الرأي | بين بونو ويامال.. مرافعة كروية بدم مغربي


أسدل الستار على مونديال أمريكا وسط تلك الأجواء البديعة التي تفنن فيها العقل البشري في القرن الحادي والعشرين برسم تلك اللوحات الكروية الفنية، وهي التظاهرة التي شهدت ملاحم بطولية لأسود الأطلس وبرزت فيها أسماء رفعت من ذكر بلادنا وسط انبهار كل المهتمين بالرياضة العالمية.
وبرز قفاز مغربي يصد المستحيل اسمه ياسين بونو، وقدم مغربية وإن انتسبت لإسبانيا تسمى لامين يامال، تراقص المدافعين فعزفت سيمفونية مغربية على وتر الأندلس.
وبين عاصفة يامال كما شهدها النهائي وهدوء بونو.. تجسدت تناقضات تصنع المجد وتكتب التاريخ في إفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية، وعلى عشب أمريكي أخضر يانع، فالجينات لا تعترف بصرامة الجغرافيا؛ فقد كانت فعلا مرافعة كروية من قلب الملعب: بونو يدافع عن الشباك التاريخية، ويامال يهاجم حصون المستقبل، وقد عاش المغاربة مباريات فريقهم ونهائي الكأس وكأنهم هم الفائزون بها، لأن يامال ذو أصول مغربية يعتز بها وتعتز به.
وحينما لامست يده تلكم الكأس أمام ملك إسبانيا ورئيس الولايات المتحدة ورئيس “الفيفا”، ربما لم يعلم الكثير أن لهذا المجسم الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، قصص كادت أن تحرم البشرية منه في مناسبات عديدة، بل إن أحد المسؤولين غامر بحياته وبعقوبة الإعدام من أجل الاحتفاظ به سليما أثناء الحرب العالمية الثانية، وذلك لما شعر نائب رئيس “الفيفا” ورئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم آنذاك، أوتورينو باراسي، بخطر حقيقي، ولحماية الكأس من السقوط في أيدي النازيين، قام بنقلها سرا من قبو أحد البنوك في روما، وخبأها ببراعة داخل علبة أحذية ووضعها تحت سريره طوال فترة الحرب.
وقع ذلك بعد فوز المنتخب الإيطالي بكأس العالم 1938 للمرة الثانية تواليا، واحتفظت إيطاليا بالكأس الذهبية التي تم إيداعها في قبو أحد بنوك العاصمة روما، ومع اشتداد رحى الحرب، أدرك باراسي الخطر المحدق؛ حيث كانت القوات النازية تحت قيادة أدولف هتلر تسعى إلى نهب الكنوز الثقافية والرياضية في جميع أنحاء أوروبا كغنائم حرب لاستخدامها في الدعاية السياسية، فضلا عن الخطر المتزايد من تدمير الكأس بسبب قصف قوات الحلفاء لمدينة روما.
وفي عملية سرية وذكية محفوفة بالمخاطر، قام باراسي بتهريب الكأس من قبو البنك ونقلها إلى شقته وخبأها داخل صندوق أحذية قديم تحت سريره الشخصي.
وبالفعل، وصلت معلومات إلى جهاز الشرطة السرية الألمانية (SS) تفيد بأن باراسي ربما يمتلك الكأس، فقاموا بمداهمة شقته وتفتيشها بحثا عن الكأس الثمينة، لكن من حسن حظه، وحسن حظ تاريخ اللعبة، أن عناصر الـ”SS” قلبوا الشقة رأسا على عقب ولم يفكروا في النظر تحت السرير، ولم يعيروا صندوق الأحذية القديم أي اهتمام، وهي جريمة يعاقب عليها آنذاك بالإعدام.
واستمر في الاحتفاظ بها بأمان في ذلك الصندوق طوال سنوات الحرب حتى استئناف منافسات كأس العالم عام 1950، وبفضل شجاعته وخطته البسيطة والذكية، حافظت كرة القدم على رمزها الأهم الذي استمر في التداول حتى عام 1970، قبل أن تحتفظ به البرازيل للأبد (والتي سرقت لاحقا في الثمانينيات ولم يُعثر عليها قط).
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، ظل مصير الكأس مجهولا حتى اللحظة التاريخية جاءت في يوليوز 1946، خلال أول مؤتمر تعقده “الفيفا” بعد الحرب، والذي أُقيم في مدينة لوكسمبورغ. سافر باراسي لحضور المؤتمر، وفاجأ جميع الحاضرين عندما أخرج الكأس الذهبية سليمة تماما، وقام بتقديمها إلى رئيس “الفيفا” ومؤسس البطولة، الفرنسي جول ريميه، وسط أجواء من الارتياح العارم والاحتفال بين مسؤولي اللعبة، وتخليدا لهتلك اللحظة، واحتفاءً بنجاة الكأس وتقديرا لجهود رئيس “الفيفا”، تم اتخاذ قرار رسمي في ذلك المؤتمر بتسمية الجائزة “كأس جول ريميه”، وهو الاسم الذي حملته الكأس حتى احتفظت بها البرازيل للأبد في عام 1970.
كما يذكر تاريخ الكأس، أنه في 20 مارس 1966، وبالذات في قاعة “وستمنستر” المركزية بلندن، وقبل انطلاق بطولة كأس العالم 1966 في إنجلترا بأشهر قليلة، تم وضع الكأس في معرض عام للجمهور، ورغم الإجراءات الأمنية، تمكن لص من سرقة الكأس، مما تسبب في إحراج دولي كبير للسلطات البريطانية واستنفار أمني واسع النطاق للبحث عنها.
وبعد أسبوع، وتحديدا في 27 مارس 1966، تم العثور على الكأس بالصدفة، والبطل لم يكن من رجال الشرطة، بل كلبا محليا يُدعى Pickles، وجد الكأس ملفوفة في صحيفة ومخبأة أسفل سياج حديقة في ضاحية نوروود جنوب لندن أثناء تنزهه مع صاحبه ديفيد كوربيت.
أما السرقة الثانية، فقد وقعت في البرازيل في 19 دجنبر 1983، بمقر الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، في ريو دي جانيرو.
فوفقا لقواعد “الفيفا” في ذلك الوقت، يحق للمنتخب الذي يفوز بالبطولة ثلاث مرات الاحتفاظ بالكأس الأصلية للأبد.
وقد حققت البرازيل هذا الإنجاز سنة 1970، واحتفظت بكأس “جول ريميه” في مقر اتحادها داخل خزانة زجاجية واجهتها مضادة للرصاص.
ومع ذلك، تمكن مجموعة من اللصوص من التسلل ليلا، وقاموا بتقييد الحارس، وفتحوا الجزء الخلفي الخشبي للخزانة باستخدام آلة حادة، وسرقوا الكأس.
وعلى عكس السرقة الأولى، لم تظهر الكأس الأصلية قط منذ ذلك اليوم، والاعتقاد السائد والمؤكد لدى جهات التحقيق، هو أن اللصوص قاموا بصهر الكأس المكونة من الذهب الخالص وبيعها على شكل سبائك ذهبية في السوق السوداء.
تم لاحقا القبض على أربعة رجال وإدانتهم بالعملية، واضطر الاتحاد البرازيلي لصنع نسخة طبق الأصل لعرضها، أما الكأس الحالية (كأس الفيفا) منذ عام 1974، فتم تقديم تصميم جديد للكأس، التي تُمنح للفائزين إلى يومنا هذا.
لتجنب تكرار كوارث الماضي، وضعت “الفيفا” لوائح صارمة تمنع أي دولة من الاحتفاظ بالكأس الأصلية بشكل دائم مهما بلغ عدد انتصاراتها، وتحظى الكأس الحالية بحراسة أمنية مشددة منذ تلك الأحداث ولم تتعرض لأي سرقة.
إن رجوع هذه الكأس لأحضان إسبانيا بأقدام ذات جذور مغربية، يمثل مرافعة تاريخية بليغة، تثبت أن الرياضة تتجاوز صرامة القوانين لتكتب سردية إنسانية مشتركة؛ حيث يندمج المهاجر ليصبح صانعا للأمجاد، وتصبح الكرة لغة لتوثيق التآخي بين الشعوب المتجاورة.



