الرأي | المهرجانات كحافظة للذاكرة الإنسانية


لم تكن المهرجانات الثقافية والتظاهرات التراثية عبر تاريخ الحضارات البشرية مجرد مواسم عابرة للترفيه الاستهلاكي أو التجمعات الاحتفالية الطارئة، بل شكلت دوما طقسا حضاريا وثقافيا ثابتا، ووعاء جامعا تُعيد فيه الأمم والشعوب صياغة حكايتها الشفاهية، واستجماع ما تزخر به من فنون شعبية، ومعارف تقليدية، ورموز إنسانية ضاربة في عمق التاريخ.
فمنذ احتفالات أعياد بابل والرافدين، التي استجمعت طقوس الأرض والخصب وأهازيج الفلاحة، إلى مسارح وأولمبيات الإغريق التي جمعت بين فنون الدراما والموسيقى واستعراض البلاغة والفلسفة، وصولا إلى أسواق العرب التاريخية كعكاظ وذو المجاز التي شكلت “برلمانا فنيا ولغويا” استجمع روائع القريض والسرد الشفاهي، ظلت هذه الاحتفاليات بمثابة المقرّ والمستقر الذي تلتئم فيه الفنون التراثية لتُحمَى من الضياع، وتُنقل عبر الأجيال كجسر يربط بين الماضي والحاضر.
في هذا الامتداد الحضاري المتجذر في الوجدان المغربي، الممتد بين شموخ جبال الأطلس الكبير وخصوبة سهل تساوت الفسيح، جاءت الدورة الخامسة للمهرجان الوطني للفنون التراثية بقلعة السراغنة (15-18 أكتوبر 2026) لتشكل محطة استثنائية لاستجماع وتثمين الموروث الفني اللامادي، وقد تحققت هذه الدورة تحت شعار يحمل في طياته أبعادا وجدانية وجمالية عميقة: “الفنون التراثية: نوستالجيا دائمة”؛ فاختيار قلعة السراغنة لاحتضان هذه التظاهرة ليس وليد المصادفة، بل استحضارا طبيعيا لتاريخ مجالي وروحي ضارب في القدم، حيث تشكل النسيج البشري لسهل تساوت عبر عصور موغلة في القدم من تلاحم قبائل عربية وأمازيغية عريقة، وفي مقدمتها قبائل السراغنة الكبرى ومجموعات استوطنت الضفاف الهادئة لنهر تساوت؛ فهذا النهر، المنحدر من قمم الأطلس الكبير ليخترق السهل، لم يكن مجرد شريان مائي للفلاحة والزراعة، بل كان الصانع الأول للاستقرار البشري، وبناء القلاع، ونشوء التجمعات العمرانية الأولى.
وتتعدد الروايات التاريخية حول تأسيس مدينة قلعة السراغنة، إذ يرجع بعض المؤرخين نواتها الأولى إلى العصر المرابطي كحامية عسكرية لحماية طرق التجارة بين الحواضر الكبرى، بينما يربط آخرون بناء أسوارها التاريخية بالسلطان العلوي المولى إسماعيل في أواخر القرن 17، ضمن مشروعه لتثبيت الأمن وتأمين المواصلات.
وهكذا احتضنت المنطقة عبر تاريخها عشرات الزوايا والمدارس العتيقة التي كانت حصنا روحيا وأمنيا، ومأوى لعابري السبيل، وفضاءً لفض النزاعات وتأطير المقاومة، وأنجبت علماء وقضاة كبارا أغنوا الفكر المالكي، أمثال العلامة رحالي بن رحال الحمومي السرغيني، والمؤرخ المحقق العلامة أحمد متفكر الذي وثق ذاكرة المنطقة في كتبه.
انطلقت فعاليات التظاهرة من المعقل الثقافي والتاريخي للإقليم: دار الثقافة، هذا المقر يحمل رمزية تاريخية استثنائية؛ فهو في أصله “رياض القائد محمد بنعرش” (1872-1956)، سليل أسرة مخزنية عريقة توارثت القيادة منذ عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله عام 1775.
فقد جمعت شخصيته بين رجل الدولة والسياسة والبعد الروحي الصوفي، حيث كان من كبار مريدي الطريقة التيجانية وأشرف على تأسيس زاوية الطريقة بالمدينة، وتحول مقره السكني (الرياض) لاحقا إلى دار للثقافة، ليظل هذا الفضاء شاهدا على تحول مجالي، ورمزيا من محراب السلطة إلى رحاب الفن والفكر.
كما شهد الافتتاح زيارات ميدانية لمعارض نوعية تُعبر عن التكافؤ بين الأصالة والأكاديمية؛ فمن معرض المنتجات إلى معرض قدرات وكفاءات بيداغوجية أعده طلبة كلية العلوم القانونية والسياسية وكلية الاقتصاد والتدبير بقلعة السراغنة، لاستعراض الطاقات العلمية الشابة للجامعة، إلى جانب توقيع الإصدارات الأدبية بالرياض الكبير والمكتبة العمومية، في احتفالية أدبية رفيعة، حيث تم الاحتفاء بتوقيع رواية “الصخرة” و”نزهة الأحد” باعتبارهما عملا أدبيا وإنسانيا يغوص في الصراع البشري وتداخلات الحب والحروب والأوبئة، مع استحضار تاريخ وجغرافية هذا الإقليم وعراقة المغرب القائمة على التعايش بين الأديان والأمم كما أحاط بذلك في التقديم الدكتور أخي سعيد الباحث والأستاذ بكلية الآداب الذي قدم الإصدارات.
كما شكلت الندوات الفكرية والحراك الجامعي بكلية الحقوق كمنارة للتحول الإقليمي عبر عنه بكل مهنية وكفاءة كل من عميد الكلية، الدكتور الغالي محمد، والدكتور أخي سعيد، ومدير دار الثقافة عبد الإله المنروشي، والأستاذ سمير وناس، ومجموعة من كبار الأستاذة والنقاد والطلبة، إذ لم يقتصر المهرجان على جانبه الاحتفالي، بل كان فرصة لربط الفن والتراث بالجامعة والفكر النقدي.
وهكذا احتضنت جنبات كلية العلوم القانونية والسياسية وكلية الاقتصاد والتدبير بقلعة السراغنة هذا الصرح المعرفي الذي كان تأسيسه سنة 2007، لما انطلق كمركز جامعي متعدد التخصصات بـ 200 طالب فقط ينتمون لإقليم قلعة السراغنة، وبمسلكين كليين، والتي تحولت في شتنبر 2021 إلى كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، ليستقر اسمها في يونيو 2026 على “كلية العلوم القانونية والسياسية وكلية الاقتصاد والتدبير”، وأصبح عدد الطلاب يتجاوز اليوم 9000 طالب من أكثر من 50 إقليما بالمملكة، يتابعون دراستهم في 30 مسلكا موزعة بين الإجازة والماستر، فضلا عن انطلاق تكوين الدكتوراه مع الموسم الجامعي 2026/2027.
وفي جنبات هذه الكلية الفتية، تم تقديم رواية “المرافعة” التي تجاوب معها طلبة وأساتذة كلية الحقوق كعمل يدخل في آداب القضاء والمحاماة، وتخللت المحاضرة مداخلات للطلبة.
يمكن القول أن الدورة الخامسة للمهرجان الوطني للفنون التراثية بقلعة السراغنة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك، أن الثقافة ليست هامشا احتفاليا، بل هي المحرك الأساسي للذاكرة والتنمية المحلية.
لقد نجح المهرجان في الجمع بين أصالة المكان (رياض القائد بنعرش) وعمق الفكر (الندوات والمؤلفات الأدبية)، وحيوية المؤسسة الجامعية (كلية الحقوق والعلوم السياسية)، وسحر التراث الفني الأصيل، لتبقى قلعة السراغنة وشريان تساوت منارة متجددة للإشعاع الحضاري والثقافي بالمغرب.


