متابعات | هل يفرض “حزب المقاطعين” نفسه في انتخابات 2026 ؟

مع اقتراب الانتخابات التشريعية، يكثر الحديث عن الفئة أو الشريحة العريضة التي تقاطع الانتخابات، أو الأغلبية الصامتة التي ترفض التصويت والذهاب إلى صناديق الاقتراع، بسبب فقدانها للثقة في الأحزاب السياسية، والعملية الانتخابية عموما، والتي تراها غير مجدية في ظل تداول نفس الوجوه الانتخابية على السلطة التنفيذية وتبادل الأدوار، وتحكم الدولة في المشهد السياسي والانتخابي وإشراف الداخلية على العملية الانتخابية بنفس الطريقة القديمة.
إعداد: خالد الغازي
يظل “حزب المقاطعين” أكبر قوة انتخابية غير منظمة في المشهد السياسي المغربي، رغم محاولات الأحزاب التقليل منها ومن حضورها وتأثيرها على العملية الانتخابية بغيابها، إلا أنها تشكل الأغلبية الصامتة التي تعتبر نفسها خارج صناديق الاقتراع ولا تهتم بالسياسة، لكن يمكن أن تشكل قاعدة شعبية تشارك في بعض الاحتجاجات الاجتماعية، التي تظهر وتختفي، مثل حراك أيت بوكماز و”جيل زد” والتنسيقيات والمسيرات الوطنية، لكنها تفضل التواري عن الأنظار خلال الانتخابات وعدم المشاركة في التصويت.
وحسب تقرير جديد، فإن عدد المقاطعين غير المشاركين في الانتخابات يصل إلى 16.4 مليون شخص من أصل 25 مليونا مؤهلين للتصويت، يمثلون 65 في المائة من الكتلة الانتخابية، ويشكلون الأغلبية الصامتة في المشهد الانتخابي، يتوزعون بين فئتين: الأولى تضم حوالي 7.7 ملايين مواطن مؤهلون للتصويت لم يسجلوا أسماءهم في اللوائح الانتخابية، بينما الثانية تشمل 8.7 ملايين ناخب مسجلون امتنعوا عن الإدلاء بأصواتهم يوم الاقتراع، بينما عرفت انتخابات 2021 مشاركة 8 ملايين فقط يشكلون نسبة 34 في المائة.

في هذا السياق، يرى أستاذ القانون والمحلل السياسي محمد شقير، أن مقاطعة الانتخابات مرتبطة أولا بغياب انضباط الاقتراع منذ بداية الانتخابات في المغرب؛ فقد كانت في البداية بلدية ثم أتت الانتخابات التشريعية، والتصويت في الانتخابات كان بطبيعة الحال حقا ممنوحا، بمعنى أن المغرب يختلف عن باقي الدول التي قامت شعوبها بالمطالبة بالحق في التصويت، وهذه المسألة لم تقع في المغرب، بل كانت هناك كحق ممنوح للمغاربة على غرار الدستور الممنوح، وبالتالي، تشكل هذه المسألة أحد الركائز الأساسية التي جعلت حق التصويت بالنسبة للمغاربة حقا ممنوحا، وبالتالي فمسألة التصويت بقيت دائما مرتبطة بالظرفية السياسية وبالمراهنات ما بين الأحزاب، وهذا يظهر بشكل كبير الفرق بين الاستفتاءات التي يكون التصويت فيها بشكل كبير حيث تصل النسبة إلى 97 في المائة، فالاستفتاء يكون للملك أكثر مما يكون لباقي الأحزاب، وهذه المفارقة لا بد من الإشارة إليها.
ويضيف نفس المتحدث أن مسألة المقاطعة جاءت بعد مجموعة من الإحباطات السياسية، حيث أن عددا كبيرا من الناخبين كانوا ينتظرون تمسك بعض الأحزاب – خصوصا المحسوبة على المعارضة – بكل المطالب التي كانت تتبناها، مثل الاتحاد الاشتراكي، ثم العدالة والتنمية، لا سيما حزب الاتحاد الذي كان حزبا معارضا شرسا في مساره، لكن مع حكومة التناوب أثبت تنصله من مجموعة من المطالب، خاصة مسألة الحفاظ على المؤسسات العمومية بعد نهجه سياسة الخوصصة خلال فترة فتح الله ولعلو، الشيء الذي اعتبرته بعض الفئات تراجعا وعدم الوفاء بالوعود، ثم تكرر الأمر مع حزب العدالة والتنمية الذي قام بتنفيذ مجموعة من القرارات اللاشعبية في عهد عبد الإله بن كيران خلا رئاسته للحكومة، من خلال إصلاح صندوق التقاعد وصندوق المقاصة وتجميد الأجور وتحرير أسعار المحروقات، مما جعل فئات من الناخبين تصاب بالإحباط السياسي وتعتبر أن كل الأحزاب لا تفي بمطالبها.
وأوضح المتحدث ذاته، أن الانتخابات في المغرب لا ترتبط بإجبارية التصويت، إذ ليست هناك قوانين تجبر الناخب على التصويت، وهذا ربما دفع العديد من الشباب إلى عدم الإدلاء بأصواتهم، بدليل أنه قبل الاستحقاقات عادة ما ترى السلطة وبعض الأحزاب يحثون الشباب على ضرورة التسجيل في اللوائح الانتخابية وفيما بعد التصويت، إذن، هذه كلها عوامل تساهم في تراجع عدد المقاطعين أو الممتنعين، زد على ذلك أن العروض التي تقدم من طرف الأحزاب متشابهة، بمعنى أن البرامج المقدمة لا تتميز عن بعضها البعض، فالكل يطالب بنفس المطالب، مما يجعل الناخب في حيرة من أمره، ولا يستطيع أن يميز ما بين هذا الحزب أو ذاك، وبالتالي، لا يذهب إلى التصويت.
وحسب شقير، فإن الشريحة المقاطعة للانتخابات تنزع الشرعية عن العملية الانتخابية، لأن هناك كتلة ربما تتمثل في 25 مليون نسمة لا تصوت منها إلا 5 أو 6 ملايين، وهذا ينزع الشرعية الشعبية عن العملية الانتخابية لكون الحزب الذي يترأس الحكومة يحصل على مليون صوت فقط، مما يجعل شرعيته الانتخابية غير مؤكدة، نظرا للعدد القليل الذي لا يمثل الهيئة الناخبة التي تتمثل في 25 مليونا أو أكثر، وبالتالي، هذا يجعل هذه الانتخابات غير مقنعة للعديد من الفئات في المجتمع، نظرا لأن الواقع الذي تعيشه لا يتغير بتغير الحكومات، خصوصا المطالب المتعلقة بالصحة والتعليم والتشغيل..

من جانبه، يقول إسماعيل حمودي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، أن رقم 16 مليون ناخب مفترض، هو رقم كبير جدا، وينبغي أن يكون مصدر إزعاج للدولة وللأحزاب وللنخب، لأنه يشير إلى أن المغرب لم يعد يعيش أزمة مشاركة انتخابية، بل يعيش انفصالا تدريجيا بين المجتمع الانتخابي والمجتمع السياسي؛ فالمجتمع الانتخابي الفعلي لا يمثل سوى جزء محدود من المجتمع السياسي الأوسع، والأحزاب بدلا من أن تعمل على ردم هذه الفجوة، تكيفت معها، فأصبحت تبني استراتيجياتها على تعبئة الناخبين المضمونين لا على استعادة المقاطعين، ولهذا لا يكفي الحديث عن العزوف الانتخابي، لأن هذا المفهوم يوحي بسلوك فردي بينما نحن نعيش أزمة التمثيل الانتخابي..
وحسب نفس المتحدث، فإن الأحزاب في الوضع الطبيعي تتنافس على أكبر عدد ممكن من الناخبين، أما عندما تصبح أغلبية المواطنين خارج العملية الانتخابية، فهذا يعني أن الأحزاب لم تعد تتنافس على المجتمع الانتخابي وإنما على الناخبين الدائمين، وهذا يؤدي إلى تحول لافت: من المنافسة على توسيع القاعدة الانتخابية إلى المنافسة على إعادة توزيع نفس الكتلة الناخبة، ولعل هذا أحد التحولات الكبرى في الانتخابات المغربية، مشيرا إلى أن ضعف المشاركة يسهم في تعزيز الأحزاب التي تقوم على الأعيان وذوي المال والعائلات الكبرى، وذلك لسبب بسيط هو أنه عندما يضيق حجم الهيئة الناخبة الفعلية، تصبح القدرة على تعبئة الشبكات المحلية (الأعيان، المنتخبون المحليون، الزبونية، النفوذ الاجتماعي والاقتصادي) أكثر تأثيرا وحسما من القدرة على إقناع الرأي العام ببرنامج سياسي معين.
ويرى المتحدث ذاته، أن المقاطعة والعزوف الانتخابي لا يمكن اعتباره دليلا على فشل النموذج الديمقراطي المغربي بمفرده، لكنه مؤشر على محدودية دور الأحزاب السياسية في أداء إحدى وظائفها الأساسية، وهي تعبئة المواطنين وتمثيلهم ودمجهم في العملية السياسية، أما إذا اقترنت هذه المقاطعة المزمنة بضعف التداول على البرامج مثلا، وتراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة، وعجز الانتخابات عن استقطاب فئات جديدة من الناخبين، فإنها تصبح مؤشرا على أزمة في التمثيل الديمقراطي، وليس بالضرورة دليلا على فشل الديمقراطية نفسها.
فمقاطعة الانتخابات أصبحت ظاهرة معتادة عند اقتراب الانتخابات التشريعية والجماعية لدى فئات كبيرة من المجتمع، ومعروفة لدى الدولة والداخلية والحكومة والأحزاب، بحيث لم تقدم هذه الأخيرة أي وصفة حقيقية أو إصلاحات لتشجيع المواطنين على المشاركة في التصويت والتسجيل في اللوائح، لكونها تظل مستفيدة من الوضع القائم، الذي يسمح لها بالقيام بحملات محدودة وتجنيد أتباعها ومناضليها من أجل استقطاب الأصوات العائلية والقريبة، لتحقق مكاسب انتخابية بأصوات قليلة، وتصعد للبرلمان ثم تصل للحكومة، ولعل الإحصائيات والأرقام تؤكد أن النسبة الكبيرة من العزوف توجد في المدن، وهو ما يمكن وصفه بالمقاطعة الواعية.
لهذا ترى فئة كبيرة من المواطنين، خصوصا في المدن، أن الانتخابات مجرد محطة عابرة، لا تحقق المطالب الشعبية المنتظرة، والتي تبقى مجرد حبر على ورق، تقدمها الأحزاب على شكل برامج ووعود ومقترحات، تتبخر مع وصولها للسلطة والبرلمان، بحيث لا تحقق منها سوى نسبة ضئيلة لا تستجيب لتطلعات المغاربة، خاصة في الصحة والشغل والتوظيف، ما يدفع العديد من الناس إلى العزوف عن الانتخابات ومقاطعة التصويت، بسبب رفضهم لبرامج الأحزاب والنخب السياسية التي لا زالت تدور في المشهد السياسي الحزبي في ظل غياب نخب جديدة قادرة على تحقيق انتظارات المغاربة.
فحزب المقاطعين للانتخابات والذي يصل إلى 16 مليون شخص، يمكن اعتباره أكبر حزب في المغرب يشكل الأغلبية الصامتة التي لا تعبر عن رأيها السياسي وتفضل اعتزال السياسة؛ فهي ليست فاقدة للثقة في العملية الانتخابية، بل إنها ترسل رسائل واضحة إلى الأحزاب والدولة بضرورة مراجعة العملية الانتخابية، وتجديد النخب السياسية، وتحقيق الديمقراطية الداخلية، وفسح المجال أمام وجوه سياسية جديدة يمكن أن تنال ثقة الناخبين، عوض استمرار نفس القيادات التي تتبادل الأدوار والمناصب السياسية والحقائب الحكومية فيما بينها.
وقد أبرز تقرير للمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية، أن العزوف الانتخابي يرجع إلى عدة أسباب وعوامل، من بينها خيبة الأمل من أداء الأحزاب والمؤسسات، وضعف الثقة في العملية الانتخابية، وعدم الاقتناع بقدرة التصويت على إحداث تغيير ملموس في الحياة اليومية، وتراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، والشعور بعدم تأثير نتائج الانتخابات في مراكز القرار الفعلية، وضعف القناعة بجدوى المشاركة السياسية، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل الاهتمام بقضايا المعيشة اليومية يتقدم على الانخراط في الشأن العام، فضلا عن غياب برامج انتخابية مقنعة وقابلة للتنفيذ.
ويضيف التقرير، أن اتساع دائرة المقاطعين يضعف مشروعية المؤسسات المنتخبة ويحد من قدرتها على تمثيل الإرادة الشعبية، كما يحول المنافسة السياسية إلى صراع بين قواعد انتخابية محدودة بدل أن تكون عملية إقناع مجتمعي واسعة، محذرا من أن استمرار اتساع “الفئة الصامتة” يؤدي إلى إضعاف الشرعية التمثيلية للمؤسسات المنتخبة، كما يحد من قدرة الانتخابات على أداء وظيفتها في تجديد النخب وربط المواطن بالقرار العمومي، مسجلا أن العزوف يبرز لدى الشباب وسكان الوسط الحضري والفئات الأكثر تعليما، وهي الفئات التي تميل إلى التعبير عن مواقفها عبر الفضاء الرقمي أكثر من المشاركة في القنوات السياسية التقليدية، ما يستدعي اعتماد سياسات تستهدف كل فئة وفق خصوصياتها، بدل الاكتفاء بخطاب موحد.
وحسب التقرير، فإن استعادة ثقة المقاطعين تتطلب إصلاحا يتجاوز الحملات التواصلية التي تسبق الانتخابات، عبر تجديد الحياة الحزبية من الداخل، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وتجديد النخب، وصياغة عرض سياسي واقتصادي أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين، داعيا إلى إطلاق إصلاحات هيكلية تشمل إلزامها بتقديم برامج انتخابية قابلة للقياس والتقييم، إلى جانب توظيف الرقمنة والذكاء الاصطناعي لتعزيز الشفافية والمشاركة المواطنة.



