تقرير | فشل الأحزاب اليسارية وصعود اليمين في المغرب

امتدت الحركة اليسارية إلى الوطن العربي من الفلسفة الشيوعية التي شهدت عدة دورات للفعل الاجتماعي ذي الطابع الثوري أو الانقلابي، وفي كل دورة تاريخية لهذا الفعل الاجتماعي، كانت القوى الاجتماعية الفاعلة فيه تستظل برؤية ثورية صاغتها طموحات الملايين من المظلومين والمضطهدين والفقراء والفلاحين والعمال والطلبة الثائرين في شتى أنحاء العالم، نتيجة لتأثير الأفكار الطلائعية للمفكرين والفلاسفة والمثقفين الكبار، أمثال فولتير، وهو رمز عالمي من رموز الحرية والتنوير ومن أعظم المفكرين الذين دافعوا عن حقوق الإنسان وكرامته، وجان جاك روسو، الفيلسوف السويسري الذي أثرت أفكاره التحررية في الثورة الفرنسية وفي تطوير الاشتراكية.

في الحقيقة، لم يلبث الإنجاز الفكري والسياسي للثورات البورجوازية أن اصطدم، بعد أقل من قرن من الزمان، بوقائع وأوضاع جديدة فرضت من جديد رؤية جديدة تمثلت في “المنيفاست الشيوعي” عام 1848 وما أعقبه من ثورات عمالية متكررة في مختلف الدول الأوروبية الصناعية، ونجحت في استيلاء البلاشفة على السلطة في روسيا القيصرية وإقامة أول ديكتاتورية بروليتارية في التاريخ الحديث تحت راية الماركسية اللينينية، واستمرت في الزحف على الصين وبقية دول شرق أوروبا وآسيا مهددة كامل النظام الرأسمالي العالمي بالسقوط، إلا أن تناقضات النموذج الجديد من ناحية، وحجم الصراع الضاري الذي دار بينه وبين الحلف الإمبريالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أودى به إلى الانهيار والتفسخ، والحقيقة أن مشكلات هذا النموذج كانت محل جدل فكري واسع بين مختلف تيارات الحركة الشيوعية العالمية منذ بدايتها؛ فبينما أيدته دون تحفظ الأحزاب الشيوعية المنضمة إلى “الكومنترن” (الأممية الشيوعية، ومنها الأحزاب الشيوعية في الدول العربية، خاصة في الشرق الأوسط)، فإن هناك تنظيمات شيوعية أخرى كان لها بعض الملاحظات النقدية تجاه النموذج السوفياتي وفاعليته الإنسانية، وعلى عكس الحركة التروتسكية العالمية (الأممية الرابعة)، التي صاغت منذ كتابات تروتسكي النقدية وحتى أرنست مندل، رؤية نقدية متكاملة إزاء هذه التجربة التي وصفها أحيانا بالعمالية أو بما يسمى البيروقراطية الاستبدادية الستالينية، وتوقعت انهيارها تحت معاول ثورة اشتراكية جديدة، ولم يكن من المتوقع الانهيار المروع بمثل هذه الصورة ولصالح إقامة نظام أكثر تخلفا إنسانيا وحضاريا، وهو “الكمبرادورية”، وتعني في المصطلح السياسي الطبقة البرجوازية المتحالفة مع رأس المال الأجنبي قصد الاستيلاء على السوق الوطنية، وكذلك المافيا وقيادات المؤسسة العسكرية، وناهبو الشركات الكبرى والمفسدون والسماسرة .
احتضنت العديد من الدول العربية أحزابا ومنظمات شيوعية يسارية خلال القرن العشرين، وبرزت هذه الأحزاب في مصر، السودان، العراق، سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن، المغرب، تونس، واليمن (خاصة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية / اليمن الجنوبي السابقة)، بالإضافة إلى حضور تنظيمات أو فصائل في دول أخرى مثل الجزائر وموريتانيا، وقد النتائج المترتبة عن هذا الوضع على الأحزاب الاشتراكية في الدول العربية، ومن بينها الأحزاب الاشتراكية في المغرب، وهناك عوامل عديدة كانت وراء فشل هذه الأحزاب نذكر منها بروز نظرية انتهازية دخيلة على الفكر الاشتراكي التقدمي، لتضليل المواطنين، وهي نظرية “التغيير من الداخل”، وتعني قبول المشاركة في اللعبة السياسية مع أحزاب رأسمالية ليبرالية وإسلامية معادية تاريخيا للفكر الاشتراكي، قصد توزيع كعكة الانتخابات بين الأحزاب الانتهازية، وبالتالي التخلي عن المبادئ الثورية الاشتراكية وهدم ما تم بناؤه منذ حوالي 70 عاما من نضال مرير خاضته شخصيات سياسية، أمثال المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد، وإعادة بناء هياكل الأحزاب الاشتراكية من جديد ومراجعة فلسفتها ونظرياتها ومناهجها السياسية بما ينسجم مع الرؤية الجديدة للعمل السياسي، وبهذا أسقطت هذه الأحزاب من قاموسها السياسي فكرة الصراع مع النظام الرأسمالي الليبرالي، فوصلنا إلى مهزلة سياسية، هي أن الاتحاد الاشتراكي تخلى عن الخط النضالي، وذلك عن طريق المشاركة في حكومة يقودها حزب ليبرالي رأسمالي، يعني أن هذا الحزب تحول من محاولة قلب النظام إلى العيش في قلب النظام، وهكذا تحولت الأحزاب الاشتراكية إلى بقرة حلوب يستطيع قادتها الانتهازيون بواسطتها جمع الثروات والاستحواذ على الأراضي الفلاحية وشراء العقارات، وأنهت هذه الأحزاب المهمة التي وجدت من أجلها وهي “الدفاع عن حقوق وكرامة المواطنين، وتوزيع ثروات البلاد بطريقة عادلة” كما كان الزعماء الأوائل يعدون بها المغاربة في بداية استقلال المغرب، وبهذا الانهيار المتسارع والمتوالي للأحزاب الاشتراكية، بدا وكأن عجلة التاريخ توقفت عند الرأسمالية وكأنها راية المفسدين الآن ومستقبلا وإلى الأبد، وتبخرت طموحات وآمال المناضلين عمال وطلبة وفلاحين وكادحين، وبرزت في الساحة السياسية ظاهرة هيمنة وسيطرة وتربع قوة سياسية وحيدة على شؤون المغاربة ومقدراتهم، وهي ظاهرة رجال المال والأعمال أو ما يسمى “أصحاب الشكارة”، وتعني شراء الأصوات في الانتخابات المهنية والجماعية والبرلمانية، حيث لا أحد يستطيع التصدي لهذه الظاهرة السلبية التي قد تعصف بجميع آمال وطموحات الشعب المغربي، وتؤدي به إلى الهلاك والانهيار الكامل، خاصة وأن بلادنا تتعرض حاليا لهجمات شرسة خارجية معادية لوحدتنا الترابية لا يمكن التصدي لها إلا عن طريق وجود مؤسسات قوية منتخبة بطريقة ديمقراطية، ووجود أحزاب سياسية جماهيرية في الساحة السياسية تخدم الشعب، وبنظام قضائي مستقل نزيه وعادل، وشعب كريم وعزيز النفس لا يمد يده للصدقات حتى يكون قادرا على مواجهة العدوان الخارجي..
ولقد أثبت لنا التاريخ والتجارب أن الدولة الضعيفة التي لا تتوفر على مؤسسات شرعية، وليست لها أحزاب سياسية جماهيرية ديمقراطية قوية، لا تقدر على مواجهة المخاطر والتحديات الخارجية، لأن مؤسساتها تكون هشة، وقد تنهار وتسقط بسرعة عند وقوع الصدمات السياسية والتهديدات الخارجية.. كل هذه التراكمات والعوامل خلقت نوعا من خيبة الأمل والإحباط في نفوس المواطنين المغاربة، وخاصة الشباب، أما المفسدون الذين يتصارعون ويتقاتلون على مقعد برلماني أو كرسي في الحكومة وما يرافق ذلك من حب جنوني للسلطة والمال والشهرة الزائفة، فلا يمكن لهؤلاء أن يعتمد عليهم النظام السياسي والشعب المغربي في أوقات الشدة والأزمات الاقتصادية والسياسية؛ فالتجارب شاهدة على أنه في الدول العربية التي اندلعت فيها الحروب والأزمات الاجتماعية، مثل سوريا ولبنان والعراق واليمن، فإن المفسدين فروا من البلاد في اتجاه دول أوروبية حيث يتمتعون فيها بالأمان بفضل الأموال الطائلة التي نهبوها من مقدرات بلدانهم وتركوا شعوبهم يواجهون لوحدهم مخاطر الحروب والدمار والمجاعة والمرض.
إن التجارب السياسية تؤكد لنا أن أي تغيير سياسي بصوره المختلفة، الثورية أو الديمقراطية، ينبغي أن تتوافر فيه ثلاثة عوامل أساسية متكاملة وهي: وجود مناخ سياسي اجتماعي يدفع إلى التغيير؛ وجود قوى سياسية وطنية مخلصة صادقة وراغبة في التغيير وقادرة على مواجهة التحديات الخارجية؛ ثم وجود برنامج وطني يحوز القبول العام ويشكل أساسا لتكتل اجتماعي وسياسي واسع النطاق، وإبعاد الخونة والمفسدين من الساحة السياسية لأنهم يشكلون عرقلة أمام التنمية، لكن الفجوة أصبحت اليوم كبيرة بين الأحزاب السياسية وبين المواطنين، فنفضت الجماهير الشعبية يدها من هذه الأحزاب الانتهازية التي تفتح أبوابها في فترة الانتخابات وبعد حصولها على الغنيمة تدير ظهرها لمن صوتوا عليها، لهذا، فإن نسبة المشاركة في الانتخابات تكون دائما ضعيفة لا تعبر عن رأي أغلبية المواطنين.
نهاية تاريخ حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي كان ذات يوم أحد أهم الفاعلين السياسيين داخل المشهد السياسي المغربي منذ الاستقلال، وتحول إلى رقم عادي داخل المعادلة السياسية المغربية، وإلى لحظة رمزية مكثّفة لمعنى موت السياسة في المغرب؛ فالاتحاد الاشتراكي الذي كان ضمير اليسار المغربي وعقله المفكر بقيادة المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي، حيث قاد هؤلاء الزعماء المعارضة عقودا في وجه السلطة، وصاغ بلغة المثقفين والعمّال والطلبة حلم المغرب الديمقراطي، بات اليوم هذا الحزب يثير السخرية والشفقة أكثر مما يثير النقاش.
فقد أصبح شعار الاتحاد الاشتراكي هو “الغاية تبرر الوسيلة”.. هذا المبدأ الذي تبناه الفيلسوف السياسي ميكيافيلي في القرن 16، كان بالنسبة لنا عندما كنا طلبة جامعيين، مجرد أفكار فلسفية، لكن بعد مرور الزمن واحتكاكنا بالسياسة والسياسيين، لاحظنا أن هذا المبدأ يستخدم فعلا في الحياة السياسية عندنا في المغرب من طرف الانتهازيين منذ بداية الاستقلال إلى يومنا هذا، واعتبرت هذه القاعدة هي الانطلاقة الأولى التي يستهل بها كل زعيم سياسي وصولي عمله، حيث يضعها نصب عينه ويتبناها للوصول إلى كرسي المسؤولية الذي يبرر له الفساد والنهب حتى لو أدى به ذلك إلى استخدام العنف والقوة، وهذا ما نشاهده على أرض الواقع في الانتخابات البرلمانية والجماعية، وقد أصبحت السياسة اليوم مسرحا لاستعراض القوة المالية والعظمة لزرع الخوف والرعب في نفوس المواطنين من أجل السيطرة على السلطة، ويعتقد الانتهازيون أنهم فعلوا ذلك من أجل المصلحة العامة بينما هذه الوسيلة تؤدي إلى التفكك والفساد فتصبح الدولة تتخبط في الفوضى بعيدا عن النظام الذي يحفظ الأمن والأمان والاستقرار في المجتمع، فكيف لدولة عصرية أن تقوم على قاعدة تسلب الأمن والأمان من المواطنين، فتبرر لهؤلاء المفسدين والانتهازيين وقطاع الطرق نهب خيرات وثروات البلاد عن طريق استخدام السياسة الانتهازية واستغلال الدين في جميع مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، مع ما يرافق ذلك من تشديد الآلة القمعية ضد كل من يحاول تغيير هذه القاعدة الانتهازية التي يستفيد منها المفسدون، وفي المقابل، توجد فئة من أصحاب الغاية النبيلة الذين يبحثون عن الوسائل السلمية الصحيحة والمفيدة للشعب، هم دائما في معركة مع الفئة الفاسدة التي لا تحمل الخير للشعب وللمجتمع وللدولة المغربية.



