تحت الأضواء | محطة 2026.. لماذا “يختار” المغاربة انتخابات بلا مفاجآت ؟

بقلم: حسن حمورو
لا يمكن الجزم بأن كل القوانين الانتخابية تعتبر إصلاحا، أو أن كل حديث عن تخليق الحياة السياسية مؤشر على تقدم ديمقراطي مرجو، لأنه في أحيان كثيرة، تكون غاية القانون مجرد إعادة ترتيب هادئة لقواعد “اللعبة” لتبدو أكثر صرامة في الشكل، لكنها أكثر تحكما في المضمون.
ويمكن إسقاط هذا الاستنتاج على القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، إذ تكشف مضامينه، أو التعديلات التي حملها، والنقاش الذي واكب مروره في البرلمان، عن وجود خطاب رسمي مشبع بمفاهيم النزاهة والشفافية والثقة، وبين مقتضيات قانونية تميل إلى المنع والتضييق، بما يجعل الصورة تتشكل أمام الرأي العام بوجهين؛ أحدهما أخلاقي مُعلن، والآخر سياسي مُضمر.
وأول ما يثير الانتباه قبل مضمون التعديلات التي جاء بها، هو طريقة المصادقة عليه، بإجماع شبه كامل، مع غياب تعديلات جوهرية، وتسريع واضح في المسطرة، على عكس ما يجري في الأنظمة الديمقراطية الحية، التي تفجّر فيها القوانين الانتخابية الخلافات، وتظهر التباينات في الرؤى والتصورات، لأنها تحدد من يصل إلى السلطة وكيف، أما عندما تمر بسلاسة، فذلك غالبا يعكس القناعة بأن جوهر هذه القوانين لا يهدد موازين القوة القائمة، بل يعيد تثبيتها.
وبخصوص مضمون التعديلات الجديدة في قانون مجلس النواب، فإن تقديمها جرى باعتبارها تحمل أداة لتخليق الحياة السياسية، لكن هذا التخليق يُختزل في توسيع حالات المنع، وتشديد العقوبات، وتضييق شروط الترشح، وهنا يتحول مفهوم التخليق من قيمة أخلاقية إلى أداة قانونية للفرز والإقصاء، وبدل معالجة جذور الفساد السياسي والانتخابي، تم التركيز على نتائجه، عبر مقاربة زجرية صرفة.
بالإضافة إلى ذلك، جاءت مقتضيات أخرى توسع حالات عدم الأهلية، بناء على أحكام غير نهائية أو حالات تلبس ملتبسة، وهذا يضع قرينة البراءة على المحك، ويفتح الباب أمام تأويلات واسعة قد تتحول، في لحظات التوتر السياسي، إلى أدوات إقصاء انتقائي.
أما المستجدات المتعلقة بالرقمنة، التي قُدِّمت كعنوان للتحديث، فهي لا تتجاوز كونها تحسينا تقنيا وتبسيطا محدودا في المساطر، لا أحد يمكن أن يعارضها، لكن لا ينبغي الخلط بين تحديث الوسائل وتحديث الممارسة، فالانتخابات لا تصبح نزيهة لمجرد أنها تُدار عبر منصة رقمية، بل حين تكون قواعد التنافس عادلة، والفاعلون أحرارا في إرادتهم، والمؤسسات مستقلة فعلا.
وفي ما يتعلق بتمثيلية الشباب والنساء، يبدو قانون مجلس النواب وكأنه يتراجع خطوة إلى الوراء، من خلال مقتضيات تتعلق بخفض السن إلى 35 وتعقيد شروط الترشيح، رغم الإغراء بالدعم المالي، وكان من الممكن والمفيد إقرار دائرة وطنية أو دوائر جهوية لفائدة الشباب، حتى لا نكون أمام إعادة إنتاج نفس الإشكال؛ أحزاب مغلقة تتحكم في الترشيحات، دون ديمقراطية داخلية حقيقية، والنتيجة ليست فسح المجال أمام الشباب، بل إعادة تدوير للنخب نفسها بواجهات مختلفة.
لكن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في النص، بل في الفلسفة التي يؤسس لها، كما عبر عنها بوضوح خطاب ومداخلات وزير الداخلية خلال مناقشة ودراسة القانون بمجلسي البرلمان، بما يُفهم منه كون الدولة تحمي المؤسسات، وتؤطر العملية الانتخابية، وتضع القواعد، بينما يُطلب من الأحزاب أن تحمي نفسها، وهذه معادلة غير متكافئة، لأن أحد أطرافها يملك سلطة الضبط، وآخر يُحمَّل مسؤولية النتائج.
بهذه المعاني، لا يبدو القانون الجديد لمجلس النواب، الذي لم يحظ بما يكفي من النقاش السياسي والأكاديمي، توسيعا للفضاء السياسي، بل إعادة تنظيمه تحت سقف أكثر انخفاضا.
فبدل تحرير السياسة عموما والانتخابات بشكل خاص، من أعطابهما، يتم تطويقهما بإجراءات قانونية مشددة، وبدل بناء الثقة عبر فتح المجال للتنافس الحقيقي، يتم البحث عنها عبر تقليص هامش المنافسة الديمقراطية.
أما في موضوع الثقة، ورغم أن الخطاب الرسمي المنسوب مباشرة لوزير الداخلية، أو المنقول على لسان بعض المسؤولين الحزبيين، كان مضمونه أن هذا القانون يروم إلى جانب باقي المستجدات القانونية، تعزيز الثقة في المؤسسات، لكن الثقة لا تُفرض بالقانون، ولا تُبنى بالمنع، وإنما تُنتجها الممارسة السياسية الحرة، والتنافس النزيه، والمؤسسات التي تشتغل باستقلالية، أما حينما تُدار العملية الانتخابية بمنطق الحذر المفرط، فإنها تنتج العكس، أي عزوفا أكبر، وشكا أعمق.
لذلك، يمكن القول أننا أمام قانون يُحاول أن يجعل من السياسة مجالا مضبوطا أكثر مما ينبغي، في حين أن الديمقراطية، بطبيعتها، فضاء مفتوح للتنافس والتباري، وبين الرغبة في تأمين نتائج الانتخابات دون مفاجآت مربكة أو مزعجة، والحاجة إلى تحريرها.. يبدو أن الكفة مالت نحو الأولى، ولا بأس من طرح السؤال بصيغة أخرى: هل نريد في المغرب انتخابات بلا مفاجآت، أم ديمقراطية حقيقية قد تحمل ما لا تتوقعه السلطة أو لا تريده ؟



