هل مارست المعارضة البرلمانية الحالية أدوارها الدستورية على الوجه الأكمل ؟


والمغرب يسير نحو استحقاقات 23 شتنبر 2026، التي من شأنها إفراز خريطة سياسية جديدة، أو ممكن أن تكون امتدادا للخريطة الحالية، والذي نتمنى أن تكون عرسا ديمقراطيا حقيقيا، أكثر نزاهة وشفافية، لا مندوحة الآن من طرح العديد من الأسئلة الجوهرية التي تؤرق بال المواطن، وهي أسئلة قد يعتقد البعض أنها ستحوم على التدبير الحكومي الحالي، وهل تحققت كل الوعود أو جلها التي وعدت بها هذه الحكومة المواطنين على مدار خمس سنوات؟ فالأمر لن يتعلق بهكذا أسئلة، لأن الجواب عنها أصبح من قبيل التحصيل الحاصل، والحقيقة ظهرت ساطعة، ولم تعد ملامحها تخفى على أحد، والجواب عنها لم يعد يحتاج لخطابات كتابية أو شفهية، لأن الواقع كشف كل شيء، والسوق عرى على كل صغيرة وكبيرة، والأزمة التي طوقت كل المجالات لا تحتاج لمن يتحدث باسمها، بعدما أصبحت تمشي شامخة بين دروبها دون أن تعير أي اهتمام لأحد، بل إن السؤال المراد طرحه في هذا الصدد، هو عكس الآية، أي أن نتحدث عن المعارضة، لأن أغلب الأجوبة العالقة عن الأسئلة الكبيرة التي تراود المواطن بخصوص الولاية الحكومية الحالية، تجدها عند المعارضة، فهي المسؤولة الأولى للإجابة عنها وفضح المستور وتنوير الرأي العام، وهذا طبعا من صميم أدوارها وشرط أساسي من شروط وجودها، وبالتالي، يحق لنا أن نوجه إليها التساؤلات التالية: هل قامت المعارضة الحالية بما يلزم تجاه تغول الحكومة الحالية؟ وهل تصدت بالشكل الكافي لكل الممارسات والقرارات السياسية التي اتخذتها الحكومة، والتي تراها غير اجتماعية مثلا ولا تضيف شيئا للمجتمع والدولة، أو سياسات اقتصادية، أو تشريعات معينة، وكانت لها بالمرصاد؟ هل مارست المعارضة معارضتها بالشكل الحقيقي الذي يكفلها لها الدستور المغربي؟ وهل رصدت ووقفت على الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها الأغلبية؟ وفي النهاية، هل تملك هي بدائل حقيقية واقتراحات جديدة قادرة على تحويل البوصلة الانتخابية شطرها استقبالا ؟
من نافلة القول أولا التأكيد أن المعارضة الحالية ليست معارضة متجانسة ولا متماسكة، وليست على قلب رجل واحد، لأنها تضم أحزابا متنافرة لا تربطها أي تقاطعات إيديولوجية، ولا تقارب بينهم على مستوى الفكر والتصورات، ناهيك عن تأثير المخلفات والرواسب السابقة التي ألقت بكلكلها على العلاقة بينهم، ونخص هنا بالذكر علاقة حزب العدالة والتنمية بحزب الاتحاد الاشتراكي، والتي عرفت شرخا كبيرا، وتوترا عميقا حدا بأمين عام “المصباح” أن يتعهد بألا يضع يده ثانية في يد حزب “الوردة” مهما كانت الظروف والسياقات، في طلاق بائن بينهما لا رجعة فيه، وذلك راجع بالتحديد إلى حادث “البلوكاج” الشهير، وتداعياته، والذي كان سببا مباشرا في إعفاء عبد الإله بن كيران من ترؤس الحكومة لولاية ثانية، رغم إسناد رئاستها بعد ذلك لسعد الدين العثماني، بعد جمود سياسي استمر لستة أشهر، ورغم العلاقة التي تبدو جيدة إلى حد ما بين حزب العدالة والتنمية والأحزاب المعارضة الأخرى، كالحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والتقدم والاشتراكية، إلا أن الملاحظ هو عدم وجود تناغم سياسي حقيقي بينهما (هذه الأحزاب مجتمعة وحزب العدالة التنمية)، مع استثناء بسيط يتعلق بحزب التقدم والاشتراكية، الذي تربطه علاقة جيدة مع العدالة والتنمية، والذي يبدو حقيقة أنه مارس معارضة مقبولة في هذه الولاية وجهر بالحق في كثير من المناسبات، وكشف الكثير من الاختلالات التي سقطت فيها الحكومة في مجالات عديدة بصوت عال، وهذا ما ينطبق حقيقة على حزب العدالة والتنمية وبشكل أقوى، جعلته يبدو في أكثر من مناسبة وكأنه هو الوحيد المكفول والمخول له ممارسة هذه المعارضة، خاصة داخل البرلمان؛ فإذا كان خطاب المعارضة عند حزبي الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري خطابا مهادنا، نظرا لحساباتهما السياسية التي لا يريدان من خلالها حرق أوراقهما مع الأغلبية، وثانيا لأنهما لا يملكان ثقافة المعارضة السياسية، ولم يراكما فيها تجربة ولا خبرة تشفع لهما بممارستها بقواعدها المتعارف عليها، لأن هذين الحزبين تعودا المشاركة في الحكومات المتعاقبة أكثر من التموقع في المعارضة، وبالتالي، لم يستطيعا إنتاج خطاب معارض سياسي على الأقل، دون الدخول في التفاصيل والأرقام، وتفنيد المعطيات، ورصد المغلوط منها، وما إلى ذلك.. لقد كان الاعتقاد السائد لدى السواد الأعظم من المواطنين أن وجود حزب الاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية في المعارضة، من دون شك سيحقق توازنا سياسيا في الحقل السياسي المغربي عامة وفي البرلمان بشكل خاص، وأن الأغلبية الحكومية ستعاني الأمرين مع هذه المعارضة الثلاثية، ومن الصعب أن تمرر وتقرر ما تشاء من سياسيات وقوانين، خاصة وأن هذه الأحزاب الثلاثة تمتلك من المقومات السياسية ما يجعلها قادرة على ذلك، فهذه الأحزاب تمرست في المعارضة ردحا من الزمن وخبرت دهاليزها وكواليسها؛ فلا يمكن أن يتناسى المرء والمتتبع كيف كان حزب الاتحاد الاشتراكي يمارس معارضة قوية وبناءة داخل البرلمان، وكيف كان صوت فتح الله والعلو يصدح في أرجاء البرلمان معارضا السياسات التي تنهجها الأغلبية الحكومية آنذاك، لكن اليوم، للأسف لم يعد هذا الحزب كما كان، فقد هجرته خيرة أطره، وفقد هويته وأتلف مشيته وأصبح باهتا لا لون ولا طعم له، فحتى ملتمس الرقابة الذي صاغته هذه الأحزاب لإسقاط الحكومة الحالية، وجهت أصابيع الاتهام إلى حزب المهدي بنبركة بأنه هو الذي تراجع في آخر لحظة مقابل “صفقة سياسية” لا يعلمها إلا من طبخها على نار هادئة، كما جاء على لسان إحدى قياديي حزب العدالة والتنمية.. وهكذا انقلبت الأمور رأسا على عقب؛ ففي الوقت الذي كان من المفروض أن تتكتل المعارضة وتستحضر مصلحة الشعب ومتطلباته وحاجياته، صارت تتصارع فيما بينها، وأصبح كل حزب يمارس معارضته كما يراها ويفهمها هو.



