ربورتاج | المغاربة والمونديال.. عشق كروي أم هوس اجتماعي واستغلال تجاري ؟

يتابع الملايين من المغاربة بشكل يومي مباريات مونديال أمريكا 2026، بحثا عن الفرجة الكروية، والابتعاد عن ضغوطات ومشاكل الحياة الاجتماعية وهروبا من الواقع؛ فالكثير من الرجال والنساء اليوم داخل البيوت والمنازل وحتى في المقاهي، أصبحوا متابعين لمباريات كأس العالم، سواء المتعلقة بالمنتخب الوطني أو بالمنتخبات العربية والإفريقية الأخرى، بحيث أصبحت الأسر تجتمع في مقاهي الشوارع الرئيسية في المدن لقضاء أمسية كروية مع المنتخبات العربية أو الإفريقية.
إعداد: خالد الغازي
المثير للاستغراب أن هذه الظاهرة لم تكن من قبل خلال كؤوس العالم السابقة، خصوصا في التسعينيات، حيث لم يكن اهتمام المغاربة كبيرا بالمونديال لأن الجميع كان يعلم أن سقف مشاركة المنتخبات الوطنية هو الوصول للدور الثاني، لكن اليوم أصبح الرهان أكبر على المنتخب الوطني ورفاق حكيمي من أجل الوصول إلى دور الربع وتكرار سيناريو مونديال قطر 2022، ولم لا الوصول إلى المباراة النهائية، رغم أنها مهمة صعب المنال في ظل حضور منتخبات قوية معتادة على خوض النهائيات مثل الأرجنتين وفرنسا وإسبانيا..
لكن اليوم ظاهرة المونديال وعلاقته بالمغاربة تستحق دراسة اجتماعية حول تأثير لعبة كرة القدم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمهنية، بحيث أن الآلاف من الناس قرروا تغيير نمط حياتهم اليومية، ومواقيت عملهم ونشاطهم المهني، لكي يتمكنوا من مشاهدة ومتابعة مباريات المونديال في أوقات متأخرة من الليل من أجل مشاهدة المباريات القوية ومتابعة المنتخبات العربية التي تبحث عن إنجاز تاريخي لها.
في هذا الإطار، يقول علي الشعباني، أستاذ علم الاجتماع، أننا نعيش فترة تتزامن مع احتفالات مباريات كأس العالم، والمنتخب الوطني من بين الدول المشاركة في هذا المونديال، لكن ما يلاحظه الناس إعلاميا واجتماعيا وثقافيا ونفسيا، أن هناك هوسا بكرة القدم والجميع يهتم بهذا الحدث حتى المؤسسات التجارية الكبرى تساهم بدورها في هذا الهوس، وتستغل هذه التظاهرة الرياضية عبر تنظيم عروض لتخفيض بيع شاشات التلفاز واشتراكات القنوات الرياضية لمشاهدة المباريات، إلى جانب شركات الطيران وبعض وكالات الأسفار التي تنظم رحلات للسفر لمتابعة المونديال، مضيفا أن هناك اهتماما كبيرا ومبالغا فيه بكأس العالم والحرص على مشاهدة هذه المباريات حتى في أوقات متأخرة ولو على حساب النوم والراحة، ونجد أنها أصبحت ثقافة مترسخة عند العديد من الناس للاستمتاع بالمباريات ومشاهدة فنيات وتقنيات اللعبة، والحرص على تشجيع منتخباتهم المشاركة في كأس العالم.
واعتبر نفس المتحدث، أن تشجيع المنتخبات أصبح دليل على الوطنية وإظهار حب الانتماء للبلد، ويتعدى مسألة التشجيع لترسيخ الارتباط بالوطن عبر تشجيع المنتخب الذي يمثل جميع أطياف المجتمع، بحيث يظهر هذا الاهتمام الكبير خاصة عندما تخرج هذه التشجيعات عن إطارها الحقيقي إلى بعض التعصبات والتصرفات والأعمال التي تخرج أحيانا عن التشجيع وغيرها من هذه الأمور، وهذا مرتبط بنوع من الشحن الذي يشحن به المواطنون عن طريق وسائل الإعلام والتركيز على هذه المسألة، بحيث نخرج اللعبة عن إطارها بأنها لعبة وفرجة إلى أنها مسألة حياة أو موت لبلد أو لمنتخب معين، مما يخرج كرة القدم عن إطارها.
وبالنسبة للاهتمام الكبير بكرة القدم من طرف النساء والأطفال، قال الشعباني أن كرة القدم لم تعد لعبة ذكورية وأصبحت تلقى اهتماما كبيرا من طرف جميع شرائح المجتمع، خاصة وأن العديد من الأندية والفرق والمنتخبات أصبحت تهتم بالفئات الصغرى والأطفال في المدارس الكروية، بالإضافة إلى اهتمام المنتخبات الوطنية والأندية بالكرة النسوية، وهذا التعدد هو الذي جعل هناك تنوعا في المشجعين، ولم تعد مدرجات الملاعب خاصة بالرجال وأصبحت مختلطة ما بين الذكور والإناث وتجمع الأطفال والنساء والرجال من مختلف الأعمار.

المونديال يقلب حياة الناس
أثر توقيت المونديال على حياة المغاربة بسبب فارق التوقيت، حيث تجرى المباريات في أوقات متأخرة من الليل، وفي الصباح الباكر، الشيء الذي يجعل الكثيرين يسهرون من أجل مشاهدة المباريات، مما يؤثر عليهم في الصباح، وهناك من يفضل النوم والاستيقاظ مبكرا من أجل مشاهدة المباريات في الخامسة صباحا أو مشاهدة بعض أطوار الشوط الثاني والدقائق الأخيرة من المقابلة، وهناك فئة من الناس الذين يشتغلون في قطاعات حرة مثل التجارة أو أنشطة مستقلة، يفضلون السهر مع المقابلات حتى الصباح من أجل متابعة نجوم كرة القدم أو مشاركات المنتخبات العربية والإفريقية، وذلك بهدف متابعة جميع المباريات وعدم ضياع أي مقابلة في المونديال قصد الاستئناس به، ومناقشة النتائج مع أصدقائهم ومتابعة ما يقوله المحللون في القنوات الرياضية.
حسب أطباء متخصصين، فإن السهر في المونديال والفارق الزمني سيكون له تأثير كبير على الحالة الصحية للعديد من الناس الذين يشاهدون المقابلات في ساعات الفجر، محذرين من حدوث اضطرابات هرمونية بسبب قلة النوم وانعكاس ذلك على الصحة البدنية والعقلية، خاصة وأن الحالة الجسدية تعتمد على ضرورة النوم لـ 8 ساعات يوميا.
رواج اقتصادي وتجاري
تخلق أيام المونديال رواجا اقتصاديا لدى أرباب المقاهي والمطاعم والنوادي والمحلات التجارية، الذين يستغلون المونديال لاستقطاب الزبائن في النهار والليل، خاصة بائعي القمصان الرياضية للمنتخب الوطني وللمنتخبات الكبيرة المرشحة في كأس العالم، حيث يكثر الإقبال على الأقمصة من مختلف الألوان والماركات الرياضية قبل أنصار المنتخب، سواء الشباب أو الأطفال أو النساء، أو من قبل الأجانب الذين يشجعون أسود الأطلس.
فقد شكل حدث المونديال مناسبة كبيرة بالنسبة للعديد من الأسر والعائلات للخروج إلى الفضاءات العمومية والمقاهي العائلية لمشاهدة المباريات وسط المدن والشوارع الرئيسية، وهناك أسر تفضل قضاء يومها بين المطاعم والمقاهي من أجل التجول وحجز أماكنها بشكل مبكر في المقاهي من أجل متابعة مباريات الفريق الوطني في المساء، حيث تصرف ما بين 200 إلى 300 درهم من أجل الاستمتاع بالكرة ومباريات المونديال.
زيادة في أسعار المقاهي
حسب العديد من المواطنين، فإن بعض المقاهي خصصت تذاكر خلال مباريات المنتخب الوطني من أجل متابعة مبارياته ووضعت إعلانات من أجل حث الزبناء، سواء القدامى أو الجدد، على اقتناء التذكرة مسبقا، والتي تصل إلى 25 درهما من أجل متابعة مباريات الفريق الوطني، وهناك مقاهي أخرى قررت فرض مشروبين على كل زبون من أجل تحقيق الربح، ومتابعة جميع مباريات المونديال المسائية والليلية، وذلك لعدم انتظار مجيئ الزبائن، يظل مسير المقهى من الراغبين في متابعة المباريات بعد صلاة العشاء وبيع التذكرة للحصول على المقاعد قبل توقيت المباراة.
وقد اختلف الناس والزبناء بين مؤيد ومعارض لهذه الطريقة في المقاهي والتي يراها البعض جشعا ورغبة في تحقيق الربح المادي على حساب جيوب الناس والقدرة الشرائية، حيث أن رفع أثمنة المشروبات في فترة المونديال من 10 دراهم إلى 20 أو 25 درهما، يعتبر استغلالا لحاجة الزبون مقابل تحقيق الربح، دون مراعاة القدرة الشرائية للناس والتي لا تستحمل تسديد 20 درهما يوميا من أجل مشاهدة مباريات كأس العالم ليلا في هذه المقاهي، بل هناك من خصص أثمنة مرتفعة حسب موقع المقهى والمنطقة والشارع.
شغف المنتخب لدى الجميع
يرى العديد من المحللين الاجتماعيين، وبعض النشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي، أن المونديال يعتبر مناسبة اجتماعية بالنسبة للمغاربة للتنفيس عن كربتهم وأزمتهم الاقتصادية، ورغم صعوبات المعيشة والغلاء الذي يحيط بالأسر بشكل يومي في الأسواق، إلا أن متابعة المنتخب الوطني في المونديال تعتبر ضرورة لدى الجميع، سواء الفقير أو الميسور، وذلك لعيش لحظات من الفرحة المفقودة في الحياة اليومية.
فالعديد من المغاربة وجمهور المنتخب الوطني الذي أصبح يضم الأطفال والنساء إلى جانب الذكور، وأصبح عشق كرة القدم وحب المنتخب الوطني وانتصاراته يؤثر على أحاسيس الناس وشعورهم، حيث أن هذه التأثير الوجداني أصبح سائدا لدى فئة كبيرة من المشجعين الذين يرون في انتصارات الفرق الوطنية متنفسا ونافذة للفرحة والعيش لحظات من السعادة والسرور، خاصة في ظل الظروف والمشاكل الاجتماعية التي يحاول الكثير منهم الهروب منها من خلال متابعة مباريات المنتخب ونجومه.
فكرة القدم، بحسب المفكرين والمثقفين، هي وسيلة لتخدير الشعوب خاصة في دول العالم الثالث، التي ترى في كرة القدم النجاح الكبير والحلم العظيم الذي يجب الوصول إليه، خاصة على مستوى كأس العالم والوصول إلى اللقب، ما يجعل بعض الحكومات والدول تستغل هذا الهوس والعشق والاهتمام، وتصرف أموالا كثيرة على كرة القدم من أجل الترفيه أو سياسة الإلهاء.
مصاريف الجمهور بأمريكا
الكثير من الجماهير المغربية سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمشاهدة مباريات المنتخب الوطني، ومقابلات المنتخبات الأخرى المشاركة في نهائيات كأس العام، لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون: كم هي تكلفة ومصاريف الجماهير المغربية التي سافرت إلى أمريكا؟ ومن أين تأتي الجماهير بهذه الأموال لتغطية مصاريف المونديال ؟
فقد نشر أحد المؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي، فيديو يكشف من خلاله مصاريف بعض المشجعين المغاربة الذين حضروا مباريات المنتخب الوطني، حيث تتراوح مصاريفهم ما بين 3 آلاف دولار إلى 12 ألف دولار وأكثر، وهناك من صرف 3 ملايين سنتيم فقط في ظرف يومين أو ثلاثة، بسبب ارتفاع فاتورة المبيت في الفنادق التي تتراوح ما بين 200 دولار إلى 500 دولار لليوم، إلى جانب غلاء المطاعم ما بين 300 إلى 1000 دولار في نيويورك، ما يدفع الكثيرين للجوء إلى أصحاب الأكلات الخفيفة العرب.
احتكار البث التلفزي والإشهارات
يعرف حدث المونديال احتكارا من قبل القنوات، سواء الرياضية أو غيرها، لحقوق البث، الشيء الذي يجعل الجمهور المغربي ملزما بمتابعة المباريات في المقاهي أو عبر القناة الرياضية الأرضية، الأمر الذي خلف استياء كبيرا لدى العديد من الناس بسبب استمرار سياسة الاحتكار التي تفرضها قناة عربية وشروطها على الجمهور المغربي، كما يتساءل العديد من المغاربة عن طريقة البث التي تعتمدها القنوات الوطنية والتي تحرم الآلاف من المغاربة الذين لا يتوفرون على القنوات الأرضية من مشاهدة المقابلات.
فالمونديال يعتبر سوقا تجارية كبرى للشركات والإعلانات التسويقية، بحيث تستغل الكثير من الشركات الوطنية المحلية والدولية هذا الحدث الكروي لتسويق منتجاتها وعروضها، مما يدر أرباحا كثيرة على القنوات التلفزية، التي تستغل الحدث من أجل تخصيص حيز كبير من الدقائق للإشهارات لمصلحة الشركات الكبرى على حساب المشاهدين.



