المنبر الحر

المنبر الحر | الصورة لا تكذب..

بقلم : عثمان محمود

عند الحديث عن صدق الصورة، لا يعني هذا التغاضي الكلي والتام عما بات يفعل بها التصوير الرقمي من تلفيق عند الرغبة في ذلك، وما صار يحدثه فيها الذكاء الاصطناعي من تزوير عند الضرورة، بحيث تبدو للناظر إليها أقرب إلى الحقيقة التي لا ترد ولا تناقش.. وهذا أمر بات من المعلوم والمؤكد يدعو بإلحاح شديد إلى أخذ كل الحيطة والحذر أثناء التعامل مع الصورة أيا كان موضوعها ومجالها، لكن مع هذا كله تبقى عبارة الصورة لا تكذب حاملة دلالتها كاملة واضحة، ويعزى ذلك إلى الثقة التي تحظى بها في أيامنا هاته، ولا أدل على ذلك من السيل من الصور الذي لا يتوقف على مدار اليوم؛ فالتقاطها كثيف، وتوزيعها فائق السرعة، وتلقيها عبر الهواتف المحمولة مسترسل ومتواصل، إذ كل شيء قابل للتصوير في اللحظة والحين، ونشره في الآن والحال لإرضاء الفضول الجامح لدى المتلقي، الذي هو اليوم أكثر ارتباطا وأشد تعلقا بالصورة الحية ابنة الثانية والدقيقة، فلا طعم لتواصله مع الغير بدون صور ثابتة أو متحركة، ولا مصداقية لخبر عاجل في غياب صورة معززة عابرة للأجواء، وغازية للشاشات المتربعة بين الأيدي، أيا كانت الوضعية التي عليها حاملها، وإن كان يحث الخطى غير متصفح لهاتفه، فيكفي سماعه للرنة المعلنة عن توصله برسالة، حتى يسارع إلى السماح لعينيه بمشاهدة ما توصل به، وربما بادر إلى توزيعه على معارفه في العالم الافتراضي. فضلا عن هذا؛ فالصورة قد غدت الملاذ الذي يتم اللجوء إليه عند اقتناء بعض المستلزمات، وشراء بعض المشتريات والأغراض المتنوعة، فهي الدليل المرشد في المحلات التجارية أثناء البحث عن بضاعة بعينها، وعند مشاهدة البائع لها يبادر إلى إحضار المطلوب إن كان موجودا، وهي الحاملة للنموذج المرغوب عند الوقوف بين يدي الصانع، تقليديا كان أم

تتمة المقال تحت الإعلان

عصريا، لمعرفة الشكل واللون الذي يرغب الزبون في صناعته أو اقتنائه، أو ما يتطلع ذاك الصانع إلى عرضه أمام زبنائه لاختيار الأنسب من البضائع والمقتنيات.. حتى على كرسي الحلاقة ترى الجالس من الشباب يهرع، قبل شروع الحلاق في عمله، إلى إشعاره من خلال هاتفه الذكي بنوع القصة وإطلاعه على شكلها، وقس على ذلك مجال الطبخ، إذ أمست الصورة الركن الركين الذي يعتمد عليه في هذا الباب، فتأتي الأكلة على أكمل وجه بعد اتباع كل مراحل الطبخ المصورة الواحدة تلو الأخرى، مع التحكم في عرض تفاصيلها إلى حين الانتهاء من العمل..

تتمة المقال تحت الإعلان

كل هذا وغيره يؤكد بما لا يقبل الجدال ولا النقاش، على الثقة العمياء التي وضعها الناس في الصورة، على الرغم من تعدد المواقف والمجالات التي يعمدون فيها إلى الاستنجاد بالشاشة الصغيرة التي هي طوع البنان في الآن والحين، وإذا كانت للصورة هذه المكانة، وهذا الحضور الرسمي في حياة الناس، فإنه للأسف البالغ، لم تواكب ذلك ثقافة خاصة من شأنها أن تأخذ بيد المرء في الطريق السليم الذي يبقي للصورة تلك المكانة والهالة، فيعرف حدوده أثناء التقاط الصور العابرة في المواقف المتعددة، فيراعي الخصوصيات، ويحذر المزالق التي قد تغرقه في مستنقع التشهير البغيض، وما يعقب ذلك من دعوات قضائية لها ما لها من تبعات. وفي المقابل، يكون مؤهلا التأهيل الناجح لغربلة ما يحمل إليه سيل الصور المتدفق، فيميز حينها بين الغث من السمين، والأصلي من المزور، فيستفيد من الجيد منها ويفيد، بدل الاستسلام إلى ذاك السيل الجارف بدون مقاومة تذكر كما لوكان كل ما يشاهده على شاشته الصغيرة يستحق المتابعة، في إهدار جلي للوقت والجهد بدون طائل يلمس ويحس.

تتمة المقال تحت الإعلان

ثقتنا في الصورة هذه الأيام في أوجها، نظرا لكثرتها وتنوعها، وتعدد الأوقات والأماكن التي تستوجب حضورها في معاشنا، للإيفاء بالعديد من الأغراض، حتى ولو كانت ترفيهية خالصة، ومن هنا لزم التحسيس والتوعية للوقوف على ما لنا وما علينا ونحن نلتقط الصور، وننشرها، ونتصفحها سواء بسواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى