متابعات | كيف تحولت الساعة القانونية إلى مزايدة سياسية بين الأحرار والعدالة والتنمية..

خلقت قضية العودة إلى الساعة القانونية جدلا واسعا وحربا كلامية بين حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، بعد الترحيب الشعبي بهذا القرار الذي سيخلص المغاربة من سنوات من العذاب، بسبب التوقيت الشتوي والساعة الإضافية التي أقرتها حكومة العثماني بشكل دائم عبر المرسوم المشؤوم لوزير العدل السابق، الاتحادي محمد بنعبد القادر، الذي فرض على المغاربة توقيت “ساعة رونو”.
إعداد: خالد الغازي
تحول قرار العودة للساعة القانونية إلى حسابات ومزايدات سياسية بين حزبي الأحرار والعدالة والتنمية، حيث اعتبر هذا الأخير أن الفضل في هذا القرار يعود إليه، مبرزا أنه كان أول من تبنى رسميا مطلب إلغاء الساعة الإضافية، وذلك في بلاغ صادر عن أمانته العامة بتاريخ 28 مارس 2026، مضيفا أن الأمين العام عبد الإله بن كيران تعهد بأن يكون إلغاؤها أول قرار للحكومة في حال ترأسها حزبه أو شارك فيها، من أجل إنهاء معاناة الأسر المغربية مع التوقيت الإضافي.
من جهتها، نفت قيادات حزب التجمع الوطني للأحرار أن يكون قرار إلغاء الساعة الإضافية والعودة لتوقيت غرينتش، مرتبطا بمحطة الانتخابات المقبلة أو لأهداف سياسية، معتبرة أن القرار جاء استجابة لمطالب المواطنين بعد الشكاوى المتعلقة بتأثير الساعة الإضافية سلبا على جميع المغاربة، ودراسة أثارها الجانبية والعكسية على عدة قطاعات، لكن المعارضة ترى أن توقيت القرار له خلفية سياسية وأبعاد أخرى، خاصة في غياب دراسة حقيقية أو تقييم للسنوات الماضية.

بهذا الخصوص، يقول رشيد لزرق، باحث في العلوم السياسية ورئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات، أن المزايدات السياسية بين حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار حول العودة إلى الساعة القانونية، تعكس تحوّل مطلب اجتماعي واسع إلى ورقة انتخابية؛ فالقضية لم تعد تناقش فقط من زاوية الأثار السلبية للساعة الإضافية على الصحة، والدراسة، والعمل، والتنظيم اليومي للأسر، بل أصبحت موضوعا للصراع حول من يملك حق تمثيل هذا المطلب الشعبي، ومن يستفيد منه سياسيا.
وبخصوص ركوب حزب العدالة والتنمية على قضية الساعة القانونية وتحويلها إلى ورقة انتخابية بالنسبة لحزب التجمع الوطني للأحرار، يرى لزرق أن حزب العدالة والتنمية يحاول توظيف الملف من موقع المعارضة، عبر تقديم نفسه كمدافع عن مطلب اجتماعي واسع، لكنه يصطدم بذاكرة تدبيره الحكومي السابق، لأن اعتماد الساعة الإضافية بشكل دائم تم في مرحلة كان فيها الحزب يقود الحكومة، لذلك تبدو مواقفه الحالية أقرب إلى محاولة استعادة المبادرة السياسية وإعادة بناء الصلة بالشارع المغربي، أكثر من كونها مراجعة نقدية واضحة لمسؤوليته السابقة. في المقابل، يسعى حزب الأحرار إلى تقديم قرار العودة للساعة القانونية كدليل على الإنصات للمجتمع وتصحيح الاختيارات غير المقبولة شعبيا، غير أن توقيت القرار يمنحه حمولة انتخابية واضحة، ويجعله قابلا للقراءة باعتباره محاولة لتحويل استجابة حكومية لمطلب اجتماعي إلى مكسب سياسي وانتخابي، خاصة في سياق يتسم بتصاعد حساسية القضايا الاجتماعية.
وحسب نفس المتحدث، فإن التراشق الكلامي بين الحزبين ليس بريئا بالكامل، بل هو صراع على الشرعية الاجتماعية قبل أن يكون نقاشا حول السياسات العمومية، والأخطر أن هذا النوع من الصراع يعمق فقدان الثقة في الأحزاب، لأن المواطن لا يحتاج فقط لمعرفة من أخطأ، بل يحتاج لمعرفة من يملك تصورا عمليا لتصحيح الاختلالات، لأن جوهر الإشكال ليس في من يستفيد حزبيا، بل في غياب نقاش عمومي مؤسس على التقييم العلمي والاجتماعي الحقيقي لسياسة الزمن العمومي في المغرب.

من جهته، يرى المحلل السياسي محمد بنساسي، أن موضوع الساعة أضحى محل مزايدة بين الأغلبية والمعارضة؛ أولا لأن حزب التجمع الوطني للأحرار حاول أن ينسب لنفسه هذا القرار، وأيضا حزب الاستقلال خرج ببلاغ تحدث فيه عن الموضوع والنقاش داخل الأغلبية حوله، وبالتالي، كان القرار استجابة لانتظارات المغاربة بإلغاء الساعة الإضافية، وأيضا حزب الأصالة والمعاصرة حاول بدوره أن يروج لهذا الأمر من خلال تصريح وزير العدل عبد اللطيف وهبي، باعتباره عضو المكتب السياسي، إذ تحدث عن الساعة التي كانت نتاج نقاش لثلاث سنوات، أسفر عن الرجوع إلى التوقيت العادي.
وبخصوص موقف حزب العدالة والتنمية واستثماره للموضوع، أوضح بنساسي أن “البيجيدي” كحزب سياسي من حقه التشبث بمطلب العودة للساعة القانونية، على اعتبار أن ذلك كان مطلبا مجتمعيا منذ تعيين الحكومة الحالية، وهذا النقاش المرتبط بها مطروح في المجتمع، وعند الرجوع للساعة القانونية احتدم هذا النقاش بعد ظهور عريضة وطنية تقدمت بها فعاليات المجتمع المدني إلى رئيس الحكومة، لكن عند ربط هذا الموضوع بالسياق السياسي الوطني، لا يظهر نوع من الانسجام، لا سيما وأن هذا التوقيت يناقش حتى داخل إسبانيا التي تربطها علاقات اقتصادية واستراتيجية معنا، معتبرا أن الحكومة كانت في مأزق في حالة استمرار الساعة الإضافية، لأن إسبانيا ممكن أن تعود للتوقيت الأصلي، وبالتالي ستكون محرجة وملزمة بالعودة إليه، لذلك قررت الحكومة المغربية أن تحفظ ماء وجهها وقامت بإصدار بلاغ والرجوع للتوقيت العادي، وبررت ذلك بالاستجابة لمطالب المواطنين وتداعيات الساعة المضافة عليهم، والحال أن هذه المبررات غير مقنعة والعودة لتوقيت غرينتش هي قرار فوق حكومي، والدليل أن النقاش المتصل بالتوقيت امتد لمدة أربع سنوات، أي منذ تنصيب الحكومة الحالية.
وحسب بنساسي، فإن الأغلبية الحكومية انتزعت هذه الورقة من حزب العدالة والتنمية، في آخر دقيقة من عمرها، على اعتبار أن حزب بن كيران استثمر هذه النقطة لصالحه في النقاش العمومي، وفي النقاش السياسي، وفي انتقاده للحكومة، لكن القرار هو تحصيل حاصل للحكومة وفيه أيضا بعد سياسي، وهو انتزاع ورقة سياسية من حزب معارض رغم نكسته في الانتخابات السابقة، إلا أنه كان حاضرا في النقاش العمومي، من خلال تصريحات الأمين العام عبد الإله بن كيران، الذي تحدث في أكثر من مناسبة عن هذه الساعة، مبرزا أن “البيجيدي” كان يستثمر هذه النقطة لصالحه ويضعها ضمن برنامجه الانتخابي في حالة وصوله للسلطة، بينما الأغلبية يمكن أن تستغل هذه النقطة سياسيا بكونها استجابت للمواطنين، لأن الموضوع يهم فئات كبيرة من المجتمع، وبالتالي، سحبت البساط من حزب العدالة والتنمية.
لقد تحولت مسألة العودة للساعة القانونية إلى مزايدات وخلافات سياسية بين الحزبين، حيث يرى حزب العدالة والتنمية أن إقرارها بثلاثة أشهر قبل الانتخابات التشريعية، يعتبر بمثابة ورقة انتخابية تصب في مصلحة أحزاب الحكومة، وخاصة حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قد يستفيد من القرار في الاستحقاقات المقبلة، ما سيجعل القرار يؤثر بشكل مباشر على الناخبين والمواطنين، وقد يتم توظيفه من قبل حزب الأحرار خلال حملته الانتخابية من أجل استقطاب واستمالة المواطنين من أجل التصويت عليه، وتحويله لموضوع إلغاء الساعة الإضافية إلى ورقة انتخابية تصب في مصلحة الحزب الذي يسعى إلى تصدر الانتخابات من أجل استمرار أخنوش في رئاسة الحكومة المقبلة.
فالحزبان المتنافسان حول الساعة الإضافية كثيرا ما يقومان باستغلال الكثير من القضايا المجتمعية لصالحهم سياسيا والدفاع عن مواقفهما كل من موقعه، سواء التجمع الوطني للأحرار من موقعه السياسي أو كرئيس لتحالف الأغلبية، أو حزب العدالة والتنمية، من خلال دوره في المعارضة وانتقاداته للعديد من القرارات التي اتخذتها الحكومة، خاصة المرتبطة بانشغالات المواطنين والقضايا الاجتماعية والاقتصادية، خاصة ما يتعلق بحماية القدرة الشرائية وتسقيف الأسعار، وربط الدعم العمومي بمصلحة المستهلك واستقرار الأسعار في الأسواق، ومحاربة الاحتكار والريع والغلاء.
فحزب العدالة والتنمية اعتبر أنه كان وراء العودة لتوقيت غرينتش من خلال موقعه في المعارضة، والعمل على الدفع نحو هذا القرار، وأنه يتابع ويتفاعل ويراجع ويصحح كلما جد جديد، وكلما أصبحت المصلحة في المراجعة والتصحيح أرجح بما ينفع الناس، ولا يأبه لما يرافق ذلك من زوابع وحملات لا تنفع في شيء، مشيرا إلى تصريح أمينه العام عبد الإله بن كيران في أكثر من مناسبة بخصوص إلغاء الساعة الإضافية كأحد أول قراراته عند رئاسته للحكومة أو مشاركته فيها، معترفا بأنه لا ينكر قرار اعتماد الساعة الإضافية خلال فترة رئاسته للحكومة استنادا لاعتبارات قدمت آنذاك، غير أن سنوات التجربة أظهرت إشكالات ومعاناة نفسية واجتماعية مرتبطة بها، يشتكي منها المواطنون كثيرا.. يقول الحزب في بلاغه.

وفي هذا السياق، تقدم النائب البرلماني مصطفى إبراهيمي، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، بسؤال وطلب إلى وزير الداخلية يستفسر فيه عن خلفيات توقيت الإعلان عن قرار الحكومة بالعودة إلى التوقيت القانوني، الذي جاء بشكل مفاجئ وقبل ثلاثة أشهر من الاستحقاقات التشريعية المزمع إجراؤها يوم 23 شتنبر المقبل، مبرزا أن برمجة دخول القرار حيز التنفيذ يوم 20 شتنبر 2026، أي ثلاثة أيام فقط قبل موعد الاقتراع، يثير تساؤلات كبرى حول وجود “سباق انتخابي محموم” من طرف بعض مكونات التحالف الحكومي لتوظيف هذا الإجراء في الحملة الانتخابية واستغلال مطلب شعبي في ذلك، كما طالب نفس البرلماني بتأجيل حذف الساعة إلى غاية 24 شتنبر 2026، يوما واحدا بعد الاقتراع، تفاديا لأي “استغلال سياسوي”.
وأضاف نفس المصدر، أن حذف الساعة الإضافية ظل مطلبا شعبيا منذ أكثر من 3 سنوات وتم التعبير عنه بجميع أشكال الاحتجاج الحضاري والقانوني، وعبرت إحدى الهيئات السياسية عن التزامها بحذف الساعة المذكورة، وكانت بعض القطاعات الحكومية ترد في كل مرة بأنها بصدد إجراء الدراسات التقييمية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن هذه الدراسات لم تر النور أو لا يراد للرأي العام الوطني الاطلاع عليها، مطالبا بعدم السماح بالاستغلال الانتخابي لهذا المطلب الشعبي.
رغم ترحيب المغاربة بقرار الحكومة العودة للساعة القانونية، التي ظلت مطلبا شعبيا كبيرا منذ سنوات، سواء عبر فعاليات المجتمع المغربي، أو من خلال الجمعيات المدنية والحقوقية والعرائض ومبادرات المجتمع المدني عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من أجل إلغاء الساعة الإضافية، وتطرق العديد من وسائل الإعلام للأثار السلبية للتوقيت المعتمد على حياة الناس، إلا أن مبادرة أخنوش في هذا التوقيت، تطرح الكثير من التساؤلات لدى المحللين والمتتبعين بخصوص خبايا وخلفيات القرار، هل هو مرتبط بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، أم يهدف إلى التجاوب مع المواطنين المغاربة وتحريرهم من “ساعة رونو” المشؤومة.



