الرأي

الرأي | تصريح ألباريس ودرس التاريخ: لا شيء ثابت في التاريخ ولا شيء أبدي

عبد الله بوصوف
بقلم: عبد الله بوصوف

استوقفني التصريح الأخير لوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بشأن سبتة ومليلية المحتلتين، حين أكد أنه لا مجال لأي نقاش مع المغرب حول وضع المدينتين، مقدما السيادة الإسبانية عليهما كما لو أنها حقيقة نهائية لا تقبل المراجعة. وليس هذا التصريح معزولا عن سلسلة من التصريحات الصادرة في الآونة الأخيرة عن مسؤولين إسبان، من رئيس الحكومة إلى وزيرة الدفاع وحاكم سبتة، والتي تتجه كلها نحو تثبيت خطاب يقوم على القطع واليقين وكأن التاريخ قد توقف عند اللحظة التي أصبحت فيها المدينتان تحت السيطرة الإسبانية، وهنا تحديدا يصبح من الضروري استحضار حقيقة بسيطة لا يستطيع التاريخ نفسه أن ينكرها: لا شيء في التاريخ أبدي، فالتاريخ لم يعرف إمبراطورية ظلت على حالها، ولا حدودا بقيت ثابتة إلى ما لا نهاية، ولا سيادة استطاعت أن تنتصر على الزمن.

فبريطانيا، التي كانت إمبراطوريتها توصف بأنها “الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس”، فقدت معظم مستعمراتها وانتهى عصرها الإمبراطوري، وإسبانيا نفسها كانت قوة عالمية هائلة امتدت إمبراطوريتها إلى الأمريكتين وآسيا وإفريقيا، قبل أن تتراجع وتفقد معظم ممتلكاتها، وفرنسا التي حكمت الجزائر أكثر من قرن، وتعاملت معها باعتبارها جزء من فرنسا، انتهى وجودها الاستعماري هناك باستقلال الجزائر سنة 1962، بل إن القوى الأوروبية ذهبت في عصر الاكتشافات إلى حد تقسيم مناطق النفوذ فيما بينها، ومن أبرز الأمثلة معاهدة توردسيلاس سنة 1494 بين إسبانيا والبرتغال، والتي جسدت منطقا إمبراطوريا كان يتعامل مع مساحات واسعة من العالم كما لو أنها قابلة للتقسيم بين القوى الأوروبية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وإذا كان هذا هو مصير إمبراطوريات كبرى، فلا يمكن أن تكون سبتة ومليلية استثناءً من حركة التاريخ؛ فالتاريخ نفسه يكشف أن وضع المدينتين لم يكن منذ البداية على الصورة التي يوجد عليها اليوم. سبتة عرفت انتقالات في السيادة قبل أن تصبح تحت التاج الإسباني، ومليلية احتلتها إسبانيا في نهاية القرن الخامس عشر، وبالتالي، فإن الاستناد إلى التاريخ لإثبات قدم الوجود الإسباني لا يمكن أن يتحول إلى إلغاء للتاريخ ذاته، أو إلى إعلان أن المستقبل قد أُغلق إلى الأبد.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالإشكال الحقيقي في خطاب ألباريس ليس فقط في الموقف من سبتة ومليلية، وإنما في العقلية التي تقف خلفه: عقلية تتعامل مع نتيجة تاريخية أنتجتها ظروف القوة والحروب والتوسع الاستعماري باعتبارها حقيقة طبيعية ونهائية، وهذه عقلية يصعب تصور انسجامها مع القرن الحادي والعشرين، لأن العالم تجاوز إلى حد كبير منطق الإمبراطوريات الذي سمح للدول القوية بأن تفرض واقعا ثم تطلب من الأجيال اللاحقة اعتباره قدرا لا يتغير.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولإسبانيا تاريخ استعماري طويل لا يسمح لها بتجاهل هذه الحقيقة؛ فقد امتدت سيطرتها في الأمريكتين على حساب شعوب أصلية تعرضت للقتل والعنف والاقتلاع والاستعباد، وأصبحت هذه الوقائع موضوعا أساسيا في الدراسات الحديثة حول العنف والإبادة الاستعمارية، كما أن تاريخها في شمال إفريقيا ليس صفحة خالية من الصراع؛ فالمغرب عرف الاحتلال الإسباني لمناطق من شماله وجنوبه، وعرف حرب الريف التي كانت من أكثر حلقات التاريخ الاستعماري قسوة، واستحضار هذا التاريخ لا يعني العيش في الماضي، وإنما رفض تحويل الماضي الاستعماري إلى شرعية أبدية للحاضر.

لكن هناك جانبا آخر من العلاقة المغربية الإسبانية يستحق التوقف، وهو الطريقة التي وجد فيها المغرب نفسه مرارا داخل أزمات إسبانيا الداخلية، ودفع أحيانا ثمنا لصراعات لم تكن صراعاته؛ ففي الحرب الأهلية الإسبانية بين 1936 و1939، جرى تجنيد عشرات الآلاف من المغاربة في صفوف قوات فرانكو، وتشير الدراسات التاريخية إلى مشاركة نحو 80 ألف جندي مغربي في تلك الحرب، زُجَّ بهم في حرب إسبانية داخلية لا علاقة لهم بها، وتحولوا إلى قوة عسكرية حاسمة في صراع كان الإسبان يخوضونه فيما بينهم.

واليوم، وإن اختلفت الوسائل والظروف، يبدو أن جانبا من المنطق نفسه يعود بصورة جديدة: كلما احتدمت الأزمة السياسية الداخلية في إسبانيا، عاد المغرب إلى الواجهة باعتباره موضوعا للصراع الحزبي: الهجرة، وسبتة ومليلية، والأمن، والعلاقات مع الرباط.. كلها تتحول إلى أدوات في المعارك الانتخابية بين اليمين واليسار، ويجري تقديم المغرب للرأي العام الإسباني أحيانا باعتباره مسؤولا عن مشكلات ترتبط في جوهرها بالحسابات السياسية الداخلية لإسبانيا.

ومن الصعب، في هذه الحالة، فصل التصريحات المتكررة حول سبتة ومليلية عن هذا السياق السياسي الداخلي؛ فالمغرب لا ينبغي أن يتحول إلى طرف في معارك انتخابية إسبانية، ولا إلى أداة لتصفية الحسابات بين الأحزاب، ولا إلى شماعة تُعلّق عليها الأزمات كلما اشتدت المنافسة السياسية. لقد دفع المغاربة بالأمس ثمنا بشرياً عندما جرى الزج بهم في الحرب الأهلية الإسبانية، وليس من المقبول أن يتحول المغرب اليوم إلى طرف يدفع ثمنا سياسيا بسبب صراعات لا علاقة له بها.

وهذا لا يلغي حقيقة أن المغرب وإسبانيا تجمعهما مصالح استراتيجية كبيرة؛ فإسبانيا تعتمد على التعاون المغربي في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب، كما أن العلاقات الاقتصادية شهدت تطورا مهما، حيث تجاوز حجم المبادلات التجارية الثنائية 22 مليار يورو سنة 2024، وأصبح المغرب من أهم شركاء إسبانيا الاقتصاديين في إفريقيا، لكن هذه المصالح لا تجعل التعاون الأمني والاقتصادي بديلا عن احترام التاريخ والذاكرة، ولا تمنح أحدا حق إغلاق الملفات التاريخية بعبارة “لا نقاش”.

فالمغرب الذي يتعاون مع إسبانيا، هو نفسه المغرب الذي يحتفظ بذاكرته التاريخية، ويدرك أن التعاون لا يلغي الملفات العالقة، وأن حسن الجوار لا يعني التخلي عن القضايا الوطنية، كما أن الانفتاح على الشراكة لا يعني القبول بلغة تستحضر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، منطقا استعماريا يرى أن نتائج القوة في مرحلة تاريخية يمكن أن تتحول إلى حق دائم يتجاوز الزمن.

لقد ظنت إسبانيا أنها تستطيع الاحتفاظ بإمبراطوريتها إلى الأبد، ولم تفعل، وظنت فرنسا أن الجزائر يمكن أن تبقى جزءً منها إلى الأبد، ولم يحدث ذلك، وظنت قوى استعمارية كثيرة أن الشعوب التي أخضعتها ستبقى تحت سيطرتها، ثم جاءت لحظة انهار فيها ذلك كله، وحتى القوى التي اجتمعت ذات يوم لتقسيم العالم فيما بينها، لم تستطع أن تتحكم في مسار التاريخ.

لذلك تبدو عبارة “لا نقاش” أكثر هشاشة أمام التاريخ مما تبدو عليه في الخطاب السياسي، فالقضايا التي تبدو مغلقة في لحظة معينة، قد تعود إلى الواجهة عندما تتغير الظروف، والحدود التي تبدو ثابتة قد تتغير، وموازين القوى التي تبدو مستقرة قد يعيد الزمن تشكيلها.

ولهذا، فإن المشكلة ليست في اختلاف المواقف، وإنما في الاعتقاد بأن الموقف السياسي يستطيع أن يمنح نفسه صفة الأبدية. التاريخ لا يمنح أحدا هذه الصفة، ولا الحكومات تملك أن تصادر حق المستقبل.

وإذا كانت إسبانيا تريد فعلا بناء علاقة استراتيجية مع المغرب، فإن لغة المستقبل تظل أكثر جدوى من لغة الأبدية؛ فالمغرب ليس مغرب الأمس، والعالم ليس عالم الأمس، والعلاقات الدولية لم تعد تُدار بمنطق الإمبراطوريات والحمايات والاستعمار، وما يصلح لبناء شراكة حقيقية هو الاعتراف بهذه التحولات، لا محاولة إيقافها بتصريحات تلفزيونية.

فالتاريخ أكبر من الحكومات، وأطول من أعمار الدول والسياسات، وأكثر قدرة على مفاجأة الذين يظنون أنهم يستطيعون تحديد نهايته، فلا شيء أبدّي في التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى