تحقيقات أسبوعية

تقرير | التضليل السيبراني: من صناعة الوهم الرقمي إلى تهديد الحكامة والثقة في المؤسسات

لم تعد المعارك في العصر الرقمي تخاض فقط بالدبابات والطائرات والصواريخ، بل أصبحت تخاض أيضا عبر المعلومة؛ فمن يمتلك القدرة على إنتاجها وتوجيهها وتوزيعها يستطيع، في كثير من الأحيان، التأثير في الرأي العام، وإرباك المؤسسات، وتغيير اتجاهات النقاش العمومي. وفي قلب هذا التحول برزت ظاهرة التضليل السيبراني باعتبارها واحدة من أخطر إفرازات البيئة الرقمية، خصوصا مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي، وتقنيات التزييف العميق، والخوارزميات القادرة على إنتاج محتوى مقنع واسع الانتشار.

بقلم: د. يونس مليح

الخطورة لا تكمن في مجرد انتشار خبر كاذب، وإنما في انتقال التضليل من فعل فردي محدود إلى صناعة رقمية منظمة تستثمر في البيانات، والخوارزميات، وسلوك المستخدمين، ونقاط ضعف المجتمعات، بهدف التأثير في الوعي الجماعي وصناعة مواقف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية معينة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن هنا تطرح الظاهرة إشكالية مركزية: إلى أي حد أصبح التضليل السيبراني تهديدا للحكامة والثقة في المؤسسات، وما مدى قدرة القواعد القانونية والآليات التقنية والمؤسساتية على مواجهته دون المساس بحرية التعبير والحق في الحصول على المعلومة؟

تتمة المقال تحت الإعلان

ولمقاربة هذه الإشكالية، يمكن تناول الموضوع من خلال محورين أساسيين:

تتمة المقال تحت الإعلان

المحور الأول: التضليل السيبراني وتحول المعلومة إلى أداة للتأثير في المجتمع والمؤسسات

التضليل السيبراني ليس مجرد «خبر كاذب» ينشر على شبكة اجتماعية، بل هو منظومة متكاملة تقوم على إنتاج معلومات مضللة، وتضخيمها، واستهداف فئات محددة، وإعادة تدويرها عبر شبكات رقمية حتى تكتسب مظهرا من المصداقية.

وقد جعلت البيئة الرقمية من هذه العملية أكثر سرعة واتساعا؛ فالمعلومة التي كانت تحتاج في الماضي إلى ساعات أو أيام للوصول إلى جمهور محدود، أصبحت قادرة على الانتشار في دقائق إلى ملايين الأشخاص. والأخطر أن الخوارزميات لا تقيس دائما صدق المعلومة، وإنما تهتم بدرجة التفاعل معها، وهو ما يجعل المحتوى المثير للجدل أو الخوف أو الغضب أكثر قابلية للانتشار.

وهنا يظهر التحول الجوهري: لم تعد قيمة المعلومة مرتبطة بحقيقتها فقط، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بقدرتها على جذب الانتباه والتأثير في السلوك.

وقد يستهدف التضليل السيبراني المجال السياسي من خلال التأثير في اتجاهات الناخبين، أو ضرب صورة المؤسسات، أو صناعة روايات بديلة للأحداث. كما يمكن أن يمتد إلى المجال الاقتصادي من خلال نشر أخبار كاذبة حول شركات أو مؤسسات مالية أو أزمات اقتصادية، بما قد يؤدي إلى خلق حالة من الهلع أو فقدان الثقة.

أما في مجال الإدارة والمالية العامة، فإن الخطر يصبح أكثر حساسية؛ إذ يمكن لمعلومة مالية مضللة حول الدين العمومي، أو الضرائب، أو الدعم، أو الميزانية، أو وضعية مؤسسة عمومية أن تؤثر في ثقة المواطنين وفي سلوكهم الاقتصادي، بل قد تتحول إلى عامل من عوامل الضغط على القرار العمومي.

وتزداد الخطورة مع الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح قادرا على إنتاج نصوص وصور وأصوات ومقاطع فيديو يصعب على المواطن العادي التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي. وهنا انتقلنا من مرحلة تضليل المعلومة إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتمثل في هندسة الواقع الرقمي نفسه.

فالتزييف العميق، والحسابات الآلية، والشبكات المنسقة، والاستهداف الخوارزمي، كلها أدوات يمكن أن تجعل التضليل أكثر دقة وأقل قابلية للاكتشاف. ولذلك فإن التحدي لم يعد فقط: «كيف نكشف الخبر الكاذب؟»، بل أصبح: من أنتج هذا المحتوى؟ ولماذا؟ ولمن وجه؟ وكيف انتشر؟ ومن استفاد من انتشاره؟

وهذه الأسئلة تنقل التضليل السيبراني من مجال الإعلام والتواصل إلى مجال الأمن الرقمي والحكامة والسيادة المعلوماتية.

المحور الثاني: مواجهة التضليل السيبراني بين التشريع والذكاء الاصطناعي وحماية الثقة العمومية

إن مواجهة التضليل السيبراني لا يمكن أن تقوم على المقاربة الزجرية وحدها، لأن المشكلة أكبر من مجرد معاقبة ناشر محتوى مضلل. نحن أمام منظومة رقمية تتداخل فيها مسؤولية الدولة، والمنصات الرقمية، ومؤسسات الإعلام، والباحثين، والمجتمع المدني، والمستخدمين.

وتتمثل الخطوة الأولى في بناء إطار قانوني متوازن يميز بوضوح بين الخطأ، والرأي، والنقد المشروع، والمعلومة غير الدقيقة، والتضليل المتعمد والمنظم. فليس كل محتوى خاطئ تضليلا بالضرورة، كما أن مكافحة الأخبار الكاذبة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتقييد حرية التعبير أو إسكات النقد العمومي.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق «تجريم المحتوى» فقط إلى منطق مسؤولية الفاعلين في البيئة الرقمية، بما في ذلك الجهات التي تنتج حملات تضليل منظمة، وتستخدم الحسابات الوهمية، والخوارزميات، والتزييف العميق بهدف التأثير المتعمد في المجتمع أو المؤسسات.

وفي المقابل، فإن الذكاء الاصطناعي الذي يمثل جزءا من المشكلة يمكن أن يصبح جزءا من الحل. فبإمكان تقنيات الذكاء الاصطناعي أن تساعد في تحليل كميات ضخمة من البيانات، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، ورصد الحملات المنسقة، والتعرف على بعض أشكال المحتوى المصطنع، وتتبع مسارات انتشار المعلومات.

غير أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وحده يحمل بدوره مخاطر؛ لأن الخوارزمية يمكن أن تخطئ، وقد تكون منحازة، وقد تنتج قرارات غير مفهومة للمستخدم. لذلك فإن الحكامة الخوارزمية تصبح ضرورة لا ترفاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمعلومة التي تؤثر في المجال العام.

ومن هنا ينبغي بناء منظومة متكاملة تقوم على أربعة مستويات:

أولا: التشريع الذكي الذي يحمي المجتمع من التضليل دون التضحية بالحقوق والحريات.

ثانيا: الحكامة الرقمية التي تفرض قدرا مناسبا من الشفافية والمساءلة على المنصات والخوارزميات المؤثرة في تدفق المعلومات.

ثالثا: الأمن السيبراني القادر على رصد الحملات المنسقة والعمليات الرقمية التي تستهدف المؤسسات أو القطاعات الحساسة.

رابعا: التربية الرقمية التي تجعل المواطن قادرا على التحقق من المصادر، وفهم طبيعة الخوارزميات، والتمييز بين الخبر والرأي والدعاية والتضليل.

والحقيقة أن المعركة الحقيقية ضد التضليل السيبراني ليست معركة تقنية فقط، وإنما هي معركة ثقة. فالمؤسسات التي تفقد ثقة المواطنين تصبح أكثر هشاشة أمام الإشاعة، والمجتمع الذي يفقد ثقته في مصادر المعلومات يصبح أكثر قابلية للتلاعب.

ولهذا فإن تعزيز الشفافية المؤسساتية، وسرعة التواصل الرسمي، وإتاحة المعلومة الموثوقة، وتشجيع الإعلام المهني، وتطوير أدوات التحقق، كلها تشكل عناصر أساسية في بناء مناعة مجتمعية ضد التضليل.

خاتمة:

إن التضليل السيبراني يمثل أحد أبرز تحديات الدولة والمجتمع في العصر الرقمي، لأنه لا يستهدف الأجهزة والمؤسسات فقط، وإنما يستهدف العقل الجمعي والثقة العامة. وقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على منح التضليل قوة غير مسبوقة، من خلال إنتاج محتوى شديد الواقعية وسريع الانتشار وعالي القدرة على الاستهداف.

غير أن مواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقودنا إلى الخوف من التكنولوجيا، بل إلى حكامة التكنولوجيا. فالمشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي في حد ذاته، وإنما في كيفية استخدامه، ومن يتحكم فيه، والقواعد التي تحكم إنتاجه وتوظيفه.

لقد أصبح واضحا أن الأمن في القرن الحادي والعشرين لن يكون أمن الحدود فقط، ولا أمن الأنظمة المعلوماتية فقط، وإنما سيكون أيضا أمن الحقيقة.

ومن ثم، فإن الدولة الحديثة مطالبة ببناء ما يمكن تسميته «المناعة السيبرانية المجتمعية»؛ وهي قدرة المجتمع والمؤسسات على اكتشاف التضليل، ومقاومته، وتصحيح أثره، والحفاظ على الثقة في المعلومة والمؤسسة والقانون.

وفي المستقبل، لن يكون السؤال الأكثر أهمية: هل المعلومة حقيقية أم مزيفة؟ فحسب، وإنما سيصبح السؤال الأعمق: من يملك القدرة على صناعة الحقيقة الرقمية، ومن يملك سلطة توزيعها، ومن يتحمل مسؤولية آثارها؟

وهنا تحديدا يلتقي القانون بالذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني بالحكامة، والمالية العامة بالثقة المجتمعية؛ لتتشكل أمامنا معركة جديدة عنوانها الأبرز: من يحكم المعلومة، يحكم جانبا مهما من اتجاهات المجتمع والدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى