الرأي

الرأي | الفساد السياسي و الحرمان من الحقوق هو سبب هروب الشباب من أرض الوطن 

حسوني قدور بن موسى
بقلم: حسوني قدور بن موسى
محامي بهيئة وجدة

 لا مكانَ في الحياةِ بالنَسبةِ للإنسان  أجمل و أبهى من الأرض التي ولد فيها وترعرع  و تفيأَ ظلالَها وارتوى من مائِهِا ، فالمكانُ هو ذكريات لمَراتِع الصَبا و ضَحكاتِ الطُفولةِ البريئةِ و هو جزء من كِيانِ الإنسانِ و حياته، فمهما ابتعد عن الوطن فلا بد أن تبقى أطلال بلادهِ في ثنايا مُخيِلتِه راسخة لا تزول رغم مرور الزمان , و هذا جُزْء يسِيْر مِنَ الوفاءِ لهذه الأرضِ الطيبة التي حملتكَ على ظهْرها وأنتَ تحبو  ثم و أنتَ تخطو خطوات الصبا ثم تمشي ثم بعد انتهاء الأجل تموت و تدفن في أرض الأباء و الاجداد  فما اجمل هذه الارض و أرحمها.

الشباب عمود المجتمع، بهم يقوى ويبقى ومن دونهم يضعف ويضمحل. وتقوم الأمم والشعوب بسواعد ونشاط وعلم الشّباب فيها، كما أنّ كسلهم وجهلهم هو عين التخلّف والتّراجع عن ركب الحضارة والتقدّم.

تتمة المقال تحت الإعلان

كثير من الناس من ارتشف شراب الهجرة والغربة في كؤوس من الحنين والأشواق و كم من مغترب ردد بلوعة بيت الشاعر العربي حاتم الطائي :

تتمة المقال تحت الإعلان

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

تتمة المقال تحت الإعلان

و حنينه ابدا لأول منزل.

وكم من مهاجر يتغنى صباح مساء :

بلادي وإن جارت علي عزيزةٌ       وأهلي وإن  ضنوا  عليَّ  كرام.

مهما يجر وطني علي وأهلُه، فالأهل أهلي والبلادُ بلادي.

 محمود درويش وصف الوطن بأنه «البيت و شجرة التوت و رائحة الخبز والسماء الأولى».أحمد شوقي قال عن حب الوطن  « وطني لو شُغلت بالخلد عنه.. نازعتني إليه في الخلد نفسي»

منذ القدم لا يرغب الناس عادة  في هجرة أوطانهم إلى بلاد الغربة ، ذلك أنّ الوطن عزيز على قلب كل إنسان، و لا يستغنى عنه بحالٍ من الاحوال ولكن ما يجعل الانسان  يهجر ارضه وأهله  هي الأسبابٌ القاهرةٌ الخارجة عن ارادته و التحديات الاقتصادية و العقبات التي تواجه فئة الشباب و التي قد تختلف من شخص لآخر.

يعود النزوح ومغادرة الأوطان إلى عوامل قسرية واختيارية متداخلة، أبرزها النزاعات والحروب ، الأزمات الاقتصادية و الكوارث الطبيعية و المناخية والنزاعات المسلحة و طغيان و فساد السياسة و ظلم رجال الاعمال المسيطرين على السلطة في الوطن العربي ، كلها عوامل تجبر الأفراد على ترك ديارهم فجأة بحثاً عن الامن و الأمان وحماية الأرواح، و يعتبر الاضطهاد السياسي و غياب حرية الرأي و التعبير و قمع الحريات و الفقر المدقع و البطالة اهم الاسباب التي تؤَدي بالشباب الى الهجرة مما يدفع الناس للبحث عن مستوى معيشة أفضل في بلاد اكثر أمانا و استقرارا.

يتمثل الفساد الحزبي في انحراف التنظيمات السياسية عن أدوارها الدستورية في التأطير والتنمية، وأبرز معالمه هي استبداد القيادات، المال الانتخابي ، وغياب المحاسبة واستبداد القيادات و احتكار اتخاذ القرار وتهميش القواعد الحزبية و غياب الديمقراطية الداخلية واللجوء إلى “الكولسة”.تفريغ المضمون السياسي و تحويل الحزب إلى آلة انتخابية موسمية بدلاً من التأطير المستمر للشباب ، مظاهر انتخابية تحكمها ألة شراء اصوات المواطنين الضعفاء و الاعتماد على سطوة المال الفاسد لاستمالة الناخبين و منح التزكيات بالولاءات و ترشيح ذوي المصالح المقربين بدل الكفاءات والنزهاء، اختلالات التمويل و غياب الشفافية في إدارة المال الحزبي والدعم العمومي، تضارب المصالح، استغلال المواقع التمثيلية لتحقيق مكاسب شخصية ، التواطؤ والافلات من العقاب، التغاضي عن ملفات الفساد المرتبطة بأعضاء الحزب و تراجع الثقة، إضعاف مصداقية مؤسسات الوساطة الديمقراطية لدى المواطنين.

ان ابرز  عوامل هجرة الشباب الى خارج أرض الوطن هو تفشي ظاهرةَ الفساد في جميع القطاعات و الشيء الخطير  هو فساد القيادات الحزبية  التي من المفترض فيها ان تلعب دور احتضان الشباب و استقطابهم لإدماجهم وتمكينهم من التعبير عن اراءهم و طموحاتهم ، و ضخ دماء جديدة في هياكل الأحزاب السياسية ، وتعزيز المشاركة الديمقراطية ، لكن عندما يسيطر شخص واحد على كرسي المسؤولية في الحزب  مدى الحياة دون منافس  و لا معارض كما يقع في بلادنا حيث ان الأمين العام للحزب يظل جاثما على كرسي المسؤولية طوال حياته، فان الاطر الشابة المهمشة لا تجد حلا اخر سوى الهروب من هذه الاوضاع الفاسدة في اتجاه مجهول.

إن قوة الأمة ومجدها وعظمتها تتجلى في نظامها الديمقراطي و جودة تعليمها ونزاهة قضائها وحسن اختيار قادتها ومحاربة الفساد والمفسدين على جميع المستويات، وهناك بعض الصفات التي لا يستطيع الإنسان اكتسابها عن طريق المال أو الحسب والنسب  مثل الأخلاق والشرف والصدق والنزاهة والقيم الرفيعة ونقاء الضمير، هذه الصفات الحميدة هي الضامن الأساسي لتقدم وازدهار الدولة، والفساد يأتي من تحول الصدق إلى ألفاظ ومظاهر خادعة، ويتحول العمل السياسي الهادف الجاد إلى شعارات ومصالح ومنافع  شخصية ، ويتحول كرسي المسؤولية إلى أصل تجاري من أجل تكديس المال الحرام وجمع الثروة عن طريق الفساد والريع و الرشوة ، فكيف يا ترى تستطيع اقناع الشباب بالبقاء في وطنهم المغتصب من طرف مجموعة من اللصوص ؟

 لهذا يعتبر الفساد السياسي و المالي من أخطر الأسباب التي تؤدي إلى الفقر و التخلف في جميع مجالات الحياة و بالتالي خلق جيل من العاطلين الغاضبين الذين ينتظرون فرصة الهروب الى خارج الوطن لأن المفسدين يسرقون  أمال و طموحات هذا الشباب و يستغلون صمت المواطنين لسرقة ثروات البلاد و تحويلها إلى جيوبهم ، وهذا الوضع الخطير  يؤدي حتما إلى تدني مستوى المعيشة ما يؤدي حتما إلى تفكير الشباب في البحث عن موطن اخر للعيش فيه في أمن و سلام، فقد أثبتت الدراسات والأبحاث وجود علاقة قوية بين تدني مستوى المعيشة و الهجرة ، فعدم توفير الأمن الاقتصادي وسوء التغذية وغياب الرعاية الصحية والاجتماعية و تدني مستوى التعليم العالي و بيع الشواهد الجامعية للتافهين و تدهور القدرة الشرائية للمواطنين هو نتيجة تفشي ظاهرة الرشوة واختلاس ونهب وسرقة المال العام ، الأمر الذي يؤدي إلى صعوبة تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء ما يؤدي بالشباب  إلى التفكير في مغادرة ارض الوطن دون التفكير في العودة اليه متجهين نحو اسبانيا الجارة التي كان   مواطنوها بالأمس القريب يهاجرون الى المغرب من اجل الاسترزاق و طلب الشغل باجور  رخيصة الى ان انقلبت الاوضاع فاصبح شباب المغرب يغامرون بارواحهم من اجل لقمة العيش في بلاد لا ترغب في وجودهم  على اراضيها و لهذا بدون وجود مؤسسات رقابية قوية في الدولة يزداد الفساد انتشارا في المجتمع بسبب عدم وضوح القوانين وعدم صياغتها بشكل دقيق و واضح وانعدام الشفافية و المراقبة و المحاسبة في جميع  القطاعات ، مما يجعلها قابلة للتفسير بشكل خاطئ، فيصبح القانون مثل عش العنكبوت لا تعلق به إلا الحشرات الصغيرة، إلا أن تلك القوانين قد تمنح للمفسدين  صلاحيات واسعة وكبيرة ، مما يجعل المجال مفتوحا لتزايد وانتشار الفساد على جميع المستويات، ويتضح هذا في أن المسؤول الفاسد الذي يجد أمامه قدرا كبيرا من حرية التصرف في المال العام دون مراقبة ولا محاسبة ولا عقاب سوف يستغل وظيفته للحصول على أكبر منفعة ممكنة من منصبه، كما أن متابعة الصحفيين الملتزمين بالدفاع عن قضايا الشعب والمناهضين لظاهرة الفساد ومتابعتهم قضائيا لمحاولة إسكات أصواتهم هي معضلة أخرى تحول دون الوصول إلى المعلومات عن الفساد في السلطة، ولهذا لا يوجد حل وسط عندما يتعلق الأمر بالفساد، فعلى المواطنين الشرفاء محاربة هذه الجريمة بجميع الوسائل، و التاريخ شاهد على مواقف نضالية لشخصيات مغربية سياسية أمثال الدكتور المهدي المنجرة الذي حارب الفساد و المفسدين و عندما اغلقت جميع الابواب في وجهه  انسحب نهائيا من الساحة السياسية لأنه كان لا يؤمن بالدستور الممنوح الذي لا يعبر عن طموحات وآمال الشعب المغربي، وظل يناضل من أجل مؤتمر تأسيسي منتخب من طرف الشعب لإعداد دستور يحظى بقبول جميع المغاربة، وهناك شخصيات مغربية قليلة جدا رفضت تولي المسؤولية أمثال المرحوم عبد الله إبراهيم، الذي عبر عن رفضه القاطع تشكيل الحكومة في عهد محمد الخامس، حيث قبل هذا المنصب تحت الضغط والإكراه، لكن اليوم نلاحظ أن المفسدين ينفقون المال الحرام من أجل تولي المناصب الحكومية ليس من أجل خدمة المصلحة العامة و انما من أجل المزيم من تراكم ثرواتهم.

يعتبر الفساد في الادارة َو في الاحزاب السياسية من أكبر معوقات التنمية ، فهو المسؤول الأول عن تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد و  ما احداث سبتة التي تؤرخ لاكبر موجة هروب من ارض الوطن  الا دليل قاطع  على وجود خلل سياسي و اقتصادي داخل الدولة ، إضافة إلى أن هذا الوضع يؤثر بشكل كبير على العدالة التوزيعية والفعالية الاقتصادية لارتباطه بإعادة توزيع بعض السلع والخدمات لصالح المفسدين في المجتمع  الذين يحتكرون السلطة والنفوذ السياسي والمالي ، هذا فضلا عما يسببه المفسدون من إضعاف قيمة العملة الوطنية نتيجة الاستيلاء على أموال البنوك في قروض بلا ضمانات حقيقية وتهريب المال العام إلى الخارج ، لذلك فإن الفساد هو أكبر من أن يكون مسألة اقتصادية، بل إنه داء خطير يقضي على البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعلى مستقبل الشباب الذي يحاول في كل مرة الهروب من هذا الوطن، و في هذا المجال أصدرت منظمة الشفافية الدولية تقريرا حول مؤشر “مدركات الفساد في العالم”، الذي يقيس درجة الفساد في القطاع العام والحكومي في 180 دولة حول العالم ويضم التقرير فصلا خاصا عن العالم العربي، تبين منه أن إجمالي مؤشر الفساد في المنطقة ظل ثابتا عند 34 من أصل 100 درجة للعام الرابع على التوالي، ولم تحقق أي من دول المنطقة العربية تقدما في أوضاع الفساد، وفي المغرب  يبدو أن القضاء على الفساد بعيد التحقيق ما دامت تقارير المجلس الأعلى للحسابات تعج بالاختلالات والتجاوزات التي صارت مجرد حبر على ورق دوخت رؤوس المواطنين بالتقارير التي لا تطبق على أرض الواقع ، و يظل المفسدون المشتبه فيهم باختلاس المال العام في مراكز القرار السياسي جاثمين على كراسي السلطة غير مهتمين بما يجري حولهم من فضائح تهز العالم و اهمها فضيحة هروب قوافل من الشباب نحو  اسبانيا في الوقت الذي  يعود فيه المفسدون الذين هم السبب في كل المصائب الى الساحة السياسية دون حياء ولا حشمة و  ترشيح انفسهم في الانتخابات التشريعية من اجل المزيد من تكديس الاموال و الثروات و ابعاد الشباب المثقف عن القرارات الحزبية.

 ان الاحتجاجات الشبابية في الشوارع و محاولة الهروب الى الخارج ما هي إلا تعبير صريح  و واضح عن السخط والرفض القاطع لمظاهر الفساد الحزبي و المفسدين الذين ليس لهم تاريخ سياسي و لا نضالي، يجهلون السياسة و هم بارعين في التسلق الى المناصب و  اختلاس المال العام.

إن انتشار الفساد يؤدي حتما إلى إضعاف قواعد وأجهزة الدولة ويحول دون تحقيق الأهداف الرسمية وضعف الهياكل الإدارية، الأمر الذي يفضي إلى فشل النظام الإداري في الدولة، وبما أن الفساد يعتبر من أخطر الجرائم التي تدمر أركان الدولة، فقد وضعت بعض الدول الديمقراطية قوانين صارمة شديدة العقوبة لمواجهة هذه الظاهرة الإجرامية لدرجة عقوبة الإعدام، حيث تم الحكم بهذه العقوبة على بعض المرتشين في الصين وسنغافورة، إلى جانب ذلك وضعت حوافز تدفع الأفراد و كذلك المسؤولين إلى الابتعاد عن الرشوة واستغلال النفوذ، من خلال رفع دخل المواطنين وتحسين مستوى المعيشة، وتعتبر سنغافورة وهونغ كونغ وإيسلندا والدانمارك، رائدة في مجال محاربة الفساد، وفي المغرب، فلقد كشف المؤشر العالمي لمدركات الفساد الصادر عن ” ترانسبرانسي إنترناشيونال”، أن المغرب حل في المرتبة 94 عالميا من أصل 180 دولة استنادا إلى مؤشرات الفساد المتراكمة سنة 2022، الأمر الذي يعطيه المرتبة الثانية في شمال إفريقيا بعد تونس وقبل الجزائر ومصر و ليبيا وموريتانيا، وقال التقرير أن “31 في المائة من مستخدمي الخدمات العمومية بالمملكة دفعوا الرشوة خلال سنة 2022، في حين أن 53 في المائة يعتقدون أن الفساد ارتفع خلال هذه السنة”.

 تتصاعد موجة  محاولات الهروب الى الخارج مصحوبة  بالإضرابات والاحتجاجات والتظاهرات الشعبية في جميع  الدول العربية، و من بينها المغرب، والتي تتجه نحو تركيز الثروة والسلطة في أيدي أقلية من رجال المال والأعمال وتجويع المواطنين وإحكام قبضتها الحديدية عليهم والتحكم في مصيرهم عن طريق فرض القوة وشراء أصوات الناخبين  من طرف تجار المخدرات و سماسرة السياسة من أجل السيطرة على البلاد والعباد سياسيا واقتصاديا، فإذا أردت أن تفسد السياسة فأنفق عليها من المال بلا حساب، فهذه السياسة لا تضمن نهاية سعيدة، وللأسف الشديد، لا يمكن القضاء على المفسدين الانتهازيين عن طريق الانتخابات الفاسدة لأن الشعب لم ينتخبهم أصلا وليس أخطر على الدولة من الخلط بين السياسة والمال، فالتاريخ شاهد على فشل مثل هذه الأنظمة و نهايتها المؤلمة..؟

إن ظاهرة الاحتجاجات الشعبية ضد سيطرة رجال المال و الاعمال و الانتهازيين ليست جديدة على المجتمعات الحديثة وإن كانت وسائل الإعلام المأجورة التي تسير في الاتجاه المعاكس لإرادة الشعب، تحاول تلميع صورة حكومة رجال المال والأعمال للاستفادة هي كذلك من توزيع الغنيمة، ورغم المنع والقمع والاضطهاد ضد الرافضين لسياسة التجويع ورفع أسعار المواد الغذائية الأساسية والمحروقات والاعتداء على القدرة الشرائية للمواطنين، فإن المحتجين يزدادون قوة وصمودا بجميع الوسائل و منها  فرصة الهروب الى الخارج كما وقع في احداث سبتة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى