متابعات | ميلاد أول تيار معارض لإضراب المحامين بقيادة الرميد

أثارت عودة بعض المحامين إلى العمل بالمحاكم، الكثير من الجدل وسط أصحاب البدلة السوداء، وخلقت نقاشا كبيرا على مستوى العديد من الهيئات، خاصة هيئة الدار البيضاء، بعد مشاركة بعض رموز المحاماة في كسر الإضراب والرجوع للعمل، مثل الوزير السابق للعدل مصطفى الرميد والنقيبان عبد الله درميش ومحمد الشهبي، وبعض المحامين الآخرين، في خطوة لقيت ترحيبا من قبل البعض وانتقادات كثيرة من آخرين.
إعداد: خالد الغازي
خلقت عودة المحامين للعمل في محكمة الدار البيضاء، جدلا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي صفوف المحامين والنشطاء الحقوقيين والفاعلين في قطاع العدالة، خاصة وأن هذه الخطوة كسرت الإضراب الوطني الذي تتمسك به جمعية هيئات المحامين، التي قررت الاستمرار فيه رغم دعوات بعض المحامين إلى تعليق الإضراب واستئناف العمل، ومواصلة النضال بوسائل أخرى، لا سيما بعد نشر قانون المهنة رقم 66.33 في الجريدة الرسمية.
فقد اعتبر البعض أن قرار العودة من قبل بعض المحامين بمشاركة نقيبين سابقين، يعد خطوة من أجل طرح نقاش جديد داخل هيئات المحامين بخصوص تعليق الإضراب وضرورة استئناف العمل، حيث دعا العديد من المحامين، مثل النقيب عبد الرحيم الجامعي وعبد الكبير طبيح والوزير السابق مصطفى الرميد وآخرين، إلى العودة للمحاكم احتراما للدستور وللمؤسسات، مع ضرورة الاستمرار في موقف الجمعية الوطنية من الحكومة.
وتطرح عودة المحامين إلى المحاكم الكثير من التساؤلات حول الانقسام الجديد داخل بعض الهيئات، وأهمية فتح مشاورات ونقاش جديد بخصوص المواقف المهنية للهيئات وبالنسبة للملفات العالقة ومصالح المواطنين والمؤسسات والشركات، وضرورة التوصل إلى حلول توافقية تنهي التوتر والفراغ الذي يعرفه القطاع وإعادة الاستقرار بين مختلف مكونات منظومة العدالة.

وقد قاد مصطفى الرميد وزير العدل السابق، رفقة النقيبين الشهبي ودرميش وبعض المحامين مبادرة العودة للعمل، وزيارة المجاملة إلى الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، في إشارة إلى استئناف العمل من جديد، وكسر الإضراب الذي تتمسك به جمعيات هيئات المحامين، وقبل هذه الخطوة، دعا الرميد في رسالة وجهها إلى نقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء محمد حيسي، إلى وضع حد للإضراب الذي يخوضه المحامون، لأن استمرار التوقف – حسب رأيه – بعد دخول القانون الجديد المنظم للمهنة حيز التنفيذ، يبقى بدون أفق، خاصة وأن كلفته يتحملها بالدرجة الأولى المتقاضون، لا سيما المعتقلون في القضايا الزجرية.
وانتقد الرميد في رسالته طريقة تدبير جمعية هيئات المحامين بالمغرب لمعركتها الاحتجاجية ضد الحكومة، لكون المعركة – حسب قوله – انطلقت “دون رؤية ولا خطة ولا مطالب مضبوطة، فضلا عن غياب السند الشعبي أو الحزبي أو النقابي أو الإعلامي”، معتبرا أن مآلها كان متوقعا وانتهى بالخسارة التامة، وأنه سبق أن عبر عن هذا الموقف لرئيس الجمعية وناقش الموضوع مع النقيب وعدد من المحامين الذين تواصل معهم.
ويرى الرميد أن صدور القانون لا يسقط حق جمعية هيئات المحامين في مواصلة النضال من أجل إلغاء أو تعديل المقتضيات التي تعتبرها منافية للمصلحة المهنية أو للقواعد المنظمة للمهنة، لكنه رفض أن يكون ذلك مبررا للاستمرار في إضراب مفتوح لا تتضح آفاقه أو مآلاته، منبها إلى الأثار التي يخلفها الإضراب على المعتقلين والمتقاضين، بسبب استمرار الامتناع عن المؤازرة في القضايا الزجرية، وأن استمراره يشبه مواصلة “حفر حفرة عميقة”، وبأن المحامين أنفسهم سيكونون في نهاية المطاف أبرز المتضررين من استمرار الوضع.
بدورهما، وجه عبد الله درميش ومحمد الشهبي، نقيبان سابقان، رسالة قوية إلى رئيس جمعية هيئة المحامين بالدار البيضاء، الحسين الزياني، أثارت نقاشا واسعا بين المحامين في هيئة الدار البيضاء، وبقية الهيئات الأخرى، خاصة وأنها طرحت إشكالية تتعلق بعلاقة الإضراب بالدستور وقانون المهنة الذي دخل حيز التنفيذ، وكذا حماية الحقوق ومصالح المواطنين والأمن القضائي.
وبخصوص استمرار الجمعية في التشبث بالإضراب ومقاطعة الخدمات في المحاكم، أكد النقيبان أن مكتب الجمعية ليست له الصلاحية لاتخاذ قرارات تدخل ضمن اختصاص مجالس الهيئات، التي تبقى الجهة الوحيدة المخوّلة قانونا لاتخاذ المواقف في الحدود التي يسمح بها قانون المهنة، وأن التوقف الجماعي عن تقديم الخدمات الموكولة للمحامي، يُعد مخالفا لقانون المهنة، ويتعارض مع ما تعارف عليه الأسلاف، وما كرّسه الواقع المهني المعيش منذ سنين خلت، وأنه لا يشكل آلية حكيمة ولا تصرفا أخلاقيا، معتبران أن الحل الأمثل يكمن في الحوار الواضح والشفاف والبناء.
وأوضح النقيبان أن توجيه هذه الرسالة يأتي في سياق المرحلة الدقيقة التي تمر بها مهنة المحاماة، وما تجتازه الهيئات المهنية، من ضمنها هيئة المحامين بالدار البيضاء، التي عُرفت تاريخيا بانضباط أعضائها، وتقيدهم بالأعراف والتقاليد، وبأدبيات وأخلاقيات المهنة التي ورثها الخلف عن السلف، عبر حقب زمنية طويلة، وتعاقب النقباء على الهيئة منذ صدور ظهير سنة 1924، مؤكدين أن دعوتهما جاءت في إطار الحرص على الحفاظ على هذا الموروث الذي يميز مهنة المحاماة، ويجعل علاقة المحامي بالمتقاضي بمثابة ميثاق قوي يفرض الإخلاص له، وللتقاليد الدستورية والمؤسساتية التي قامت عليها مهنة المحاماة بالمملكة، ولمضامين القسم المهني الذي يؤديه المحامي.
تطرح عودة النقباء وهؤلاء المحامين إلى العمل سؤالا جوهريا حول علاقة العمل بالاحتجاج ضد الحكومة، أو فعالية الإضراب في تحقيق الأهداف المتوخاة، والضغط عليها من أجل إعادة النظر ومراجعة المقتضيات والمواد التي يتضمنها القانون، إذ يرى البعض أن الرجوع إلى قاعات المحاكم والترافع في الملفات والقضايا، لا يعني انتهاء الخلاف حول القانون، خاصة وأن الجمعية والعديد من الهيئات أعلنت عن تمسكها بمواقفها الاحتجاجية، لكن تعطيل المسار المهني واستمرار التوقف، يعتبره الكثيرون خيارا غير فعال بعد دخول القانون حيز التنفيذ ونشره في الجريدة الرسمية.

في هذا الإطار، اعتبرت فاطمة الزهراء الإبراهيمي، محامية بهيئة الدار البيضاء، أن حضور المحامين لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء لممارسة مهامهم المهنية، يشكل تعبيرا عن احترام القانون والدستور وتغليبا للمصلحة المهنية ومصلحة المواطنين وعلى رأسهم المعتقلون، منتقدة بشدة طريقة تدبير جمعية هيئات المحامين بالمغرب لملف التوقف عن العمل، لكون المحاماة – حسب رأيها – أسمى من البلاغات التي تتجاوز حدود الاختصاص، وأسمى من تحويل جمعية تنسيقية بين الهيئات إلى سلطة فوق المؤسسات أو فوق القانون.
وأوضحت الإبراهيمي، التي خرجت في تدوينة لها تعلن عن عودتها للعمل، أن موقف عدد من أعضاء مجلس هيئة المحامين بالدار البيضاء، ومن بينهم النقيب الشهبي والنقيب درميش، والأستاذ نعمان الصديق، إلى جانب النقيب الممارس حيسي، يقوم على تعليق التوقف بعد نفاذ القانون، مع التأكيد على أن استمرار المؤسسة في التوقف التزام مؤسساتي بقرار الجمعية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى إلزام مطلق للمحامي بمخالفة القانون أو الدستور، مضيفة أن القانون أصبح نافذا وسيطبق، وأن المرحلة تقترب من الانتقال من منطق التوقف إلى مرحلة تطبيق القانون وتأويل مقتضياته بما ينسجم مع الدستور وروح المهنة.
وقالت الإبراهيمي، أن من حضروا للمحكمة هم من كبار مهنة المحاماة، ومن حكماء هيئة الدار البيضاء، وكان تعبيرهم الفعلي عن موقفهم اليوم هو وجودهم داخل المحاكم وقاعات الجلسات تطبيقا للقانون واحتراما للدستور وتغليبا للمصلحة المهنية ولمصلحة المواطنين، وعلى رأسهم المعتقلون، مضيفة أن مهنة المحاماة أسمى من البلاغات التي تتجاوز حدود الاختصاص وأسمى من تحويل جمعية تنسيقية بين الهيئات الى سلطة فوق المؤسسات أو فوق القانون، وأن الاختلاف حول هذا القانون لا يحتاج إلى الصراخ ولا إلى الشعارات ولا مخاصمة المؤسسات التشريعية، مشيرة إلى أن عددا من النقباء السابقين وأساتذة آخرين عبروا عن رأيهم بضرورة العودة إلى ممارسة مهامهم المهنية.
من ناحية أخرى، تبرز آراء محامين آخرين يرفضون العودة للعمل، متمسكين بقرار الجمعية التي ترى في العودة هزيمة لأسرة المحاماة أمام حكومة أخنوش، التي فرضت عليهم قانونا مهنيا يمس مصالحهم، ويسحب الاختصاصات والصلاحيات من الهيئات ويضع المحاماة تحت وصاية وزارة العدل، رغم أن الدستور والقوانين الدولية تمنحها استقلالية تامة عن الحكومة أو الوزارة أو النيابة العامة أو المجلس الأعلى للحسابات، لأن المحامين يمارسون مهنة مستقلة عن القطاع العام.

في هذا الصدد، انتقدت جميلة السيوري، رئيسة جمعية “عدالة” عودة الرميد وبعض المحامين لممارسة عملهم في المحاكم، والتعبير عن رغبتهم في كسر قرار الجمعية، لأن خطوتهم – حسب رأيها – جاءت في لحظة تحتاج فيها المهنة إلى التضامن، ملقية لومها على الوزير السابق الرميد ومن حملوا ألقابا ومسؤوليات داخل المهنة ثم اختاروا أن يضعوا وزنهم الرمزي في كفة الخروج عن القرار الجماعي، متسائلة: حين يختار ثلة من المحامين والمحاميات من مجموع 5992 محاميا من هيئة الدار البيضاء، خرق قرار التوقف، من بينهم وزير عدل سابق ونقيبان سابقان، يصبح من المشروع أن نسأل بهدوء ودون تهويل: هل نحن أمام شجاعة مهنية حقيقية، أم أمام موقف يخدم، موضوعيا، جهة أخرى غير مصلحة المهنة؟ وحين يكون بين من اختاروا كسر الموقف الجماعي وزير عدل سابق، فمن الطبيعي أن نطرح السؤال حول ما إذا كانت صفته السابقة، وعلاقاته ومعرفته الدقيقة بآليات تدبير قطاع العدالة، قد تجعل لموقفه اليوم وزنا وتأثيرا يتجاوز مجرد ممارسة حق فردي في الاختلاف ؟
واعتبرت نفس المحامية أن خطوة هؤلاء المحامين، الذين يظنون أنهم يمارسون شجاعتهم، ويمنحون خصوم المهنة ما يحتاجون إليه، وفق تعبيرها، هي صورة جسم مهني عاجز عن توحيد صفوفه، لأن الشجاعة – حسب قولها – تكون أحيانا أن تتحمل قرار الجماعة حتى وأنت مختلف معها، وأن تعرف متى يكون الخلاف موقفا مشروعا، ومتى يصبح، بحساب نتائجه، خدمة مجانية لمن يريد إضعاف المهنة، قائلة: نحن لا نحتاج إلى التخوين، بل نحتاج إلى اليقظة، ولا نحتاج إلى توزيع صكوك الوطنية، بل نحتاج إلى من يقوي المحاماة لا من يضعفها، من يحمي قرارها الجماعي لا من يفرغه من مضمونه، وإلى من يدافع عن استقلالها بشكل فعلي، وليس من يكتفي باستعمال شعار الاستقلالية حين يخدم موقفه، فالأشخاص عابرون، والمناصب تزول، والنقباء السابقون يصبحون جزء من الذاكرة، أما المهنة، فباقية..”.
وألقت المحامية جميلة السيوري بلومها على الرميد قائلة: “الذاكرة المهنية لا تمحى بمجرد مغادرة الوزارة، بل إن من تحمل مسؤولية تدبير قطاع العدالة، مطالب أكثر من غيره بأن يجيب عن أسئلة تجربته السابقة، وعن مواقف وهفوات تلك المرحلة، وعما قدمه أو لم يقدمه للمهنة، لا أن يحاول جعل منصبه السابق مصدر رمزية أو ورقة ضغط أخلاقية على نقبائه وزملائه، كما أن صفته السابقة لا تصنع للمحامين والمحاميات قدوة، بل تبقى المواقف لها الكلمة الأخيرة”.
فخروج قانون المهنة في الجريدة الرسمية وضع جمعية هيئات المحامين أمام إشكالية كبيرة، تتعلق بمدى الامتثال للقانون رغم الاختلاف معه ورغم الصدام مع الحكومة، لكن صدوره جعل الجمعية أمام مهمة مستحيلة لمواصلة المعركة، خاصة بعد خروج العديد من الأصوات مطالبة بضرورة العودة للمحاكم ووضع مقترحات أخرى والبحث عن حلول جديدة لطرحها على الحكومة المقبلة.



