تحقيقات أسبوعية

للنقاش | متى تخرج موريتانيا من المنطقة الرمادية ؟

العلاقات المغربية-الموريتانية بعد القرار الأممي 2797

منذ استقلال المغرب وموريتانيا عن الاستعمار الفرنسي والعلاقات بين البلدين تعزف على وتر المد والجزر، وقد تحكمت فيها عوامل عديدة أغلبها مرتبطة بجبهة البوليساريو وما أحدثه زرعها في المنطقة من مشاكل؛ فتارة كانت العلاقات تتسم بالتقارب والتعاون وتارة أخرى تميل إلى الصراع والقطيعة، بفعل بقاء موريتانيا في المنطقة الرمادية وعدم وضوح موقفها من قضية الصحراء المغربية.

بقلم: جميلة حلبي

انتشرت في الآونة الأخيرة أخبار تفيد بمطالبة موريتانيا بمدينة الكويرة مقابل اعترافها بمغربية الصحراء، وذلك عقب الزخم الكبير الذي عرفه شهر أكتوبر والاجتماعات بخصوص ملف الصحراء على مستوى الأمم المتحدة ومآل بعثة “المينورسو” والقرار الأممي رقم 2797، الذي يرسخ الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية للمملكة، والبداية كانت عندما نشرت مجلة “جون أفريك” بتاريخ 20 أكتوبر 2026 مقالا بعنوان: “بين الصحراء والمحيط.. مدينة لكويرة تثير اهتمام موريتانيا”، وقالت أن “مدينة الكويرة عادت لتثير اهتمام موريتانيا في وقت تتواصل فيه المفاوضات بشأن ملف الصحراء المغربية، وأن نواكشوط تسعى إلى الاعتراف بسيادتها على المدينة المغربية، في تطور يعيد إلى الواجهة خلافات تاريخية مرتبطة بالحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية الإسبانية”، حسب ما نشره موقع “القدس العربي”، وحسب المجلة، فإن شعار “من طنجة إلى الكويرة” يحمل دلالات وطنية قوية في المغرب، إذ يعكس تمسك المملكة بوحدة أراضيها، غير أن الوضع بين الرباط ونواكشوط يبدو أكثر تعقيدا، بسبب الإرث التاريخي للنزاع الحدودي في المنطقة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقبل ذلك، أي في بداية شهر أكتوبر، راج مقترح موريتاني يدعو إلى تشكيل لجنة متخصصة تتولى توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للصحراء المغربية، وهو ما أثار نقاشا واسعا حول طبيعة هذه الخطوة وما إذا كانت مرتبطة بالترتيبات المتعلقة بمسار تسوية قضية الصحراء، إذ تزامن المقترح مع اللقاءات الدائرة بالأمم المتحدة حول ترسيخ الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية للمملكة.

تتمة المقال تحت الإعلان

فبالرجوع إلى تاريخ العلاقات بين المغرب وموريتانيا، نجد أنها لم تعرف الاستقرار على موقف واحد من طرف موريتانيا، التي ظلت مواقفها من الصحراء المغربية متذبذبة؛ ذلك أن التغييرات الكبيرة والمتوالية في الحكم ساهمت وتساهم في تبديل رأي السلطات الحاكمة من مغربية الصحراء حسب مصالحها، إذ ظلت لفترات طويلة ومتفاوتة في الزمان تتأرجح بين المغرب والجزائر وحتى جبهة البوليساريو.

تتمة المقال تحت الإعلان

ورغم نفي الحكومة الموريتانية لما يروج حول مطالبة الدولة بالسيادة على الكويرة مقابل الاعتراف بمغربية الصحراء، على لسان الناطق الرسمي باسمها، والذي قال يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، إن علاقات بلاده مع جيرانها توجد في مستوى جيد، وأن المقترح المتعلق بتوضيح الحدود يستهدف “تفادي الغموض وما قد يترتب عليه من أثار أمنية أو قانونية أو اقتصادية”، إلا أنه لا دخان من دون نار، فموريتانيا لم تلتزم بالحياد التام في القضية.. بل إنها ظلت تلعب دور الجوكير في انتظار الحسم النهائي لملف الصحراء ووضع حد لأطروحة انفصالية ظلت تمتح من المواقف المتأرجحة لجيران المغرب، وحدها الجزائر كانت واضحة منذ البداية، فهي التي ساهمت في صنع كيان على الحدود وظلت تموله إلى الآن..

ومن جهة أخرى، فقد أدى خروج الاستعمارين الإسباني والفرنسي من المنطقة دون الترسيم النهائي للحدود، إلى ما يعيشه المغرب وموريتانيا الآن من مشاكل مرتبطة بالحدود، والتي دفع المغرب ثمنها غاليا في حرب وجد نفسه مرغما على خوضها مع جبهة البوليساريو من أجل بسط سيادته على كامل ترابه، ولذلك لعب العامل الجغرافي دورا كبيرا في عدم الاستقرار السياسي، فالموقع الاستراتيجي الذي يوجد عليه المغرب بين أوروبا وإفريقيا جعله عبر التاريخ محل أطماع استعمارية وهو ما رهنه في حروب عمرت لعقود طويلة أثرت نتائجها وما زالت تؤثر في سياسته الخارجية وعلاقاته الإقليمية والدولية‏، وقد كان الوعي بالأهمية الجيوستراتيجية لموقع المغرب حاضرا منذ البداية لدى صناعِ السياسة الخارجية، والقوى الإمبريالية، وهي السياسات التي لا زالت تحرك المياه من تحت مواقف التقارب بين المغرب وموريتانيا، وهو ما حدا بالجارة الجنوبية إلى إعادة تحريك ملف الكويرة، مخافة أن تفقد عاصمتها الاقتصادية، نواذيبو، زخمها وهي المتاخمة للكويرة المغربية، وذلك اعتبارا للبرنامج التنموي الجديد الذي أطلقه المغرب من أجل تنمية كل الأقاليم الجنوبية، والبدء منذ مدة في تنفيذ سياسة واسعة لتطوير واجهته الأطلسية وتعزيز الربط بين أقاليمه الجنوبية وبقية المناطق، لذلك، فليس بعيدا أن من شأن هذه المشاريع، إلى جانب التطورات الدبلوماسية الجارية بشأن الصحراء المغربية، أن تعيد تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية للمنطقة، وأن تثير مجددا تساؤلات حول الإرث الاستعماري والحدود والتوازنات السياسية في الأقاليم الجنوبية، وربما أن موريتانيا تلقت إشارات من جهات ما لإعادة المطالبة بالكويرة من أجل تعطيل التسوية النهاية للحكم الذاتي، إذ يظل ملف الكويرة مرتبطا بتاريخ طويل من الاتفاقيات الاستعمارية والمواجهات العسكرية والتحولات السياسية التي شهدتها المنطقة منذ أواخر القرن التاسع عشر، ومنها اتفاق باريس 1904، واتفاقية مدريد 1912، فيما يكتسب موقعها على المحيط الأطلسي أهمية إضافية في مجال التجارة القارية والدولية على حد سواء، في ظل التنافس على تطوير البنية التحتية والممرات التجارية والاستثمارات في المنطقة. هذا العامل هو ما جعل المغرب يطرح مبادرة الأطلسي سنة 2022 من أجل تمكين دول الساحل الأطلسي من سلسلة التجارة وتنميتها عبر “مسلسل الرباط” لتعزيز التشاور والتعاون بين البلدان الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي، وتم في وقت لاحق من سنة 2023، وبالضبط في خطاب المسيرة الخضراء، تم تطوير هذه الرؤية من خلال إطلاق مبادرة دولية تهدف بشكل خاص إلى تسهيل ولوج دول الساحل الحبيسة إلى المحيط الأطلسي، مثل موريتانيا وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد ومالي، غير أن الجارة الجنوبية تلكأت، أو أنها تماطلت في الانضمام إلى هذه المبادرة إلا في سنة 2025، بعد “إعلان الرباط” الصادر عن اجتماع رؤساء برلمانات الدول الإفريقية الأطلسية، وقد جاء ذلك بعد مسار طويل من التنسيق والتقارب السياسي والاقتصادي بين البلدين وتوقيع البرلمان الموريتاني في فبراير 2025 على “إعلان الرباط” الصادر عن اجتماع رؤساء برلمانات الدول الإفريقية الأطلسية. من هنا يظهر أن موريتانيا لم تكن يوما حازمة أو حاسمة في قراراتها تجاه ما يتعلق بالمغرب أو بالأحرى ما يتعلق بقضية الصحراء.. ولو أن الانخراط في مبادرة الأطلسي ستستفيد منها موريتانيا كثيرا اعتبارا للدور الذي تلعبه خطوط التجارة المارة عبر ترابها في اتجاه المغرب ومن تم إلى الأسواق العالمية.

ودائما في إطار المنطقة الرمادية التي وضعت موريتانيا نفسها فيها، نجد أنها لا زالت تلعب على أكثر من حبل؛ ففي الوقت الذي يعمل فيه مجلس الأمن على إيجاد صيغة نهائية لترسيخ الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية للمملكة، لا زالت موريتانيا تناور وتفتعل العقبات.. وكان آخر ما فعلته حسب ما تداولته وسائل إعلام مؤخرا على نطاق واسع، هو تحرشها بالمغرب مجددا من خلال جلب قوارب صيد إلى مياه مدينة الكويرة بالتزامن مع جلسات الأمم المتحدة من أجل تحديث مهمة “المينورسو” إلى “المينوسو” وإنهاء المهمة العسكرية من عمل البعثة، حيث تم التعديل بإسقاط حرف الراء (R) أي “Référendum” (الاستفتاء)، لتتحول التسمية الرسمية من “بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية”، التي تأسست بغاية إجراء استفتاء في الصحراء بتاريخ 29 أبريل 1991 بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 690، فتحولت بعد مسار طويل من المفاوضات بين أطراف النزاع، وبعد القرار الأممي 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025، إلى “بعثة الأمم المتحدة للصحراء” بعد سنة كاملة من النقاش الدبلوماسي وبعد شهر كامل من اللقاءات في أروقة الأمم المتحدة، وهو ما سيطوي عقودا من آليات حفظ السلام الكلاسيكية التي تعتمد الشق العسكري في مهماتها، ويؤسس لمرحلة جديدة ترتكز كليا على المقاربة السياسية، وذلك في مؤشر قوي على مكانة الأهمية الجيوسياسية للصحراء المغربية.

وفي نفس السياق، أثارت مطالبة موريتانيا مؤخرا بـ”توضيح الحدود مع المملكة المغربية”، وفق ما أورده تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، جدلا واسعا ونقاشا سياسيا حادا بالنظر إلى توقيت هذه المطالبة، ورغم خروج الناطق باسم الحكومة الموريتانية بتصريح قال فيه أن بلاده “لا تواجه أي إشكال في علاقاتها مع دول الجوار”، وأن “موقف نواكشوط من قضية الصحراء يظل ثابتا ويقوم على دعم الحل السلمي المتوافق عليه تحت رعاية الأمم المتحدة”، موضحا أن طرح مسألة توضيح الحدود يروم “تفادي أي غموض قد تترتب عنه تداعيات أمنية أو قانونية أو اقتصادية”، علما أن الجمهورية الموريتانية لم تعترف لحد الآن بمغربية الصحراء، ولم توضح نواياها تجاه المملكة، فكل ما تقوم به رغم تعاقب عدة رؤساء على حكم البلاد، هو المناورات السياسية، فلا رئيس كان في صف المغرب ولا رئيس اعترف بمغربية الصحراء..

وهكذا نرى – رغم أن موضوع العلاقات المغربية الموريتانية لا يكفي مقال واحد للإحاطة بها من كل الجوانب – أنه لا بد من التذكير بأن المغرب ظل يعاني من فقدان الثقة من قبل الدول المجاورة منذ تاريخ إنهاء الاستعمار؛ فطوال الفترة الممتدة من سنة 1966 إلى 1974، واجهت المملكة المغربية عزلة دبلوماسية على المستوى الإقليمي، بسبب التحالف الذي شكلته إسبانيا مع موريتانيا والجزائر لمنع المغرب من استرجاع الصحراء، وفي كل مرة تقوم فيها المملكة بأي خطوة من أجل التقارب مع موريتانيا، خاصة حين قررت الاعتراف بموريتانيا سنة 1969، كانت إسبانيا تقدم على العمل بكل الوسائل مستعملة كل مناوراتها السياسية من أجل إفراغ الزخم الدبلوماسي الذي كان الملك الحسن الثاني يسعى إلى خلقه من أجل تضييق الخناق على إسبانيا، وبخصوص موريتانيا على وجه الخصوص، فإن ما ساعد إسبانيا على إحباط مساعي الحسن الثاني في ترميم علاقاته معها هو ضعف منسوب الثقة التي كان يتمتع بها المغرب لدى بعض القيادات السياسية الموريتانية، وها هو نفس الأمر تكرر مع الملك محمد السادس؛ فرغم سياسة مد اليد لجيرانه، ومبادرات التعاون التي يطلقها المغرب من أجل إفريقيا قوية بدولها ورؤسائها وشعوبها.. إلا أن موريتانيا لا تريد خلع ثوب التبعية عنها، فهي لم ولا تستطيع الخروج بموقف سيادي واضح وصريح، وهو ما يؤكد أن المسؤولين الموريتانيين يرون أنه ليس في مصلحتهم نجاح المغرب في استرجاع سيادته على كامل ترابه من طنجة إلى الكويرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى