تحقيقات أسبوعية

مع الحدث | تفكيك أرقام ميزانية 2027.. من استقالة بيفان التاريخية إلى حكومة الخصخصة الصامتة

وهم الدولة الاجتماعية والفخاخ المحاسباتية

تختزل الذاكرة السياسية والاقتصادية المعاصرة، الصدام الفلسفي بين الحقوق والأرقام في حادثة “أزمة الرعاية الصحية البريطانية عام 1951″؛ فبعد ثلاث سنوات فقط من تأسيس هيئة الصحة الوطنية كأول نموذج متكامل لـ”إلغاء تسليع الحقوق الإنسانية” ورعاية المواطن من المهد إلى اللحد، وجدت الحكومة البريطانية نفسها أمام عجز ميزانياتي ناتج عن تمويل البنيات العسكرية للحرب الكورية، ولتأمين التوازنات المحاسباتية، لجأ وزير المالية البريطاني آنذاك، هوغ غيتسكيل (Hugh Gaitskell)، إلى فخ تشريعي تحت مسمى “ترشيد النفقات”، فرض بموجبه رسوما مالية طفيفة على الخدمات الطبية والنظارات وأطقم الأسنان، معتبرا الإجراء مجرد ضبط تقني للصناديق العمومية. هذا الفخ المحاسباتي دفع مؤسس الدولة الاجتماعية ووزير الصحة، أنيورين بيفان (Aneurin Bevan) إلى تقديم استقالته المدوية من الحكومة، رافضا تحويل الحق الجوهري إلى “سلعة استهلاكية” خاضعة لمنطق المال، ومحذرا من أن التضحية بتمويل المرفق العمومي لفائدة قطاعات الحجر والحديد ستدفع المواطن قسرا نحو الخصخصة الصامتة وتوليد التطاحن اليومي في الواجهة.

مصطفى السباعي
بقلم: مصطفى السباعي

أولويات كينز وأطروحة أندرسن في تفكيك بنية الرفاه

تتمة المقال تحت الإعلان

تتحدد الأصول النظرية المعاصرة لمفهوم الدولة الاجتماعية (The Welfare State)، كبنية مؤسساتية متكاملة تهدف إلى تحقيق الأمان المجتمعي المستدام، وليس كآلية لتوزيع المساعدات النقدية المشروطة أو منح التخفيضات الجبائية المعزولة، وتستند هذه الرؤية بالأساس إلى المدرسة الكينزية (Keynesian Economics) التي ترى في التدخل الاقتصادي للدولة ضامنا للتوازن الاجتماعي عبر الاستثمار البشري، وليس فقط عبر تدبير المؤشرات الماكرو-اقتصادية الجافة.

تتمة المقال تحت الإعلان

في هذا السياق، يشكل النموذج الذي صاغه عالم الاجتماع السياسي الدنماركي إسبينغ أندرسن، المرجع الأساسي، حيث يربط الدولة الاجتماعية الحقيقية بمفهوم “إلغاء التسليع”، ويعني به قدرة المواطن على الحصول على خدمات عمومية ذات جودة عالية (كالصحة والتعليم..) كحقوق إنسانية أصيلة، دون أن يكون مرغما على شرائها من السوق.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن حصر الجهد المالي للدولة في تقديم تحويلات نقدية مباشرة للأسر – وهو ما ينتقده المفكر الاقتصادي البريطاني غاي ستاندينغ في أطروحته حول “البروليكاريا الجديدة” ((The Precariat – يعد تحولا نحو نظام “الحد الأدنى التمويلي”، الذي يفضي، من منظور مدرسة تنظيم العمل الفرنسية، إلى نمط تدبيري نيوليبرالي يهدف إلى “تنقيد الحقوق” (Monétisation) لتفادي الكلفة الباهظة لتأهيل المرافق.

كيف تتحول “الحماية” إلى فخ محاسباتي ؟

وهنا تحديدا يلتقي التنظير الأكاديمي بالواقع التشريعي؛ فالنمط النيوليبرالي الذي حذرت منه “مدرسة تنظيم العمل”، يجد تجسيده الكامل في الهندسة المالية لمشروع قانون المالية رقم 60.26 للسنة المالية 2027 ومذكرته التقديمية؛ فالوثائق الرسمية لا تقدم هذه التوجهات كتقليص للمكتسبات، بل تعيد صياغتها في قالب لغوي تقني دقيق يبدو تضامنيا في ظاهره، لكنه يخفي في عمقه الإجرائي “فخاخا ميزانياتية” مصممة لإنقاذ المؤشرات المحاسباتية على حساب المضمون الحقيقي لـ”إلغاء التسليع”، ويتجلى هذا التناقض البنيوي بين الشعار الفلسفي والآلية الرقمية في أربعة فخاخ رئيسية سطرها المشروع:

1) فخ “ترشيد الإعفاءات” مقابل شعار تحسين الدخل: تُسوّق الحكومة مراجعة جدول الضريبة على الدخل كإجراء يرفع الحد الأدنى المعفى إلى 60.000 درهم سنويا، لإعفاء الأجور الصافية دون 5000 درهم شهريا، غير أن هذا المقترح يخفي خلفه فخ التدرج الزمني الممتد عبر 5 مراحل حتى فاتح يناير 2031، ويقابله تشريعيا فخ إجرائي أدرجته المذكرة التقديمية تحت عنوان “ترشيد إعفاء الضريبة على الدخل بالنسبة للتعويضات والمكافآت المصروفة لتغطية المصاريف المدفوعة خلال مزاولة الوظيفة أو العمل”. هذا البند يمنع صراحة “الجمع بين هذا الامتياز وإعفاء التعويضات المصروفة لتغطية المصاريف المدفوعة خلال مزاولة الوظيفة أو العمل”، ما يعني تقييد الإعفاءات السابقة وحظر التعويضات الجزافية (كالتنقل والمهام الاعتيادية) للأجراء والموظفين، وبذلك تقع الهندسة الجبائية في فخ منع الجمع الذي يمنح زيادة ضريبية طفيفة بيد ويستخلصها باليد الأخرى عبر اقتطاع التعويضات المهنية.

2) فخ “الموارد الاستثنائية” وتفويت أصول الدولة: تعلن المذكرة التقديمية رسميا عن استهداف خفض عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مراهنة على ما أسمته بـ”تعبئة موارد استثنائية محددة في 6 ملايير درهم عبر تفويت مساهمات الدولة”. هذا المصطلح التقني يمثل في العمق فخ الخوصصة الاستباقية، إذ تبرمج الوثائق عائدات بيع مساهمات عمومية لسد فجوات العجز الحالي دون إدراج أي لائحة اسمية تفصيلية للمؤسسات والمقاولات العمومية المعنية بهذا التفويت في المذكرة العامة، وهو ما يرهن المداخيل المستدامة للدولة مقابل توازنات عددية مؤقتة.

3) فخ “الاستهداف الأدق” وشروط الاستحقاق الرقمي: على مستوى الدعم الاجتماعي المباشر للأسر، ترسم المذكرة التقديمية مسارا تشريعيا يتوخى تحقيق “استهداف أدق يرتكز تدريجيا على الدخل الفعلي للأسر، والعمل على مواكبة الأسر نحو الاندماج المهني”. خلف هذه العبارات الموجهة، يكمن فخ عتبة الاستحقاق الرقمية، حيث يفتح هذا المقتضى البند التنظيمي لمراجعات مستمرة لمعايير التنقيط بنظام السجل الاجتماعي الموحد لضبط نفقات “صندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي”، مما يجعل الاستفادة مهددة بالتقليص التقني لقاعدة المستفيدين لمواجهة الضغوط التمويلية، بدل صرف الدعم كأمان قار للأسر المعنية.

4) مفارقة الـ 400 مليار وفخ اختلال الأولويات: يعلن المشروع عن تخصيص “مجهود استثماري عمومي إجمالي يبلغ 400 مليار درهم برسم سنة 2027″، غير أن توزيع الأرقام يجسد فخ اختلال الأولويات بين المنشآت والإنسان، إذ تستأثر “المؤسسات والمقاولات العمومية وصندوق محمد السادس للاستثمار بـ 251 مليار درهم” موجهة إلى مشاريع البنيات التحتية الكبرى والتحضير للتظاهرات الرياضية، مقابل 124 مليار درهم فقط للميزانية العامة للدولة والآليات القطاعية.

هذا الاختلال البنيوي يواكبه فخ آخر في جدول التوظيف (المادة 21 من المشروع)، حيث تم حصر إجمالي الوظائف المحدثة في 34.454 منصب مالي، تستحوذ فيها وزارة الداخلية على 41.2 في المائة (14.200 منصب)، مقابل 5400 منصب فقط لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية (15.6 في المائة). ورغم إحداث 15.590 منصبا ماليا إضافيا للأكاديميات الجهوية، فإن حصر ميزانيات قطاعات التعليم والصحة في كتل الأجور دون رصد اعتمادات موازية واستثنائية للتأهيل الفعلي اليومي للمرفق، يضع المواطن، حامل بطاقة التغطية، في مواجهة واحتكاك أفقي مباشر مع مهنيي الواجهة، نتيجة ضعف العرض البنيوي الصحي والاكتظاظ المدرسي الحاد.

تسليع الحقوق والخصخصة غير المعلنة

ونتيجة لهذا الخلل الهيكلي، وتأكيدا لأطروحة الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس في تحليله لـ”أزمات الشرعية في الرأسمالية المتأخرة”، يفضي هذا النمط التدبيري المحاسباتي إلى تحويل مبالغ الدعم المالي الطفيف والزيادات الضريبية المقيدة، إلى مجرد “قسائم استهلاكية” يُدفع المواطن قسرا إلى تحويلها مباشرة إلى جيوب مستثمري القطاع الخاص (المصحات الخصوصية ومؤسسات التعليم الخصوصي، وشركات توزيع المحروقات…) لتأمين احتياجات أسرته الحيوية.

إن هذه الهندسة الميزانياتية الواردة في مالية 2027 لا تؤدي إلى تقليص الفوارق الطبقية، بل تقود نحو “خصخصة صامتة للحقوق”، حيث تكتفي بنية الدولة بإدارة التوازنات المحاسباتية للأرقام والعجز، بينما يترك المواطن وحيدا في مواجهة تسليع وسلعنة الاحتياجات الإنسانية الأساسية، مما يضع منسوب السلم والاستقرار الاجتماعي على المحك.

الدولة الاجتماعية والشرك المحاسباتي في ميزان التحليل الذكي

تُثبت القراءة التشريعية المتقاطعة لفرضيات ومؤشرات مالية 2027، مستفيدين من إمكانيات الذكاء الاصطناعي في معالجة البيانات الماكرو-اقتصادية وتقاطع النصوص التشريعية بالواقع البنيوي، أن رهان “الدولة الاجتماعية” لا يستقيم بآليات التدبير المحاسباتي الجاف للأرقام أو التدرج الزمني المفرط، وبالتالي، فإن هذه الهندسة الميزانياتية تؤكد أن المغرب ما زال يسير بسرعتين متناقضتين: سرعة فائقة، وفائقة التمويل، تقود مشاريع البنية التحتية الكبرى والمنشآت الاستراتيجية (بقيمة قياسية تبلغ 400 مليار درهم)، مقابل سرعة بطيئة ومقيدة محاسباتيا تُدبر قطاعات العيش اليومي عبر ميزانيات قطاعية تظل محصورة هيكليا في تغطية الأجور والالتزامات السابقة (رغم بلوغها 121.3 مليار درهم للتعليم والتكوين، و45.4 مليار درهم للصحة، ونحو 19 مليار درهم للمقاصة).

ومع استمرار هذا التوجه في ولاية الحكومة الحالية، فإن تكريس هذا الفارق البنيوي بين ضخامة استثمارات “الحجر” ومحدودية الإنفاق التطويري على “البشر”، سوف لن يؤدي إلى تعزيز الاستقرار التنموي، بل يقود نحو “خصخصة صامتة للحقوق الأساسية”، وعندما يصبح المواطن مجبرا على تحويل مبالغ الدعم المالي البسيط مباشرة لتأمين خدماته الإنسانية في السوق الخاصة نتيجة عجز جودة المرفق العمومي، تفقد السياسات التضامنية عمقها الفلسفي القائم على “إلغاء التسليع”، وتتحول بنية الدولة من ضامن دستوري للحقوق إلى مجرد مسير توازنات عددية يدير اقتصادا بسرعتين، مما يضع منسوب السلم والاستقرار الاجتماعي أمام اختبار حقيقي ومكشوف تفرزه الأرقام قبل التشريعات.

وكل نقاش وأنتم على بينة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى