ربورتاج | تشغيل الأطفال.. ظاهرة تسائل المجتمع والدولة وتكشف هشاشة الأسر

ظاهرة تشغيل الأطفال من الظواهر الاجتماعية السلبية في المجتمع، فرغم تحذيرات المنظمات الحقوقية والمدنية، إلا أن هناك استغلالا كبيرا للأطفال في العديد من المجالات، مثل الورشات المغلقة أو في المنازل والدور السكنية و”كراجات” تصليح السيارات، حيث يتم تشغيلهم في ظروف مزرية وبدون حماية قانونية أو مراقبة من قبل الجهات المختصة، ما يجعل الكثير منهم يعملون بضغط من الأسرة أو بسبب الفقر والهشاشة وبغرض مساعدة الأم الأرملة أو المطلقة، ما يجعل حياة هؤلاء الأطفال تحت رحمة المشغلين ومعرضين للمخاطر بسبب العمل في أماكن تفتقد للأمان ومعايير السلامة الصحية والجسدية.
إعداد: خالد الغازي
يرى العديد من الخبراء والمحللين، أن ظاهرة تشغيل الأطفال متفشية في المجتمع بالرغم من تراجعها على مستوى الإحصائيات، لكن هناك ثغرات قانونية وإشكالات تسمح باستغلال هذه الفئة من الصغار داخل مجال الشغل، أو في ظواهر اجتماعية أخرى مثل التسول عبر الاتجار بالأطفال والاستغلال الجنسي، أو للعمل القسري في مهن أو حرف أخرى، مما يحرم هؤلاء الأطفال من حق التمدرس واللعب، وتعريضهم للضرب والترهيب داخل أماكن العمل أو من قبل شبكات التسول وغيرها، والتي تستغل غياب المراقبة من قبل مفتشي الشغل لمواصلة استغلال القاصرين والصغار بدون رادع قانوني.
وكشفت معطيات جديدة صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، استمرار ظاهرة تشغيل الأطفال بالمغرب، حيث بلغ عدد الأطفال الذين يزاولون نشاطا اقتصاديا خلال سنة 2025، نحو 103 آلاف طفل تتراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة، إذ أن 58.4 % من الأطفال العاملين يشتغلون في ظروف محفوفة بالخطر، وهو ما يعادل حوالي 59 ألف طفل، إذ تصل نسبة الصغار المشغلين حوالي 1.3 % من مجموع الأطفال الذين ينتمون لهذه الفئة العمرية، 2.4 % في الوسط القروي و0.5 % في الوسط الحضري، وهو ما يعكس استمرار الفوارق المجالية وتأثير الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية على الأسر.

وتنتشر ظاهرة الأطفال المشتغلين بين الذكور أكثر من الإناث، وغالبا ما ترتبط بالانقطاع عن الدراسة، وفي هذا الإطار، يقول محمد حبيب، أخصائي نفسي واجتماعي، ورئيس الجمعية الوطنية للمساعدة الاجتماعية بقطاع العدل، أن تشغيل الأطفال ليس مجرد ظاهرة اقتصادية مرتبطة بالفقر فقط، بل هو إشكال اجتماعي متعدد الأبعاد يمس حقوق الطفل الأساسية في التعليم والحماية والنمو السليم، واستمرار هذه الظاهرة يعكس وجود اختلالات اجتماعية واقتصادية وثقافية تجعل بعض الأطفال عرضة للاستغلال في سن يفترض أن تكون مخصصة للتعلم والتنشئة والتطور النفسي والاجتماعي، فأبرز مظاهر الاستغلال تتمثل في تشغيل الأطفال داخل الورشات الحرفية والميكانيكية، والأعمال الفلاحية الشاقة، والعمل المنزلي بالنسبة للفتيات القاصرات، بالإضافة إلى التسول المنظم والاستغلال الاقتصادي بمختلف أشكاله، كما تبقى بعض الممارسات الأكثر خطورة، مرتبطة بالاتجار بالأطفال أو استغلالهم في أنشطة غير قانونية أو في ظروف تعرض سلامتهم الجسدية والنفسية للخطر.
ويضيف نفس المتحدث، أن مقاربة الظاهرة تقتضي الابتعاد عن التفسيرات التبسيطية؛ فالقانون المغربي يتضمن مقتضيات مهمة لحماية الطفل، كما أن المملكة صادقت على عدد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الطفل ومكافحة أسوأ أشكال تشغيل الأطفال، لذلك فالأمر لا يتعلق بغياب النصوص القانونية بقدر ما يتعلق أحيانا بصعوبة المراقبة الميدانية أو محدودية تطبيق القانون في بعض القطاعات غير المهيكلة، وفي المقابل، لا يمكن تحميل الأسرة المسؤولية وحدها، لأن عددا من الأسر نفسها توجد في وضعية هشاشة اقتصادية واجتماعية تدفعها إلى البحث عن مصادر إضافية للدخل، ومع ذلك، يبقى دور الأسرة أساسيا في حماية الطفل وضمان استمراره في الدراسة وعدم الزج به في سوق الشغل مبكرا، وبالتالي، فالظاهرة هي نتيجة تفاعل عوامل متعددة تشمل الفقر والهدر المدرسي والهشاشة الاجتماعية وضعف الوعي المجتمعي أحيانا..
ويرى المتحدث ذاته، أن التصدي لتشغيل الأطفال يتطلب اعتماد مقاربة شمولية ومندمجة. أولا؛ يجب تعزيز السياسات الاجتماعية الداعمة للأسر الهشة، حتى لا يصبح الطفل وسيلة لتعويض الخصاص الاقتصادي. ثانيا؛ ينبغي محاربة الهدر المدرسي من خلال توفير ظروف تعليم جاذبة، تشمل الدعم التربوي والنقل المدرسي والإطعام والإيواء بالنسبة للمناطق النائية، وتشديد المراقبة على أماكن العمل التي تستغل الأطفال، وتفعيل العقوبات القانونية، وهذان يشكلان عنصرين أساسيين في الحد من الظاهرة، وإلى جانب ذلك، يجب الاستثمار في حملات التوعية الموجهة للأسر والمجتمع حول الأثار النفسية والاجتماعية السلبية للعمل المبكر على الأطفال، معتبرا أن أفضل وسيلة لمحاربة تشغيل الأطفال هي ضمان بقاء الطفل داخل المدرسة وتمكين أسرته من شروط العيش الكريم، لأن الطفل الذي يتمتع بالحماية الاجتماعية والتعليم الجيد، يكون أقل عرضة للاستغلال وأكثر قدرة على بناء مستقبله والمساهمة في تنمية مجتمعه.

من جانبه، يقول محمد النحيلي، خبير في قضايا الطفولة ورئيس منظمة “بدائل للطفولة والشباب”، أن التراجع الملحوظ في أعداد الأطفال العاملين مقارنة بالعقود السابقة، لا ينبغي أن يحجب حقيقة أساسية، مفادها أن آلاف الأطفال لا زالوا يعيشون أوضاعا تتنافى مع حقوقهم الأساسية، ويجدون أنفسهم مضطرين لولوج سوق الشغل في سن مبكرة على حساب تعليمهم وصحتهم ونمائهم النفسي والاجتماعي، إذ أن النظر إلى تشغيل الأطفال من زاوية الأرقام والإحصائيات وحدها، لا يكفي، لأنه في جوهره انتهاك لحقوق الإنسان واعتداء على حق الطفل في التعليم والحماية والصحة والعيش الكريم؛ فخلف كل رقم طفل حُرم من جزء من طفولته، وفقد فرصة من فرص النمو والتعلم وتحقيق الذات، وهو ما يجعل من هذه الظاهرة تحديا حقوقيا وتنمويا يستوجب تعبئة جماعية ومسؤولية مشتركة.
وبخصوص ارتباط ظاهرة تشغيل الأطفال القاصرين بالأوضاع المادية، يؤكد ذات المتحدث، أن الظاهرة لا يمكن فصلها عن السياقات الاقتصادية والاجتماعية التي تغذيها؛ فالفقر والهشاشة والبطالة وضعف الدخل الأسري والهدر المدرسي والتفاوتات المجالية.. تظل من بين الأسباب الرئيسية التي تدفع بالأطفال نحو العمل المبكر، فعندما تصبح مساهمة الطفل في إعالة أسرته ضرورة معيشية، فإن الأمر لا يتعلق بخيار فردي، بل باختلالات بنيوية تستوجب معالجة شاملة تتجاوز الحلول الظرفية، إذ أن التحولات المجتمعية والتكنولوجية أفرزت أشكالا جديدة من الاستغلال لم تكن مطروحة بنفس الحدة في السابق، مثل العمل في الفلاحة والورشات والقطاع غير المهيكل والخدمة المنزلية، كما برزت ممارسات جديدة مرتبطة بالفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يتم أحيانا استغلال الأطفال في صناعة المحتوى أو توظيف صورهم وحياتهم الخاصة لتحقيق عائدات مالية أو شهرة افتراضية، في غياب ضوابط قانونية وأخلاقية كافية تكفل حماية مصالحهم الفضلى.
ويؤكد المتحدث نفسه أن مكافحة ظاهرة تشغيل الأطفال لا يمكن أن تتحقق فقط عبر التشريعات أو التدخلات الزجرية، بل تقتضي اعتماد مقاربة وقائية وحقوقية شمولية تجعل من الطفل محورا للسياسات العمومية؛ فالتعليم الجيد والمنصف، والحماية الاجتماعية الفعالة، والدعم الاقتصادي للأسر الهشة، وتوفير خدمات القرب للأطفال.. كلها شروط أساسية للحد من هذه الظاهرة والقضاء عليها بشكل مستدام، قائلا أن المجتمع المدني مطالب بمواصلة أدواره في التوعية والترافع والرصد والمواكبة، إلى جانب تعزيز ثقافة حقوق الطفل داخل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والفضاءات الرقمية، لأن حماية الأطفال ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية يتقاسمها الجميع.
رغم أن التقارير الرسمية وتصريحات المسؤولين تتحدث عن تراجع شبه طفيف في استغلال الأطفال في سوق الشغل أو الاتجار فيهم، إلا أن هناك مشاكل اجتماعية كثيرة تكون غالبا وراء الدفع بالأطفال إلى سوق الشغل في ظل عدم وعي الأسرة بمستقبل أبنائها في التعليم والحصول على شواهد وديبلومات تمكنهم من تحقيق مستقبلهم واستقرارهم الاجتماعي، إذ تشير التقارير إلى أن ظاهرة تشغيل الأطفال تهم 73 ألف أسرة، تتمركز 50 ألف أسرة في الوسط القروي و23 ألف أسرة في الوسط الحضري، حيث تبلغ نسبة الأسر التي تضم على الأقل طفلا مشتغلا 0.3 %، وترتفع بحسب حجم الأسر لتصل إلى 2.7 % لدى الأسر المكونة من ستة أفراد.
في نفس السياق، تؤكد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان استمرار ظاهرة تشغيل الأطفال دون 18 سنة بالنسبة للعاملات والعمال المنزليين، لأن القانون 12.19 المتعلق بتحديد شروط الشغل والتشغيل، تشوبه عدة ثغرات، أهمها تشغيل الأطفال دون سن 18 سنة، مع العلم أن منظمة العمل الدولية تعتبر أن العمل المنزلي عمل خطير، مسجلة قصورا في آلية التفتيش التي لا يمكن أن تخضع لها المنازل، رغم التزام الدولة بأن القانون سيكون لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات، لكن بعد انقضاء تلك الفترة، لم تتخذ أي إجراءات أو تدابير لحماية الأطفال والطفلات من الاستغلال الاقتصادي.
وتطالب نفس الجمعية بسن سياسات عمومية وفق استراتيجية واضحة تكفل الإعمال الصريح والفعلي لحقوق الأطفال، وتعمل على القضاء على ظاهرة تشغيلهم وضمان حقهم في التحرير من الاستغلال، ومعالجة الاختلالات العميقة المنتجة والمولدة للظاهرة، وذلك بالتصدي للهشاشة والفقر والعطالة والأمية، ومحو التفاوتات المجالية والاجتماعية الشاسعة، عبر سياسات اقتصادية تروم تحقيق العيش الكريم وإحقاق العدالة الاجتماعية.
وفي تقرير لها بهذا الخصوص، أفادت المندوبية السامية للتخطيط، أن عددا كبيرا من هؤلاء الأطفال يشتغلون في ظروف تفتقر لشروط السلامة والحماية المهنية، ما يجعلهم عرضة لمخاطر قد تؤثر على صحتهم الجسدية والنفسية في مرحلة عمرية يفترض أن تكون مخصصة للتعليم والتكوين، وتتركز هذه الحالات بشكل رئيسي في العالم القروي، ويشكل الذكور أكثر من 92 % من مجموع الأطفال العاملين في هذه الظروف، ورغم أن نسبة الأطفال العاملين (1.3 %) تبدو محدودة، إلا أن طبيعة الأعمال التي يزاولها جزء كبير من هؤلاء الأطفال تجعل الظاهرة أكثر خطورة، خصوصا مع تعرضهم لمخاطر مهنية وصحية قد تؤثر على مستقبلهم الجسدي والنفسي والتعليمي، مشيرة إلى أن 86.2 % من الأطفال المشتغلين هم من الذكور، 76.2 % يعيشون في الوسط القروي، و11 % منهم يشتغلون بالموازاة مع دراستهم، و88 % منهم غادروا الدراسة ويشتغلون في قطاعات الصناعة في ظروف خطيرة بنسبة 78 %، والخدمات بنسبة 76.3 %، والبناء والأشغال بنسبة 71.3 %، و69 % في قطاع الفلاحة والصيد.



