الرأي

الرأي | فلسفة اليقين والتضحية الخالدة على جسر ماديسون

نور الدين الرياحي
بقلم: نور الدين الرياحي

  بعد محاولة سرد رواية وفيلم “على جسر ماديسون”، يتبين أن هذه القصص المهمة التي شدت الرأي العام واكتسبت شهرة، لم يأتها ذلك من فراغ وإنما من القراءة النقدية والوجودية العميقة لما كتبه روبرت جيمس والر، الذي جمع خيوط السرد راسما الأبعاد الفلسفية والأدبية التي جعلت من هذه القصة أسطورة إنسانية تتجاوز حدود الزمن والمكان.

فمن أهم ما ورد فيها، ذلكم “اليقين الوجودي”، أي عندما يلمس الإنسان الحقيقة المطلقة لمشاعره التي لا يمكن أن يلتقي بها مرتين في حياته وتفرض عليه الاختيار الوحيد؛ فلم يكن لقاء فرانشيسكا بروبرت مجرد صدفة عابرة، بل جسد مفهوما فلسفيا نادرا أسماه البطل “اليقين المطلق”، وهو ذلك الإدراك الداخلي المفاجئ بأن الطرف الآخر هو النصف المفقود الذي لا يتكرر في الوجود إلا مرة واحدة.

تتمة المقال تحت الإعلان

فمن من منظور الوجودية الإنسانية، يجد الإنسان نفسه أمام خيارات مصيرية تحدد جوهر وجوده الحقيقي لا مجرد استمراره البيولوجي. لقد واجهت فرانشيسكا لحظة مكاشفة قاسية: الاختيار بين “الأصالة الداخلية” (الاستجابة لنداء الروح والأنوثة المنسية) و”المسؤولية الأخلاقية” تجاه العائلة، وكانت التضحية ثمنا لأرقى درجات العشق والخلود؛ فالحب الحقيقي هو في النهاية عطاء وتضحية، فسحر القصة لا يكمن في اكتمال الوصال، بل في “جماليات الفراق والامتناع”.

تتمة المقال تحت الإعلان

لو اختارت فرانشيسكا الهروب مع روبيرت، لتحولت قصة حبهما إلى واقع يومي قد يطاله التآكل، ولخلفا وراءهما عائلة بريئة تدفع ثمن نزوة عابرة.

تتمة المقال تحت الإعلان

فهو “انتصار الأخلاق” الذي فضلت فرانشيسكا أن تحافظ على طهارة الذكرى، وأن تحمي زوجها الطيب وأبناءها من جرح لا يندمل في حالة انعدام تضحيتهما.

وتذكرنا هذه الثنائية بتجارب العشق العربي الكلاسيكي (كقصص العذريين)، حيث يصبح الحرمان وتأجيل اللقاء الأبدي وقودا لخلود العاطفة، وحيث يرتفع الحب من مستوى الرغبة الجسدية المادية إلى مصاف الرمز الروحي المطلق، وكأن المجتمع الأمريكي في أوج تقدمه يحن إلى قصص جميل بثينة وكثير عزة وقيس وليلى، وابن زيدون في الأندلس..

أما الرمزية الكبرى التي تجسدت في الجسر، الصندوق، والرماد، فقد اعتمد الكاتب والمخرج بعبقرية بالغة على رموز بصرية ونفسية بالغة الدقة: فجسر روزمان الخشبي لم يكن مجرد معبر جغرافي، بل كان “حصنا” عاطفيا وملاذا طاهرا توقفت عنده الزمن.

وكما صُممت هذه الجسور المغطاة لحماية الهيكل الخشبي من تعفن الطبيعة القاسية، حَمى الجسر حب البطلين من تعفن الروتين والواقع اليومي، أما الصندوق الخشبي والمذكرات، فهو تحول من مجرد تركة مادية إلى “صندوق باندورا” إيجابي؛ حرر الأبناء من قوالبهم الجامدة حول أمهاتهم، وعلمهم أن الأمهات لسْنَ كائنات وظيفية صامتة، بل هن ذوات عاطفية تنبض بالأحلام والأسئلة الحارقة.

وكذلك مثل تناثر الرماد فوق الجسر إعلانا لانتصار الروح على الفناء، فكأن الجسدين اللذين لم يكتب لهما التلاحم الكامل في الحياة الدنيا، اتخذا من تراب ذلك المكان الأزلي وطنا أبديا يلتئمان فيه بلا قيود.

لقد حصدت الرواية والفيلم مجدا عالميا لا نظير له، لأنهما طرحا أسئلة لا تبلى حول: طبيعة العلاقة الزوجية في المجتمعات الحديثة والمعقدة؛ صراع الأنثى بين رغبة التحرر والقيود الاجتماعية؛ قدرة الفن السابع والأدب على تحويل لحظة عابرة في ريف منسي إلى مرآة يرى فيها ملايين البشر خبايا قلوبهم التواقة للجمال والحب.

إن الأعمال العظيمة هي التي لا تمنحك إجابات جاهزة، بل تترك في نفسك جرحا جميلا من التساؤلات، تحيا به طوال العمر، فإذا نظرنا من منطق التحرر واللحاق بـ”اليقين” (منطق الرغبة والوجود الفردي)، ومن منظور فلسفة الوجود الحديثة (مثل فلسفة جان بول سارتر أو ألبير كامو)، يمكن اعتبار الذهاب مع روبرت كينكيد هو الخيار الأكثر انسجاما مع المنطق الداخلي للذات، فهذا التيار يرى أن للإنسان الحق الأصيل في البحث عن سعادته وتحقيق ذاته، وأن الكذب على النفس أو العيش في حياة روتينية ميتة روحيا هو “انتحار بطيء”، ويفسر ذلك بما أن الحياة قصيرة وأن “اليقين المطلق” لا يتكرر إلا نادرا، فإن تفويته يُعد، في هذا المنطق، “خيانة عظمى” للجوء، كما أن البقاء في بيئة لا تشبع الروح، هو تناقض مع غاية الوجود الإنساني الساعي نحو الاكتمال.

أما من منظور منطق البقاء وحماية الأسرة، فنجد “منطق المسؤولية والعواقب”، إذ أن الواقعية الأخلاقية وعلم النفس الاجتماعي والتأمل الإنساني الشامل، تفرض التضحية والامتناع، وتبدو هي الأقرب إلى المنطق العقلي الرشيد، فالمنطق العملي يزن الأضرار والمنافع، والهروب يعني هدم استقرار أطفال في سن حرجة، وجرح رجل (الزوج ريتشارد) لم يقترف ذنبا سوى أنه كان طيبا ومخلصا؛ فالشعور بالذنب الناتج عن تدمير حياة الأبرياء، كفيل بأن يقتل أي قصة حب جديدة ويحولها إلى جحيم نفسي.

كما أن الواقع يثبت أن الكثير من قصص العشق الممنوع تفقد بريقها بمجرد تحولها إلى واقع يومي مفروض على أنقاض الآخرين، أي أن “الحلم” قد يتحول إلى “ندم”، لذلك يرى أصحاب هذا المنظور، أن اختيار الواجب هنا ليس خضوعا أعمى للتقاليد البالية، بل هو قرار واعي بتحمل المسؤولية واختيار الألم الفردي لحماية المجموع.

لكن العبقرية الأدبية والنفسية لروبير والر، تكمن في أنه لم يمنحنا إجابة قطعية، بل تركنا ندرك أن الإنسان كائن ممزق دائما بين ما تفرضه عليه شريعة العقل والواجب، وما تتوق إليه شريعة القلب والروح، وكما يقال دائما، فإن “أقوى أنواع المنطق هو ذلك الذي يدرك أن للقلب مبرراته العميقة التي لا يفهمها العقل تماما، لكنه يضطر لاحقا للانحناء أمامها احتراما”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى