المنبر الحر

المنبر الحر | ماذا تبقى من التيارات الفكرية والسياسية والثقافية في المجتمعات العربية ؟

بنعيسى Benisa
بقلم: بنعيسى يوسفي

  هل يمكن لنا أن نكون متشائمين ونطرح السؤال “ماذا تبقى؟” في العديد من المجالات في المجتمعات العربية والإسلامية؛ فإذا أردنا تعميم هذا السؤال بهذه الكيفية، فسنستهدف ميادين كثيرة ومتنوعة، فكرية وسياسية وثقافية وغير ذلك، نحن نطرح هذا السؤال من منطلق أن هناك تراجعا كبيرا وخطيرا وحالة ركود وبوار تعيشها هذه المجالات اليوم، أو بعض العناصر المكونة لها على الأقل، مما يدفعنا للتساؤل المشروع عن أسباب هذا التراجع والسير بخطى حثيثة نحو الضمور والاضمحلال، بعدما كانت في بداياتها تشكل زخما كبيرا وتعرف تطورا منقطع النظير.. حتى أمست جزء لا يتجزأ من الواقع الفكري أو السياسي أو الثقافي في هذه المجتمعات، فماذا حصل الآن حتى صارت الأمور تسير نحو النهايات والأفول أو نحو الترهل في أحسن الأحوال، حتى لا نفقد الأمل في استرداد هذه المجالات بريقها المفقود والعودة إلى الساحة أكثر قوة ؟

إذا أردنا أن نضرب مثلا في المجال السياسي حول هذا الموضوع، يمكن أن نطرح السؤال التالي: ماذا تبقى من اليسار اليوم في المغرب على وجه التحديد؟ ماذا تبقى من هذه المدرسة التي يتقاطع فيها السياسي بالفكري والأدبي والإبداعي عامة؟ ألم يكن الكاتب والشاعر والفيلسوف أسير اليسار في سبعينات القرن الماضي، لأن اليسار كان يشكل فكرا بديلا قياسا بما كان يبديه يمين الدولة من شراسة حيال كل فكر مختلف يسعى إلى التغيير ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

لو أردنا القيام بجرد لأهم المثقفين والمبدعين في كل مجالات الإبداع والإنتاج الفكري الذين احتضنتهم هذه المدرسة، لما أسعفنا هذا المقال؛ فقد كان مقياس المثقف هو الانتماء لليسار، الذي لم يكن في البداية سوى فكرة طموحة انقدحت في عقول نخبة من الناس فتبنوا مبادئها وقيمها دفاعا عن الطبقات المقهورة والمظلومة، في إطار فكر متقدم ينتصر للفكر الحداثي، التنويري، ودوره أن يكون شاهدا على مجتمعه، وعلى واقعه، وأن تكون يده باطشة، لا تتنازل عن النقد والفضح، سواء كان المسؤول عن الفضيحة يساريا أو يمينيا فالأمر سيان، فأين نحن اليوم من هذا الفكر؟ ألا يحق لنا طرح السؤال ماذا تبقى من اليسار؟ وما الأسباب التي جعلته اليوم وكأنه يعيش أرذل العمر؟ ما موقعه ووزنه في الخريطة السياسية العربية اليوم؟ وإذا آثرنا أن نسوق مثلا آخر يسير في اتجاه نفس السؤال “ماذا تبقى؟” وهذه المرة من الناحية الفكرية، نتساءل: ماذا تبقى من الفكر الليبرالي في المجتمعات العربية؟ وهل يجوز أن نتحدث عن ليبرالية عربية حقيقية بعدما رحل جيل الرواد، ولم يستطع من يطلقون على أنفسهم اليوم “الليبراليون الجدد”، التأسيس لمشروع فكري ليبرالي متجدد يكون استمرارا لما قام به رواد النهضة في هذا المجال، أمثال رفاعة الطهطاوي، محمد عبده، والأفغاني، وبعد الاستقلال مع طه حسين وزكي نجيب محمود، وعبد الله العروي؟

تتمة المقال تحت الإعلان

لقد قام العديد من الليبراليين العرب بداية من التسعينات، بالتسويق لليبرالية بوصفها الإيديولوجية المهيمنة على المجتمعات العربية، وأنها الأنموذج الوحيد والأوحد فيها، ومن أبرز هؤلاء المدافعين عن هذا الطرح، نجد أحمد البغدادي، شاكر النابلسي، وكمال غبريال.. إلا أن المفارقة الواضحة لحدود اللحظة، أن هؤلاء بعد أزيد من ثلاثة عقود على انهيار الاتحاد السوفياتي، وبدء بروز نجمهم في الفضاء الثقافي والإعلامي، لم ينتجوا أي بحث معرفي يفصحون فيه عن فكرهم، بل اقتصرت إنتاجاتهم على تسطير مقالات صحفية خفيفة من حيث الشكل والمضمون، و”تفتقد لأبسط ملامح الجدية والعمق في التحليل، بل إن قراءتها تدفعنا إلى التساؤل هل هؤلاء الكتاب يملكون الإحاطة المعرفية بموضوعهم، وبالفلسفة التي يتبنونها ويعملون على تسويقها وإذاعتها في الناس؟”، كما قال الدكتور المغربي الطيب بوعزة، في إحدى مقالاته، وما دامت الأمور على هذه الشاكلة، هل يجوز لنا الآن أن نتحدث عن تيار ليبرالي حقيقي في المجتمعات العربية يدافع عنها ويعمل جاهدا على ترسيخ ثقافتها وقيمها في هذه المجتمعات؟ ما أظن أن الأمر بهذه الطريقة له وجود وحضور اليوم في هذه المجتمعات؟ يبقى في الأخير أن نطرح سؤالا آخر في نفس السياق، ماذا تبقى من الحركة الإسلامية في المجتمعات العربية والإسلامية؟ لا أحد يمكن أن يجادل فيما أحدثه ظهور الحركات الإسلامية في المجتمعات العربية والإسلامية من تحول خطير فيها، فمنذ أن ظهرت حركة “الإخوان المسلمون” في مصر بزعامة الشيخ حسن البنا سنة 1928، عقب أربعة أعوام من سقوط الخلافة العثمانية، وامتدت إلى مختلف الدول العربية والإسلامية، تأسست جمعيات دينية تستلهم روحها من المبادئ والمقومات التي تأسست عليها هذه الحركة، وانتشرت انتشارا مريبا في كل أصقاع العالم العربي والإسلامي، وأصبح لها أتباع وشيوخ ومريدون، وأمست قوة اجتماعية تنافسية، وبدأت تكشف عن نواياها الحقيقة بالانتقال من العمل على المستوى الدعوي والإصلاحي، إلى العمل على المستوى السياسي، وهنا نقطة تحول كبيرة ستعرفها هذه الحركة، وبشكل خاص في مصر وتونس والمغرب، خاصة بعد أحداث “الربيع العربي”، ورغم أن صناديق الاقتراع أعطت للأحزاب الإسلامية مراتب جد متقدمة، وأوصلتها إلى السلطة، إلا أنه باستثناء التجربة المغربية في هذا السياق، فإن باقي التجارب لم تنجح بالشكل الكافي، ووقع ما وقع من ارتداد على الديمقراطية وما تلاها من أحداث أليمة، وحتى في المغرب الذي استطاع تأمين انتقال سلطة سلس إلى الحزب الإسلامي، سرعان ما رمته الاستحقاقات اللاحقة إلى مراتب متأخرة، لنخرج اليوم باستنتاج بخصوص الصورة التي هي عليها اليوم هذه الأحزاب الإسلامية؟ ماذا تبقى من شعبيتها ومن زخمها؟ هل ارتكبت أخطاء فادحة بالمشاركة في تدبير الشأن العام، أم أنها أدت ضريبة مرجعيتها الدينية واستثمارها المفرط في الشأن السياسي؟ والأهم اليوم أنه يحق لنا طرح سؤال: ماذا تبقى من هذه الحركات؟ وماذا تبقى من فكرها وأدبياتها في المجتمعات العربية والإسلامية التي يبدو أنها ممتطية سفينة أخرى أبعد ما تكون عن سفينة هذه الحركات أو هاته الأحزاب ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

لقد آثرت أن أقتصر على ثلاثة نماذج حية من الواقع السياسي والفكري والثقافي في المجتمعات العربية والإسلامية، لأني أرى فيها تجسيدا واضحا لما تعرفه بعض التيارات وبعض الأحزاب أو بعض التوجهات الدينية أو الفكرية أو السياسية من حالة انحسار وانحباس خطيرة تجعلنا نطرح سؤال ماذا تبقى منها؟ أما لو أردنا تسليط الضوء عليها كلها، فأعتقد جازما أنها كلها تستحق أن نطرح حولها سؤال ماذا تبقى، فمثلا ماذا تبقى من الماركسية في هذه المجتمعات؟ ماذا تبقى من الحركة الأمازيغية مثلا في المغرب؟ ماذا تبقى من العلمانية؟ وقس على ذلك.. ليبقى السؤال العريض في النهاية هو: هل تستطيع كل تلك النماذج التي سلطنا عليها الضوء، أن تعيد ترتيب أوراقها والعودة بقوة إلى المشهد العام، أم ستجدنا في المستقبل عوض طرح سؤال ماذا تبقى، ننعيها إلى مثواها الأخير ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى