال، عارضوه، فيما يقود المحافظون حاليا “الانتقال الثاني”، وأي انتخابات مبكرة لن تكون سوى استمرارا للانتخابات البرلمانية في 2016، وهي بدورها امتداد للانتخابات البلدية.
والهامش الواسع الذي تحركت فيه وزارة الداخلية بين الموعدين، لن يتكرر في موعد آخر، ولا يضمن فيه الرأي العام بالضرورة: نزاهة الاستحقاق.
وتتعلق المسألة في الجوهر بصراع قوي على السلطة داخل الدولة، فبن كيران في مخاطبته، يقدم مستشارين ملكيين على عالي الهمة، ويقدم المستشار القوي أحزابا أخرى على حزب العدالة والتنمية في الحكومة القادمة، ولا يترك طرف للآخر مجالا للعب في مربعه.
والواقع أن أخنوش مثل القصر في الحكومة، ومثل “لعنصر” الحسابات الصرفة لوزارة الداخلية، ويريد بن كيران تصريف قرار الدولة عبر رئيس الحكومة، لأن الملك كما قال “هو رئيسي”.
وحسب “أفريكا ريفيو”، فإن أخنوش أراد إعطاء أوكسجين للحكومة بالاتحاديين(2) ويرفض أوكسجين بن كيران من الاستقلاليين، فيما يحاول أخنوش أخذ الموقع الأخلاقي لبن كيران، وشعاره “أغراس”، والكلمة ليست سوى الترجمة الأمازيغية لشعار بن كيران “المعقول”.
وقد يقسم الدفاع الشخصي عن أخنوش دولة المغرب، إلى أمازيغي ضد عربي، فالقيادة السوسية تجمع ساجد وأخنوش، وفي جوارهما لشكر التابع لمنطقتهما، وتريد نقل القيادة في حزب العدالة والتنمية إلى سعد الدين العثماني، ولعب الأخير بشكل خطير، دورا في الدفاع عن وجود أخنوش في الحكومة، وعرقلة إعلانها بضم الاتحاد الاشتراكي.
وعزز هذا التحالف ممثل الأطلس، امحند لعنصر، وغطاها في المعارضة رجل الريف ورئيس الأصالة والمعاصرة، إلياس العماري.
ويستميت هؤلاء في الدفاع عن سعد الدين العثماني، ويريدون رأس بن كيران، كما قالت افتتاحية جريدة “العلم”، أو تحويله إلى”دمية” حسب تعبيرها، وتخلى بن كيران عن الاستقلاليين ولم يتخل أخنوش عن الدستوريين والاتحاديين، وهو ما حدا بالملك للتدخل في مجلس وزاري لوقف الانزلاق، من خلال اشتغال البرلمان وإن بقيت الحكومة، حكومة تصريف الأعمال لمدة أطول.
وتتخوف البورجوازية قبل غيرها من هذه التطورات، بفعل إقرار المراجعة الضريبية التي استهدفت غريمي أخنوش، الوزير العلمي من خلال شركته “ساهام” بـ130 مليون درهم، وعثمان بن جلون بـ900 مليون درهم.
وإلى جانب هذه البرجوازية المستهدفة، لدفاعها عن الاستقرار، نجد البورجوازية الوطنية (التقليدية) الممثلة في حزب الاستقلال، والنيوليبرالية التي يدافع عنها بن كيران ولا يمثلها.
كريم العمراني في عهد الحسن الثاني هو عزيز أخنوش في مرحلة محمد السادس
تكاد أزمة 2017 ضد حزب العدالة والتنمية تشبه أزمة 1983 ضد الاتحاد الاشتراكي، حين تقدم رجل الأعمال، كريم العمراني لرئاسة الحكومة، وفي قراءة “ليزستورم” التي صدرت عام 2007(3) ما يفيد أن العرش تخوف من العودة إلى الشارع، أو صناديق الاقتراع في أي أزمة تُدار ضد طرف أو أطراف حزبية، ويحافظ النظام على مستوى من المنافسة “المعقولة والحرة والعادلة”، وإن جمد بعض العدالة في كواليسه، فإنه لا يعلن إعدام “الأحزاب الكبيرة”.
ولعب بن كيران ورقة العلانية في المشاورات، في تكثيف جديد لمسار الديمقراطية كما تقول الدراسة، لنهاية نخبة مندمجة أو منصاعة مع عادات موروثة عن الاستعمار، وحاليا، تقاتل نخبة من أجل الشفافية ورفض “العائلة السياسية”، لكن “العائلة المالية” تسيطر على الجزء الكبير من الكعكة.
وتوحد هذه النتيجة بن كيران وشباط، ويعرف الأمين العام لحزب الاستقلال لماذا يدفع الثمن؟ والجواب واضح، لأنه أبطل أول خطة في انتخاب هياكل مجلس النواب، وهو ما قرره الملك نفسه باسم المصادقة على الاتحاد الإفريقي في آخر مجلس وزاري.
العودة إلى نقطة الصفر في تشكيل الحكومة، أعاد سيناريو “8 أكتوبر” الماضي، أي 24 ساعة بعد إغلاق صناديق الاقتراع، والمطالب بانتخاب هياكل البرلمان، ويجري حاليا تحت مبرر المصادقة على ميثاق الاتحاد الإفريقي، ولم يتوقع عالي الهمة إصدار بيان “انتهى الكلام” قبل أن يضع العدالة والتنمية كل ثقله في تشكيلة حكومة تصريف الأعمال
فصل السلطة التشريعية عن التنفيذية، بانتخاب هياكل البرلمان دون انتظار تشكيل الحكومة، سلوك ديمقراطي آخر للدستور، وقبل الملك بهذا الرهان بإرسال مستشاريه القانوني والدستوري إلى بن كيران بشكل رسمي.
ولم تتوقع السلطة أن يسحب عبد الإله بن كيران البساط من تحت قدمي المستشار السياسي، ويضع كل الثقل في “المنوني”.
وبهذه الخطوة، مر تشكيل الحكومة إلى مرحلة بنائها على أساس التعاقد السياسي، حيث تصبح نتائج الانتخابات “محددا وحيدا” في تشكيل الحكومة.
ورفض خطاب الملك من دكار “المعادلة الكمية”، ومنطق الغنيمة قبل أن يؤسس بن كيران منطق الأغلبية على أساس الدستور والقانون بدل العرف.
وفي المقابل، تحفظ بن كيران على إقحام الملك بحجة أنه “لا يريد إحراج جلالة الملك”، لكن العاهل المغربي أرسل مستشارين، وطلب من رئيس حكومته فصل السلطة التشريعية عن التنفيذية، وبالتالي، انتخاب هياكل البرلمان لأنه راعي المؤسسات.
ولم يمنع تكليف رئيس الحكومة للقاء رئيس موريتانيا، من تعزيز “الطابع المؤسساتي” بين الرئاستين: رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة، لكن هذا لا يعني أن المغرب اقترب من “حرب الرئاستين”.
وخسر بن كيران ولاية كاملة في البحث عن “الثقة” مع القصر ومحيط الملك وبناء كل شيء على هذا العامل، واختار في الولاية الثانية الفعالية بدل الثقة، وفعلا نقل رئيس الحكومة المعين التجاذب إلى المؤسسات، وأفرغ الشارع من المعارضة، إلا من الإيديولوجيين والجذريين.
ودفاع بن كيران عن دخول الأحرار إلى حكومته يؤكد قبوله بمعارضة من داخل الحكومة، على أن يكون الوضع مؤسساتيا، ولو في معارضة وجهات نظر رئيس الحكومة من داخل الحكومة.
والواقع أن مستشاري الملك ليس لهم وضع مؤسساتي، بل وضعهم مستمد من موقع الملك وشخصه، والتحول “المؤسساتي” في البلد، يقبل معه بن كيران أن يكون فيه تمثيل حزبي لما يدعى “التوجه الملكي الخالص” إلى جانب الملكيين الممثلين للشارع.
ومن البديهي أن تؤكد الأحزاب على نزعتها الملكية، وترفض احتكار الملك، كما رفضت احتكار الدين مع العدالة والتنمية.
رئاسة مجلس الوزراء تنتصر “مؤسساتيا” على رئاسة الحكومة، وعدم حضور أخنوش ووزراء حزبه إلى مجالس الحكومة، بداية حرب ضد هذه المؤسسة، وتوجيه لكل الثقل إلى المجلس الذي يرأسه الملك، على الأقل في توجيهاته الأخيرة، وبدا واضحا الاستعانة بمجلس الوزراء للانتصار على حكومة “تصريف” الأعمال، وتشكيل حكومة يريد رئيسها أن يبرز “العلاقة المؤسساتية” مع الملك.
تحاول رئاسة المجلس الوزاري أن تستثمر الفراغ المؤسساتي لصالحها على صعيد الحكومة، وأفرغتها أكثر، بإقالة الأمين العام للحكومة لوزراء العدالة والتنمية، بداية للضغط على الحزب قبل أن يتواصل بضرورة “انتخاب هياكل لمجلس النواب دون انتظار تشكيل الحكومة”.
ويؤكد بن كيران في هذا الصدد، أنه مجرد “حادثة سير” لأنه جاء “محمولا على رياح الربيع العربي” وأراد بعد انتخابات 7 أكتوبر البرلمانية والعادية، أن تكون قوته مؤسساتية وعادية أيضا.
من جهة، لأن علاقة القصر الملكي ببن كيران اجتازت الصحراء، وعادت المعركة بحسابات جديدة، بدأت بانتزاع صندوق التنمية القروية من رئيس الحكومة، وتواصلت بمحاولة تشكيل الحكومة بعيدا عن نتائج 7 أكتوبر، في تجاوز لما سمي المقاربة العددية.
وخط حزب الأحرار موازنة 2017، بتخفيض يصل إلى 20 في المائة من ميزانية رئيس الحكومة لإنهاكه إلى حد بعيد، ولا يزال الحزب مصرا على رفض أي دعم مباشر للفقراء، فيما يرغب حزب العدالة وبن كيران في هيكلة مؤسسة “التعاون الوطني” وتخصيص مليار إلى 3 ملايير درهم لمحاربة البطالة، وإنشاء مشاريع غير ربحية لضمان “الحد الأدنى” من العيش لكل مواطن كما صرح بذلك.
ويعارض النيوليبراليون هذه المشاريع، وخفضوا برنامجا بدأ من تمرير موازنة 2017 بدون ملاحظة برلمانية أو تعديل محتمل.
وفي المحصلة، يمكن أن يقرر حزب العدالة والتنمية التراجع عن النسبة الكبيرة من مشاريعه، وهو الانتصار المتوقع، من الآن، لرئاسة مجلس الوزراء، ولم يعد أخنوش وحزبه مهتما بحضور مجلس الحكومة كما كان الأمر عليه مع مزوار.
إن ما يجري، محاولة اغتيال سياسي لـ”مجلس الحكومة”، خصوصا وأن حكومة تصريف الأعمال، خرج منها وزراء حزب العدالة والتنمية، ويتواصل غياب أخنوش عما سار عليه مزوار، الرئيس السابق للأحرار، وإن كان معللا بإدارته للخارجية، أما أخنوش، فيقاطع هذه المجالس لخلاف سياسي مع رئيس الحكومة.
يقول بن كيران: إن الملك ـ في المجلس الوزاري ـ هو رئيس “رئيس الحكومة”، لذلك فهو لا يؤمن بتنازع الصلاحيات وليس بطلا في هذا الموضوع، لكن إدارته للمعركة جاءت ضد أحزاب تنازعه ولا ينازعها، وتحاربه ولا يحاربها، وكما قال في البرلمان: إن الفساد يحاربني ـ وأنا لا أحاربه ـ ويعترف بأنه لم يتنازل عن أي شيء، إنما له ثلاثة حلفاء، لديهم ارتباطاتهم، وضرب مثلا بوزير التعليم “بلمختار” الذي عوض “الوفا” الذي كان بدوره يطبق تعليمات الدولة، وليس “تعليمات الحكومة”، وقال بخصوصه: “لقد كنت مختلفا مع عالي الهمة، وكان الهاتف بيني وبين هذا المستشار إلى آخر الليل”.
وحول بن كيران معركته ضد التحكم إلى “حرب” لن تنتهي إلا بزواله، وهذا التمسك برفض التدخلات المنسوبة إلى جهات سيادية في القرار الحزبي، يسير بعيدا في المس بتأثير الداخلية والقصر.
والواقع أن الملك حريص على وزنه السياسي، ولا يريد المس بالدستور أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، والمجهول، عدو الملك وبن كيران، بما يزيد من البحث على هدنة، وبعمل البرلمان دون تشكيل الحكومة، يتحول القرار كاملا إلى مجلس الوزراء، ويقتل “مؤسسة رئاسة الحكومة”.
وقبول تحويل تشكيل الحكومة الجديدة إلى مجرد تعديل وزاري، لم تستسغه الدولة العميقة وأخنوش تحديدا، فيما قبلته الدوائر الأمنية.
وتخوفت مصادر القرار من تآكل مصداقية الانتخابات في المملكة، في ظل تضخم العزوف السياسي والانتخابي، وستزيد هذه الظاهرة من مصداقية المقاطعين.
وتفرض الحسابات على الأرض، تأجيل رهانات كل طرف إلى ما بعد هذه الولاية، وإن ظهر للعيان بأن المؤاخذات المسجلة على الشركاء في الأغلبية الحكومية والتحرر من سلطة رئيس الحكومة، سيزدادان، لقتل ممنهج للمؤسسة التي يقودها بن كيران، ونقل ما تبقى من ثقلها إلى المجلس الوزاري.
ولدى أخنوش حسابات مربكة، من رفضه إعادة هيكلة نفس الأغلبية التي تشرف على تصريف الأعمال، لأنها لا تعطي أي حجم سياسي لما سيقع في المشهد السياسي، وهو يرأس هذه المرة حزبا، ولا يشرف على أجندة ملكية في قطاع وزاري محدد.
وما وقع من تباين بين الدولة وحزب الأصالة والمعاصرة، بعد انسحاب عالي الهمة منه، هو نفسه مع أخنوش بعد قيادته لحزب الأحرار، وفرض هذا الوضع الجديد أن تكون التقديرات متجهة إلى عدم إضعاف الأحزاب.
وفسر الطالبي العلمي، قبل “حادثة موريتانيا”، أن معارضة حزبه لحزب الاستقلال في دخول الحكومة ناتج عن الغربة بين الحزبين، ولها صلة بالحقائب التي عوضه فيها، بما يجعله منافسا، لكن المسألة لم تعد حول الحقائب كما ظهر في الاقتراح الأخير لبن كيران، ولكن الحزب أراد أن يؤطر “قتلا ممنهجا” لمؤسسة رئيس الحكومة، بعدم الانضباط إليها في المستقبل، إلا من وزراء حزب العدالة والتنمية ومقعدين للتقدم والاشتراكية، ولن يستطيع بن كيران عقد مجلس حكومي بنصاب أو فعالية، فتضيع هذه المؤسسة وتتجمد.
ويصارع رئيس الحكومة كي لا تموت مؤسسته بطريقة “ممنهجة” و”باردة”، دون أن يمس أحد الدستور، أو يفرغه من مضامينه عبر تعديلات تقترحها الأحزاب القريبة من مصادر القرار.
ويعتقد هؤلاء أن رؤية الملك والدولة ستكون في المجلس الوزاري، فلماذا غيره؟ وهذا الاغتيال الممنهج لمؤسسة رئيس الحكومة، يفرغ بن كيران من سلطات منصبه، ويؤسس للحظة تدبير تقف عند حكومة برأسين، أو تنتهي إلى دولة برأسين أو برئاستين، وهو الأمر الذي يقاتل محيط الملك لعدم بلوغه من خلال استراتيجية صامتة لا تؤثر على سمعة أو صورة الدولة.
حزب العدالة والتنمية عازل ومعزول
يريد النظام من حزب العدالة والتنمية، أن يكون حزبا عازلا يحميه من الشارع، ومعزولا في الدولة، وهذه المعادلة غير ممكنة دون مغامرة، ويريد الطرفان ربح معركتهما بالنقط.
وفي مسلسل هذه التنازلات، فإن القصر لا يستطيع أن يرمي كل الإسلاميين إلى الهامش، وقد تحولوا إلى كتلة مع المحافظين، كما يود أن يحمّل أي فشل في عدم انضمامه إلى الاتحاد الإفريقي إلى الوضع الداخلي، بفعل ما عرفه تشكيل الحكومة من صعوبات، وفي حالة النجاح، سيكون الملك وحده صاحب الانتصار في هذا التحدي.
من جهة أولى، يظهر إيمان الملك بمبدإ استقلال السلطة التشريعية عن التنفيذية لتجاوز صورة تعززها صعوبات تشكيل الحكومة من أطراف محسوبة على القصر، ومن جهة ثانية، تريد الرباط أن تستبق نتائج تصويت الأفارقة على دخولها من عدمه إلى الاتحاد الإفريقي.
لن يكون لأي حكومة فضل المشاركة أو المساندة في حال دخول المغرب إلى الاتحاد الإفريقي
سيكون بالفعل، دخول المغرب إلى الاتحاد الإفريقي رهانا خالصا للملك لم يدعمه فيه لا حزب ولا حكومة، ولا دبلوماسية برلمانية أو موازية، وهناك من يخدم هذه الصورة والهدف منها، العمل على المزيد من عقلنة وتشكيل الحكومة، وتكشف الحسابات التكتيكية للأطراف أن جهات لا تريد أمرين:
أ ـ تشكيل الحكومة قبل التصويت على دخول المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، فإن فشل المغرب، تحملت الأحزاب هذه الورطة، لأنها لم تساعد الملك في الوصول إلى هذا الهدف، وإن نجحت الرباط، نزل ثقل المستشارين الملكيين لتحديد الاستراتيجية الجديدة.
ب ـ أن المغرب يحتفظ بهامش المناورة الذي يؤخر المفاوضات مع البوليساريو تحت إشراف الأمم المتحدة إلى حين تشكيل الحكومة، وأيضا انضمامه إلى الاتحاد الإفريقي بما يخفف الضغط الشديد الذي عرفه الملف مؤخرا في مجلس الأمن.
واللعب على المساحتين، الإفريقية والأممية، يضمن للعاصمة الرباط جزءا من قدرتها كي لا تبقى معزولة.
إذن، فالرهان على دخول الاتحاد الإفريقي استراتيجي بكل المقاييس، وأثر على حسابات داخلية بشكل غير مسبوق، وقد حسب بعض المراقبين المحليين أن الميكانيزمات الحزبية حاسمة، لكنها تابعة للوضع الإقليمي.
ويعرف كريستوفر روس، أن المغرب سيؤخر تشكيل الحكومة إلى حين ذهاب بان كيمون، وصرح بالأمر في مناسبتين على الأقل، وحاليا، تحاول المملكة أن تشكل حكومتها كي لا تظهر ضعيفة، لكن حسابات الانضمام إلى الاتحاد الإفريقي تفرض تقديرات أخرى.
لا حوار مع الهمة ولا مع وزير الداخلية حصاد، عندما اتخذت الوزارة مخاطبها في شخص امحند لعنصر، والقصر في شخص أخنوش، فانتهى الوضع إلى رهان قوة بين بن كيران وباقي مراكز القرار
إن رهان القوة، كما وصفته “لوموند”(4) بين الحزب الإسلامي ومراكز القوى، يذهب بعيدا إلى القول أن أخنوش وبن كيران مجبران على التفاهم، كما يقول “موقع 360″(5).
وتؤكد هذه الصيحة من داخل الصالونات السياسية في العاصمة، على صعوبات في تمدد الأزمة، أو قبولها أو الاتجاه إلى دفن انتصار الإسلاميين(6)، حسب تعبير مركز ألماني.
وعدم تشكيل الحكومة خسارة لحزب العدالة والتنمية(7)، فيما تقترح جريدة “ليزيكو” المملوكة للوزير العلمي، المنافس لأخنوش، حكومة أقلية(8) دون إعلان فشل رئيس الحكومة وحزبه، ويبقى المغرب في نظر الإعلام الفرنسي من دون حكومة(9)، لأن العودة إلى نقطة الصفر، تصعيد للمشكل إلى مرتبة أخرى، فيما اقترح الملك إعادة توجيه المشكل وليس تصعيده.
ولا تحتاج اللحظة إلى تعديل الدستور، لإسقاط قوة رئيس الحكومة، بل تبخيس مؤسسته ورفع المجلس الوزاري، وتثمينه كما يريد أخنوش.
ويربح النظام على كل المستويات، ومن هذا القرار المتداخل، على كل الصعد إفريقيا وأمميا وداخليا، حيث يرسم محيط الملك العلاقات الجديدة مع الحكومة بالقدر الذي لا يريد بن كيران أن يهينه أي حزب منافس.
وفي هذه المعركة، انعزل النيوليبراليين عن المحافظين الجدد (الأصالة والمعاصرة) وانفصلا عن المحافظين التقليديين (حزب الاستقلال)، كما خسر أخنوش تركيبة الأحرار بفعل ما حدث مع الوزير العلمي الذي يدعم “الاستقرار الحزبي”.
ولا تريد أطراف عديدة الوصول إلى نتيجة مفادها: “لا يمكن لأي حكومة أن تتشكل في عهد الملك محمد السادس إلا بفضل عالي الهمة”.
وحاليا، لا حوار بين بن كيران والهمة، ولا مع وزير الداخلية حصاد، عندما اتخذت الوزارة مخاطبها في شخص امحند لعنصر، والقصر يتحدث عبر شخص أخنوش على الأقل في الأوساط الإعلامية، رغم خطإ بعض التقديرات، لكن الوضع انتهى إلى رهان قوة بين رئيس الدولة وبن كيران وباقي مراكز القرار.
وشهد بن كيران على نفسه، بأنه قدم اعتذاره للملك ومستشاريه في أزمة صامتة وصعبة، لكنه بعد قرار عدم حل حزب الأصالة المعاصرة لنفسه، عاد هجوم بن كيران على المستشار الملكي، وتجاوز حزب الأصالة في النتائج البرلمانية الأخيرة، قرار “الحل”، كما كسر حزب العدالة قاعدة معروفة في عهد محمد السادس، تتجلى في عدم تجديد أي رئيس حكومة لولاية ثانية.
ولا يزال الرهان في نظر بن كيران على نخبة “لها أصالة وكرامة خاصة”، حيث أعاد الاعتبار لحزب الاستقلال في قلب مندوبية “لكثيري”، الاتحادي المعروف، وحضر عبد الرحمن اليوسفي افتتاح مركز تابع للمندوبية السامية لقدماء المحاربين وأعضاء جيش التحرير، وسحب رئيس الحكومة من الاتحاديين احتكارهم لهذه المناسبة في وجه حزب الاستقلال.
وتحالف الاتحاديون مؤخرا مع عزيز أخنوش في وجه حزب العدالة والتنمية بعد إقصائهم من المشاورات.
وكتبت جريدة “العلم” الناطقة باسم حزب الاستقلال، على شروط الأحرار لتشكيل الحكومة “لم يبق ـ لأخنوش ـ إلا أن يطلب من رئيس الحكومة المكلف عدم إشراك حزب العدالة والتنمية في التشكيلة المقبلة”.
هندسة حكومية لأول مرة دون تأثير المستشار عالي الهمة في عهد ما بعد الحسن الثاني، سيكون تقدما كبيرا على مسار الديمقراطية والشرعية الشعبية المصادق عليها من طرف الملك
انتقل كل التأثير إلى المجلس الوزاري عوض مجلس الحكومة، وسيتعزز في الأيام القادمة، لأن حزب الأصالة انتهى في 7 أكتوبر، وانحصر حزب الأحرار بعد بيان “انتهى الكلام”.
ومن المهم معرفة إلى أي حد سيكون تأثير عدم مشاركة المستشار عالي الهمة في هندسة الحكومة الجديدة، وهو مهندس كل حكومات عهد محمد السادس، بشهادات مختلفة، وفي مقدمتها بن كيران الذي اعترف بهذا الدور، ونفاه عباس الفاسي فور تصريح لحميد شباط يؤكد فيه نفس ما أورده الأمين العام لحزب العدالة والتنمية.
وتجمع تقارير ذات طبيعة حساسة، أن وصول المغرب إلى تشكيل حكومة دون تأثير وحسابات ومباركة عالي الهمة، “قفزة متقدمة في عمل الأحزاب ودورها وفي كل المسار الديمقراطي”، وهو رهان ترفضه مراكز القوى الفاعلة في المملكة، وقد تأكد للفاعلين الدوليين أن المؤسسة الملكية هي الحاكمة الفعلية في كل التفاصيل.
وانعكس هذا التقدير على رؤية الأمم المتحدة التي تعطلت زيارة مبعوثها كريستوفر روس، تحت مبرر عدم وجود حكومة، وفي انتظار تشكيلها، يراقب الجميع إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، وإدارة خليفة بان كيمون على رأس الأمانة العامة للأمم المتحدة، وقد طالب الأول كل الدبلوماسيين الذين عينهم أوباما بالعودة الفورية إلى واشنطن، ويعمل مكتب الأمين العام على تغيير المبعوثين الشخصيين.
وربح القصر في ظل هذه الظروف الانتقالية، داخل المملكة، وفي إفريقيا، وإن جاءت أزمة “الكركرات” مخيبة لأهداف الرباط، وقد حد من خسائرها في التطبيع الأخير مع موريتانيا.
وعلى الصعيد الداخلي، شكل الانقسام السياسي حول بن كيران وأخنوش صعوبة إضافية، لأن الرباعية التي أطلقها حزب الأحرار تستهدف إبعاد حزب التقدم والاشتراكية عن الحكومة بعد نجاح أخنوش في إبعاد حزب الاستقلال، وكادت أن تنجح العملية لولا فورة بن كيران التي قالت بنهاية اللعبة، بعد توقيعه لبيان “انتهى الكلام”، وبدأ فصل آخر في البرلمان لن ينجح على الأقل في نظر تقرير أمريكي، لأن المجلس الوزاري والبرلمان سيقتلان رئاسة الحكومة وبالتبعية رئيس لحكومة.
هوامش
1_ «Morocco and Arab Sping»: a crisis averted? «Eurasia review» 13/1/2016.
2_ Morocco faces political impasse after talks collapse (r.3/1/2017)
3_ democratization in Morocco: «the political elite and struggles for power in the post – independence state», «lisestorm», routledge, 2007
4_ l’épreuve de force se poursuit pour le premier ministre Abdalilah Benkirane, charlotte bozonnet, «le monde» 10/1/2017.
5_«futur gouvernement: Benkirane et Akhnouch condamnés à s’entendre» fr.360 (9/1/2017).
6_ «Islamist election victory in Morocco tiggers government, formation crisis», Nov 5, 2016 (giga).
7_ Morocco: is political crisis looming as PJD failes to form, the North African post (22/ Nov/2016).
8_ Benkirane dispose d’autres options pour la formation du gouvernement, les échos. (10/1/2017).
9_ Maroc: le pays toujours sans gouvernement, «le parisien», AFP, (r, 20196).