تحليل إخباري | كيف أصبح “التصوف” عنوان القوة الناعمة لإمارة المؤمنين
"مداغ".. والكل في مداغ

بعد البشرى، ظهرت البشرى(..)، وليس الأمر لمن سبق، بل لمن صدق(..)، والصدق يقول أن الصرح الثقافي والروحي لزاوية مداغ ما زال في بدايته، أما الجزء الخفي من جبل الجليد فلم يظهر بعد للعيان، حيث يمتد الصرح الثقافي على امتداد هكتارات والصرح العلمي على امتداد هكتارات أخرى، أما القرية التضامنية فستصبح مدينة كاملة(..)، وسيتضاعف عدد المريدين المنتشرين بين مختلف أرجاء العالم بإرادة الله بأضعاف الأضعاف.. رغم الامتحان، لأن للبيت رب يحميه، وللوصية الشرعية رب يحميها، أما الأفكار المزعومة فقد اتضح غياب عمقها الروحي بعد أن غرق أصحابها في “السطحيات” وفي مناقشة الشخصيات والأمور الدنيوية، بينما التصوف شأن بين الله وعباده.. أما “الاصطفاء” فتلك قصة أخرى.. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
إعداد: سعيد الريحاني
“مداغ مداغ مداغ.. عنها قلبي ما زاغ”.. هكذا يردد المنشدون، ولكل زاوية عمقها وإذنها(..)، أما الذين لا يفهمون في الأمور الروحية، فهم غير معنيين(..)، لكن مداغ تتفرد عن غيرها من الزوايا بكونها تشكل أكبر زاوية في المغرب من حيث العمق والانتشار نحو العالم، وهي الزاوية التي يوجد على رأسها الشيخ منير القادري بودشيش، الشيخ الموصى له من لدن الشيخ سيدي الحاج العباس، والشيخ سيدي الحاج حمزة، والشيخ الدكتور مولاي جمال الدين.. وهي تستعد اليوم لإحياء فعاليات “الملتقى العالمي للتصوف بمداغ”.
إن الزاوية البودشيشية باعتبارها عنوانا للتصوف المغربي (هناك زوايا أخرى)، والتصوف المغربي عنوان للقيم التي ترعاها إمارة المؤمنين قولا وفعلا، لم تعد تخلق الحدث فقط بعدد فروعها في المغرب، بل بتحركاتها الكبيرة عبر عدة واجهات أكبرها الملتقى العالمي للتصوف، الذي سينظم قريبا(..)، وهو إبداع خالص على “طريقة” الشيخ منير القادري بودشيش، وقد سبق المريد الشيخ في التوقع(..)، وها هي الزاوية والطريقة تلتحمان في الملتقى.. هذا الأخير تحول إلى فضاء عالمي للحوار الروحي انطلاقا من قرية مداغ في المغرب، وقد تأكدت جدية المبادرة بحصولها على الرعاية السامية لأمير المؤمنين الملك محمد السادس طيلة الدورات السابقة.

ولا يخفى على أحد، أن التصوف شكل على امتداد سنوات، أحد إشعاعات إمارة المؤمنين عبر العالم، بل إن إمارة المؤمنين هي صمام الأمان لدى نظام الحكم في المغرب، وركنه الأساسي، ذلك أن الديمقراطية تجد نفسها مجبرة بكل تحاليلها على الاعتراف بخصوصية هذا النظام وعمقه الروحي، حيث يتبع المريدون قائدهم أينما كان وفي أي بلد كان؛ فالامتداد الروحي لا تحصره الحدود المصنوعة، أما الولاء الانتخابي فهو محدود في الزمن والحدود.. لذلك تفوقت إمارة المؤمنين على سائر الأنظمة، والتصوف أحد أركان هذا النظام..
وإذا أردت أن تعرف أهمية التصوف، يجب أن تسأل خدام إمارة المؤمنين، ولعل واحدا من كبارهم هو الدكتور عبد الله بوصوف، الذي يقول: ((إن التصوف كما يُمارس في المملكة المغربية، ليس مجرد تجربة فردية روحية، بل هو جزء لا يتجزأ من النسق الديني الرسمي، الذي يحظى برعاية سامية من الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، باعتباره الضامن للأمن الروحي ولثوابت الأمة، وهذه الرعاية لم تكن يوما شكلية أو احتفالية، بل خيارا استراتيجيا يستند إلى رؤية متكاملة تستثمر في الزوايا كمنارات علم وتربية وتسامح.. إن التصوف هو أحد أوجه القوة الناعمة للمملكة، عبر ما يعرف بالدبلوماسية الروحية)) (المصدر: محاضرة سابقة للدكتور عبد الله بوصوف).
سواء في الزاوية حيث تعود المشيخة الشرعية للموصى له(..)، أو في الملتقى العالمي للتصوف، يبرز اسم منير القادري بودشيش ليس باعتباره الشيخ الشرعي للزاوية والمدعوم بالعائلة والمريدين الصادقين وغيرهم(..)، بل باعتباره صاحب المبادرة إلى تأسيس مؤسسة الملتقى، وباعتباره شيخا خارجا عن المألوف التقليدي؛ فبالإضافة إلى المشيخة الشرعية، وقع الشيخ منير على مسار أكاديمي حافل يفوق ما يتوفر عليه عدة وزراء في الحكومة.. فهو حاصل على: الإجازة في الدراسات الإسلامية/كلية الآداب بوجدة، عام 1994؛ الإجازة في العلوم الاقتصادية/كلية العلوم بوجدة، عام 1995؛ خريج دار الحديث الحسنية بالرباط، سنة 1996؛ دبلوم في العلوم الاقتصادية وتسيير المقاولات/جامعة غرونوبل، بفرنسا، سنة 1999؛ دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في الأنثروبولوجيا السوسيولوجية/حول المجتمعات المغاربية المعاصرة، سنة 1999؛ ماجستير في الذكاء الاقتصادي؛ دكتوراه في العلوم الإنسانية/دار الحديث الحسنية؛ دكتوراه في علوم الأديان وأنظمة التفكير/جامعة السوربون (EPHE)؛ دكتوراه في الدراسات الصوفية/جامعة السوربون، عن أطروحة علمية تناولت “قوت القلوب” للإمام أبي طالب المكي، بإشراف البروفيسور Pierre Lory؛ دبلوم معهد أوروبا-المغارب، باريس، سنة 2001.

و((بغض النظر عن المسار الأكاديمي للشيخ منير والذي أهله ليصبح: مدير مركز الدراسات الأورو-متوسطية حول الإسلام اليوم (CEMEIA)/باريس، وأستاذ المالية الإسلامية بجامعة دوفين بفرنسا، ورئيس لجنة الرقابة الشرعية – المجلس الأوروبي المستقل للمالية الإسلامية.. فإن ملتقى مداغ رسخ مكانته كواحد من أبرز التظاهرات الفكرية والروحية بالمغرب، بعدما تحول من مناسبة دينية إلى منصة للنقاش العلمي والثقافي حول قضايا الإنسان والمجتمع، في إطار يجمع بين المرجعية الروحية والانفتاح على رهانات العصر، حيث يقام الملتقى تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، مستقطبا علماء وباحثين ومفكرين من مختلف دول العالم.
ويقوم الملتقى على رؤية تعتبر أن التصوف ليس انعزالا عن الواقع، وإنما مدرسة أخلاقية تسهم في بناء الإنسان وترسيخ قيم الاعتدال والتسامح، ومن هذا المنطلق، تركز أشغاله على قضايا المواطنة، والتماسك الاجتماعي، والحوار بين الأديان والثقافات، إلى جانب إبراز الدور التاريخي الذي اضطلع به التصوف المغربي في نشر الوسطية ومواجهة مختلف أشكال التطرف والانغلاق.
ولا تقتصر محاور الملتقى على الجوانب الروحية، بل تمتد إلى مناقشة قضايا التنمية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.. من خلال التأكيد على أن قيم الأمانة والإخلاص والعمل الجاد تشكل أساسا لأي مشروع تنموي ناجح، كما تسلط الندوات واللقاءات العلمية الضوء على أهمية توظيف الرصيد القيمي في دعم المبادرات المجتمعية وتعزيز التنمية المحلية.

ويعد الحضور الدولي الواسع أحد أبرز مميزات الملتقى، حيث يجمع شخصيات أكاديمية ودينية وفكرية من مختلف القارات، بما يجعله فضاء للحوار الحضاري وتبادل التجارب، ويسهم في تقديم صورة عن الإسلام تقوم على الاعتدال والانفتاح والتعايش، بعيدا عن الصور النمطية.
وخلال الدورات السابقة، ناقش الملتقى مواضيع متنوعة، من قبيل التصوف والدبلوماسية الروحية، والمواطنة الشاملة، ودور القيم في تحقيق التنمية، كما خرج بعدد من التوصيات التي همت تعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ ثقافة الحوار، وربط البعد الروحي بمختلف القضايا المجتمعية.
ويؤكد استمرار هذا الملتقى، وما يعرفه من مشاركة وطنية ودولية، المكانة التي أصبحت تحتلها مداغ كفضاء للحوار الفكري والروحي، وكمحطة سنوية تجمع بين أصالة التراث الصوفي المغربي والانفتاح على قضايا التنمية والإنسان، بما يعزز حضور المغرب في مجال الدبلوماسية الروحية وإشاعة قيم السلم والتعايش)) (المصدر: وثائق تنظيمية للملتقى).
يذكر أن الملتقى العالمي للتصوف بمداغ يعد أحد أهم الملتقيات العالمية التي تنظم بالتزامن مع ذكرى المولد النبوي وتنظمه مؤسسة الملتقى بتنسيق مع الطريقة القادرية البودشيشية، تحت إشراف وإدارة شيخها فضيلة الدكتور مولاي منير القادري بودشيش، وبشراكة مع المركز الأورو-متوسطي لدراسة الإسلام المعاصر.. ويعود تاريخ دورته الأولى إلى سنة 2006، وهي الدورة التي نظمت تحت عنوان: “التصوف: أصالة وتجديد”.. وصولا إلى دورة “التصوف ومآل القيم في زمن الذكاء الاصطناعي،” التي نظمت سنة 2024.. وبينهما دورات كثيرة تراوحت بين “التصوف وحقوق الإنسان”، و”التصوف والدبلوماسية الروحية”، و”التصوف والمشترك الديني والثقافي: رافعة لبناء السلم الكوني”، ثم “التصوف والرقمنة: أية آفاق للموازنة بين البعدين الروحي والمادي؟”.. وكلها عناوين تبرز القيمة الفكرية لمن يقفون وراء الملتقى..
منير القادري بودشيش يحكي قصة الملتقى العالمي للتصوف
إمارة المؤمنين هي الضامن للوحدة.. والإنسان قبل الأدوات والقيم قبل الوسائل
لقد استطاع الملتقى العالمي للتصوف، على امتداد أكثر من عشرين سنة، أن يرسخ مكانته باعتباره مشروعا فكريا وتربويا يتجاوز حدود الندوات العلمية الموسمية، ليغدو فضاءً للحوار الرصين حول القضايا الكبرى التي تواجه الإنسان المعاصر، ومنصة لإنتاج المعرفة وتعزيز التواصل بين العلماء والمفكرين والباحثين من مختلف البلدان والثقافات؛ فمنذ انطلاقته، لم يكن الهدف تنظيم لقاء علمي عابر، وإنما تأسيس مشروع مستدام يربط بين أصالة المرجعية الإسلامية وحاجات الإنسان المتجددة، ويبرز ما تختزنه المدرسة الصوفية السنية من قيم قادرة على الإسهام في بناء الإنسان وخدمة المجتمع.
وقد تعزز هذا المسار، خلال السنوات الماضية، بالرعاية السامية التي ما فتئ يوليها مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، للملتقى العالمي للتصوف، وهي عناية ملكية كريمة كان لها بالغ الأثر في ترسيخ مكانة هذا الموعد العلمي، وتعزيز إشعاعه الوطني والدولي باعتباره مبادرة تنسجم مع الرؤية الملكية السديدة في صيانة الثوابت الدينية والوطنية للمملكة، وترسيخ الأمن الروحي، وإشاعة قيم الوسطية والاعتدال والتعايش، بما يجعل الدين عنصرا للبناء والاستقرار وخدمة الصالح العام.
ومن هذا المنطلق، ظل الملتقى يستلهم خصوصية النموذج المغربي الذي يقوم على إمارة المؤمنين، باعتبارها الضامن لوحدة المرجعية الدينية، والحافظة لاختيارات الأمة العقدية والمذهبية والسلوكية، بما وفر للمغرب، عبر تاريخه، أسباب التماسك والاستقرار والإشعاع الحضاري، ولذلك حرص الملتقى على أن يكون امتدادا لهذا النموذج، من خلال الإسهام في التعريف به، وإبراز قدرته على الجمع بين الوفاء للثوابت والانفتاح الواعي على العصر، وبين الحفاظ على الهوية الوطنية والتفاعل الإيجابي مع قضايا العصر ومع مختلف الثقافات والحضارات.
لقد علمتنا التجارب أن الحضارات لا تُقاس فقط بما تحققه من تقدم مادي، وإنما بما تنجح في بنائه من إنسان متوازن، قادر على الجمع بين المعرفة والقيم، وبين الكفاءة والمسؤولية، والعالم اليوم، على الرغم من الثورة العلمية والرقمية التي يشهدها، يواجه في المقابل تحديات عميقة تتعلق بأزمة المعنى، واضطراب المرجعيات، واتساع مظاهر القلق والتفكك الاجتماعي، وهو ما يجعل الحاجة أكثر إلحاحا إلى إعادة الاعتبار لبناء الإنسان، باعتباره المدخل الحقيقي لكل نهضة حضارية.. من هنا ظل الملتقى العالمي للتصوف يجعل من الإنسان محورا لمختلف أعماله، انطلاقا من قناعة راسخة بأن التزكية ليست شأنا فرديا معزولا، وإنما هي أساس لإصلاح الفرد، وتعزيز التماسك المجتمعي، وترسيخ القيم التي تجعل الإنسان أكثر قدرة على خدمة وطنه ومجتمعه.
وليس من قبيل المصادفة أن ينعقد الملتقى العالمي للتصوف، عاما بعد عام، تزامنا مع الاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف، فهذه المناسبة المباركة ظلت تمثل مصدر إلهام متجدد للتأمل في السيرة العطرة، واستحضار ما تحمله الرسالة المحمدية من قيم الرحمة والعدل والإحسان والتعاون، والعمل على إبراز حضورها في واقع الناس، كما يتفاعل الملتقى مع المبادرات الملكية السامية الرامية إلى تعميق الارتباط بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتها الدعوة الملكية إلى تخليد مرور خمسة عشر قرنا على ميلاده الشريف، بما تحمله من أبعاد علمية وروحية وحضارية، تؤكد أن الوفاء لرسالة النبي الكريم لا يقتصر على الاحتفاء بالمناسبة، وإنما يتجسد في استحضار قيمها في الفكر والسلوك، وجعلها مصدر إلهام للإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الإنسان في عالم سريع التحول.
ولذلك، فإن الملتقى ظل حريصا، عبر مختلف دوراته، على أن يقرأ التحولات الكبرى التي يعرفها العالم قراءة تستحضر الإنسان قبل الأدوات، والقيم قبل الوسائل، وأن يفتح نقاشا علميا حول مختلف القضايا التي تهم حاضر المجتمعات ومستقبلها، انطلاقا من إيمان عميق بأن التقدم العلمي والتقني، مهما بلغ من التطور، يحتاج إلى بوصلة أخلاقية توجهه نحو الخير العام، وأن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا إذا اقترنت ببناء الضمير، وترسيخ المسؤولية، وتعزيز ثقافة السلم والتعايش والتعاون بين الناس.
ومن هنا، فإن ما نسعى إليه من خلال هذا المشروع العلمي، هو الإسهام في ترسيخ الحياة الطيبة باعتبارها مشروعا حضاريا متكاملا، لا يختزل في الرفاه المادي، وإنما يقوم على تحقيق التوازن بين العمران والبناء الروحي، وبين التنمية والقيم، وبين الحقوق والواجبات، وبين ازدهار المجتمع وطمأنينة الإنسان؛ فالحياة الطيبة، في جوهرها، هي ثمرة الإنسان الصالح الذي يجمع بين الإيمان والعمل، وبين حب الوطن وخدمة الصالح العام، وبين الانفتاح على العالم والوفاء لثوابته وهويته.
وسيظل الملتقى العالمي للتصوف، بعون الله، وفي ظل الرعاية السامية لمولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، وفيا لهذه الرسالة، ومواصلا أداء دوره في خدمة الثوابت الدينية والوطنية للمملكة، والتعريف بخصوصية النموذج المغربي، والإسهام في بناء الإنسان، وترسيخ قيم الرحمة والوسطية والاعتدال، إيمانا بأن الاستثمار في الإنسان هو أساس كل تنمية، وأن بناء الحياة الطيبة هو الغاية التي تلتقي عندها التربية والعلم والقيم في خدمة الوطن والإنسانية.
تصريح للدكتور مولاي منير القادري بودشيش
رئيس مؤسسة الملتقى العالمي للتصوف




