تقرير | هل البرلمان ضرورة ملحة.. أم أنه مجرد واجهة فقط ؟
ما هي المواصفات المطلوبة في نائب الأمة ؟

يعتبر البرلمان من بين أهم المؤسسات الدستورية في مختلف البلدان الديمقراطية، حيث يشكل السلطة التشريعية التي تمثل الأمة والتكلم باسمها والدفاع عن مصالحها.
وقد خصصت الدساتير المتعاقبة للبرلمان منذ سنة 1962، أبوابا وفصولا تضمنت أحكاما حددت طبيعة تكوينه، ونظمت اختصاصاته وصلاحياته، وحكمت علاقاته مع الحكومة.
ومن خلال دستور 2011، يمارس البرلمان السلطة التشريعية بحكم أنه هو الممثل الأسمى للأمة والمعبر عن إرادتها، وهو المختص بمراقبة عمل الحكومة ومراعاة مدى احترامها للبرنامج الحكومي الذي تقدمت به أمامه، ومدى قيامها بتنفيذ وتفعيل السياسات العمومية الواردة في صيغة القوانين التي من شأنها الاستجابة لتطلعات الشعب وتحسين أوضاعه المادية والمعنوية، ويشمل اختصاصه التصويت على القوانين، فيما يخص الجانب التشريعي مجال القانون، حيث يقتسم رئيس الحكومة وأعضاء البرلمان المبادرة التشريعية، وفي حالة النزاع بينهما يتم اللجوء إلى المحكمة الدستورية، ولرئيس الحكومة ولأعضاء البرلمان – على السواء – حق التقدم باقتراح القوانين، كما أن البرلمان يراقب الإنفاق العمومي عبر اللجان الدائمة، ودراسة تقارير المجلس الأعلى للحسابات، وتشكيل لجان لتقصي الحقائق، وتُخصص جلسات لمناقشة الحصيلة المرحلية للحكومة وتقييم السياسات العامة.
تتمة المقال تحت الإعلان

رئيس المركز المغربي لحفظ ذاكرة البرلمان
التشريع مرآة أي أمة؛ فهو يعكس مصادرها وأدوارها ويقنن أعرافها وتقاليدها، لأنه كائن حي يولد وينمو ويحقق أهدافه ومراميه في الحياة.. ثم قد يذبل ويهرم ويشيخ ويموت، فبقاء التشريعات (ما عدا التشريعات السماوية) زمنا طويلا، أمر يقترب من الاستحالة، ذلك أنه مهما بلغت التشريعات من قوّة، فإن ثمة عوامل وتداعيات عديدة تقتضي التعديل والاستبدال والإلغاء كذلك.
فالرقابة البرلمانية الدقيقة للسلطة التنفيذية، تعتبر مؤشرا على سلامة الحكم، وحجر أساس في الديمقراطية، لأنها من بين أهم ركائز دولة القانون التي تقوم على أساس عدة عناصر، منها ما يتعلق بمبدأ الفصل بين السلطات، والذي يقضي بضرورة توزيع السلطة في الدولة على هيئات مختلفة، بحيث تتولى السلطة التشريعية وضع وسن القوانين والرقابة على العمل الحكومي، فيما تتولى السلطة التنفيذية مهمة تنفيذ القوانين التي تضعها السلطة التشريعية، وتسند للسلطة القضائية وظيفة الفصل في المنازعات المعروضة على أنظار المحاكم، اعتمادا على القوانين التي يتولى البرلمان وضعها.
والبرلمان يعتبر من أهم معالم المجتمع الديمقراطي، لأنه تجسيد لقيم السيادة الشعبية، والحرية والمساواة والمشاركة السياسية، وطريقة لتمكين الشعب من ممارسة السيادة على مقدراته، وإشراك الشعب في صياغة نمط حياته من خلال توجيه السياسة والتأثير في عملية الحكم بأوسع معانيها، لأنه هو المؤسسة الأكثر ارتباطا بالجمهور وانفتاحا عليه، حيث تدور مناقشاته، على تنوعها، في مناخ من الشفافية والعلنية، لأن السمة المميزة له كأحد مؤسسات الحكم الديمقراطي، هي أن مناقشاته تكون معروضة أمام الجمهور، لأنه هيكل نيابي يعبر عن مطالب وآراء المواطنين، وذلك بحكم أن البرلمان هو المؤسسة الحكومية الوحيدة التي تضم عددا كبيرا من الأعضاء أكثر تنوعا من الناحية الجغرافية والسياسية والحزبية، ومن سيماته الرئيسية في تكوينه، أنه يعتمد على آلية الانتخاب.
+++ مواصفات النائب والمستشار البرلماني للنيابة عن الأمة
من مواصفات البرلماني (نائبا كان أو مستشارا)، القوة بالجهر في قول الحقيقة ومعرفة تامة بحقيقة أمته، وأن يكون قويا في الدفاع عنها ولا يتركها لعصابات الفساد؛ فلم يتقدم للنيابة عن الأمة والتكلم باسمها والحديث عن آمالها وآلامها.. إلا من وثق في قوته، وأنه لن يخسرها بالوهن أمام عاديات الأيام.
والقوة هنا تحتمل كل ما يمكن أن يطلق على هذا الاسم؛ فهي القوة في العلم، والقوة في الحجة والبرهان، والقوة في محاربة الفساد، والقوة في عدم التهيب أمام الاستبداد، والقوة في التعبير عن منتظرات الشعب.. إذ يجب على البرلماني أن يزن تصرفاته كلها، فهو نائب عن الأمة المغربية بأكملها، بمعنى أنه خاطئ من يعتقد أن النائب يجب عليه أن يكون مرتبطا بدائرته الانتخابية، فهذه المهمة من اختصاص المنتخب الجماعي والقروي.
وتتراقص أمام البرلماني فرص الوجاهة والثروة، تتعرض لها المكاسب في كل واد، وتتزين فاتنة الدنيا مقبلة عليه عارضة نفسها، وهنا يجب على البرلماني أن يتذكر العهود والمواثيق، ويستحضر الأقوال والشعارات، وأنه مسؤول أمام ربه عن بضاعته التي دونها في أوراق الترشيح مزينا إياها بصورته ونبذة من سيرته، وقد يعجز البرلماني عن تحقيق ما وعد به، لفخاخ لا دراية له بها، وعراقيل لم تخطر على باله، والأمة ذكية تقف إلى جانبه وإن لم يحقق كل ما وعد به، ولكنها لن تغفر له أبدا أن يخونها، ويضعها في مزاد البيع والشراء لمن يعطي أكثر.
ومن الأمانة عدم التواطؤ على قسمة المال العام، والتغاضي عن النهب والاغتصاب، فتلك جريمة كبرى، وتقديم الناس نوابهم إنما هو توكيل منهم على فعل الخير وليس الإفساد، ولقد استأمنوهم على البلاد ولم يقدموهم لأنهم خونة، فإنهم أمناء ونواب ووكلاء عن الأمة، وليسوا ملائكة.
إن كل المطالب المعقولة للشعب المقهور هي الأولى في الواجب عند النائب والمستشار البرلماني، وليست النيابة عن الأمة فرصة للغنى والثراء الفاحش، ووسيلة للارتقاء الاجتماعي.
إن الشعب الذي خرج وهو يقول لبعض وجوه الفساد “ارحل”، وخرج يصرخ ولا يزال: “الشعب يريد إسقاط الفساد”.. لن يستثنيك من مطالبته إذا ظهر له بالحجة القاطعة أنك سلكت سبيل المفسدين.
فمن كان له شرف مهمة النيابة عن الأمة، وجب عليه القيام بشؤون الشعب المقهور في قوته، فالأزمات نارها تكوي من لا يجدون حيلة ولا يهتدون إلى سبيل، وألا ينسى أن الأصل في عمله البرلماني هو أن يبدع الأساليب ويتفنن في الوسائل التي يدفع فيها فقر الفقراء، ومسكنة المساكين.
كما يجب على البرلماني أن يتصف بكل المعاني الإيجابية المرتبطة بالحريات العامة والكرامة ومحاربة الفساد والاستبداد.. إنها أدوار يجب على البرلماني أن يتصف بها ويستحضرها مع حلفائه أو معارضيه، وأن يؤدي دوره كاملا غير منقوص في التعبير والمشاركة والمساهمة والنهي عن الاعوجاج، لا يخاف لومة لائم، والاجتهاد في إحسان العمل ونفع الوطن والعباد، المهم هو أن يشعر الناس جميعا بأن سقف الحرية مرتفع، وأن هذه الحرية ملجمة بلجام المسؤولية، وأن النائب أهل للمهمة المنوطة به.
إننا نعيش في هذه الحياة الدنيا في تسارع عجيب، وتلاحق مذهل للولايات التشريعية واحدة بعد أخرى، وتنقضي الأيام، لكن أولئك الذين تشرفوا بثقة هذا الشعب، وفازوا بالمقعد البرلماني، إضافة إلى ما يحمله من تشريف ومكانة اجتماعية وتعويضات وامتيازات لا حصر لها.. إلا أنها في حقيقتها تكليف أكثر مما هي تشريف.
تكليف لمن أدرك أنه مسؤول أمام الله تعالى، ثم أمام المواطنين الذين تتعلق بهم تلك الواجبات والمسؤوليات والخدمات.
ومسؤول أمام نفسه، هل حقا أبرأ ذمته، ورضي عن مستوى أدائه قبل أن يطمح إلى أن يرضى عنه الآخرون.
تكليف أمام من كان على يقين أن المنصب مهما عظم، فإنه لا يدوم إلا وجه الله سبحانه وتعالى، فكما وصلك اليوم، فثمة من يترقب محطته القادمة ليصله أيضا ((وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)).
جميع القضايا العادلة، الوطنية والدولية، لا تقبل أنصاف الحلول، فإن كان عاجزا عن التمكين لها، فلا يكن بلاء على من انتخبوه للنيابة عنهم.
وللتاريخ: فقد تقلد خلال الولايات التشريعية السابقة مهام النيابة عن الأمة شخصيات مغربية شهد لها التاريخ بالوطنية الخالصة، والدفاع المستميت عن قضايا المواطنين، والزهد عن طلب الدنيا والرغبة في متاعها وملذاتها.



