المنبر الحر

المنبر الحر | فلسطين ميزان الحق والأمل في الفتح المبين

الحسن العبد
بقلم: ذ. الحسن العبد

  ليست المحن التي تمرّ بها الأمم والشعوب مجرد أحداث عابرة في سجل التاريخ، بل هي محطات كاشفة تختبر صدق الإيمان، وتمتحن ثبات المبادئ، وتُظهر حقيقة المواقف بعيدا عن ضجيج الشعارات وتقلبات المصالح، وقد شاءت حكمة الله تعالى أن تكون الابتلاءات مجالا لتمييز الصادق من المدّعي، والثابت على الحق من الذي تستدرجه الأهواء وموازين القوة. قال سبحانه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾، وفي خضم هذه السنن الإلهية، تظل القضية الفلسطينية واحدة من أعظم القضايا التي تكشف حقيقة الضمائر، وتمتحن صدق المواقف، وتضع الإنسانية أمام مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية تجاه شعب يواصل التشبث بأرضه وهويته وحقه المشروع في الحرية والكرامة وتقرير المصير.

إن القضية الفلسطينية ليست قضية ظرفية ترتبط بحدث عابر أو بميزان قوى يتبدل من حين إلى آخر، وإنما هي قضية حق وعدالة وكرامة، وجزء أصيل من ضمير الأمة الإسلامية والإنسانية الحرة، ومهما طال أمد الاحتلال، وتوالت الاعتداءات، وتباينت المواقف الدولية، فإن مشروعية الحقوق الفلسطينية لا تتغير، ولا يفقد الشعب الفلسطيني حقه في أرضه ومقدساته وحياة آمنة كريمة. ومن هنا، فإن فلسطين تظل ميزانا حقيقيا لصدق المبادئ؛ إذ لا تقاس المواقف بما تحققه من مصالح آنية، بل بمدى وفائها للعدل والإنصاف ورفض الظلم، أيا كان مرتكبه، وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾. وهكذا تكشف المحن معادن المواقف، وتُظهر أن الثبات على الحق ليس مجرد كلام يقال في أوقات الرخاء، وإنما التزام أخلاقي وإنساني يتأكد حين تشتد الابتلاءات وتتعاظم الضغوط.

تتمة المقال تحت الإعلان

غير أن الإيمان بالنصر لا يعني الاستسلام للانتظار، ولا الاكتفاء بالأماني والدعوات، بل يقتضي الجمع بين الصبر والثبات والعبادة الصادقة، وبين العمل الواعي والأخذ بالأسباب وإعداد العدة في مختلف المجالات؛ فالصبر ليس ضعفا، وإنما قوة في مواجهة المحن، والعبادة ليست انفصالا عن الواقع، بل هي مصدر لتزكية النفوس وتجديد العزائم وترسيخ المسؤولية، وإعداد العدة ليس شعارا يُرفع، بل استعدادا علميا ومعرفيا واقتصاديا وإعلاميا واجتماعيا، واستثمارا للطاقات، وبناء للقدرات، وتوحيد الجهود في نصرة الحق والدفاع عن المظلومين بالوسائل المشروعة، وقد وجّهنا الله تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وهاتان الآيتان تضعان أمامنا معادلة واضحة: إيمان يوجه، وصبر يثبّت، وعبادة تزكّي، وعمل يهيّئ أسباب القوة، ومن ثم، فإن نصرة فلسطين مسؤولية تتجاوز التعاطف العاطفي إلى الوعي بالقضية، والدفاع عن الحقوق المشروعة، وإغاثة المتضررين، ومساندة الشعب الفلسطيني، وكشف الظلم، والتمسك بمبادئ العدل والحرية والكرامة.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن الأمل في الفتح المبين ليس وعدا بموعد نحدده، ولا مبررا لتجاهل تعقيدات الواقع، بل هو يقين برحمة الله، وثقة بأن الظلم لا يمنح أصحابه حقا دائما، وأن واجب المؤمن يظل قائما في الصبر والعمل والإصلاح وعدم اليأس، وقد يتأخر الفرج في تقدير البشر، لكن تأخره لا يسوّغ التخلي عن الحق أو التفريط في الواجب. ومن هنا، فإن بقاء فلسطين حاضرة في الوجدان جيلا بعد جيل، دليل على أن القضايا العادلة لا تموت ما دام هناك من يحملها بإخلاص، ويورّثها للأجيال وعيا ومسؤولية وأمانة، وإن من واجبنا أن نغرس في أبنائنا أن القدس والمسجد الأقصى ليسا مجرد اسمين في صفحات التاريخ، بل رمزان للهوية والذاكرة والارتباط الروحي والحضاري، وأن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني مسؤولية أخلاقية وإنسانية لا ينبغي أن تخضع لتقلبات السياسة أو حسابات المصالح الضيقة.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالمحن، مهما اشتدت، تظل مجالا لتمييز المواقف وتجديد العزائم، وتبقى فلسطين امتحانا لصدق الضمائر ووفاء المبادئ، والرهان الحقيقي ليس على تبدّل موازين القوة وحدها، وإنما على صمود الشعب الفلسطيني، واستمرار التضامن الصادق معه، ووحدة الجهود العادلة لنصرة حقوقه، مقرونة بالإيمان والصبر والعمل وإعداد أسباب القوة، وسنظل نرجو اليوم الذي ينعم فيه الفلسطينيون بحريتهم وأمنهم وكرامتهم، وتُصان فيه حرمة المسجد الأقصى، وتتحقق فيه الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتكون القدس موضع سلام وعدل لا ساحة احتلال وعدوان. قال الله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، فطوبى لمن ثبت على الحق، وجعل من إيمانه دافعا للعمل، ومن صبره سبيلا للاستمرار، ومن مواقفه شهادة للعدل والإنصاف، وستبقى فلسطين حاضرة ما بقي في الأمة ضمير حي، وسيظل الأمل في الفرج قائما ما اقترن باليقين والعمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى