متابعات | حرب التزكيات داخل الأحزاب السياسية
بين نفوذ الأعيان ورجال الأعمال وتهميش المناضلين

تعيش العديد من الأحزاب السياسية خلال الفترة الحالية سباق التزكيات بين القياديين والأعيان، وعلى مستوى العديد من الجهات، في حرب داخلية من أجل التحكم في الخريطة الانتخابية واللوائح المخصصة للشباب والنساء، إذ تسعى العديد من الأحزاب الكبيرة والمتوسطة إلى كسب المقاعد خلال الانتخابات المقبلة، سواء التشريعية أو الجماعية، الأمر الذي يدفع العديد منها إلى استقطاب أسماء وازنة أو تزكية أسماء قيادية بهدف الوصول إلى نتائج مرضية.
إعداد: خالد الغازي
قد يكون الصراع حول التزكيات بين القواعد والمناضلين مع القياديين والأعيان أو الوافدين الجدد، ظاهرة طبيعية تعكس رغبة كل طرف في تمثيل الحزب والحفاظ على المنصب والمكانة داخل الحزب، لكنه في نفس الوقت قد يتحول إلى مؤشر يبرز اختلالات عميقة تكشف ضعف الانسجام الحزبي عندما يتجاوز الأمر التنافس المشروع ويتحول إلى حسابات ودسائس ومحاولات للإقصاء والتحكم في اللوائح الانتخابية، إذ هناك من يراهن على خلق تحالفات والضغط من أجل الحصول على التزكية، بينما يختار البعض التركيز على حصيلة من سبق له الفوز بالمقعد وحظوظه في النجاح، وهذا ما يجعل كل طرف يعتبر نفسه الأحق في حمل ألوان الحزب وخوض المعركة الانتخابية، لكن الأمر يتحول من تنافس مشروع داخل الحزب إلى ممارسات غير مقبولة قد تصل إلى درجة التراشق الكلامي وتبادل الاتهامات وتصفية حسابات داخل نفس التنظيم الحزبي، من أجل التزكية.

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي وأستاذ القانون العام، محمد العمراني بوخبزة، أن هناك تسابقا بين الأحزاب لاستقطاب الأعيان، لأن الانتخابات رهانها الأساسي هو المرتبة الأولى، وهو ما يستدعي الأحزاب إلى تزكية من لهم القدرة والإمكانيات المادية للفوز بالمقاعد، لذلك، فمسألة “الميركاتو” تتجاوز الاعتبارات المتعددة، من بينها أن تكون مناضلا داخل الأحزاب، مما يفرغ العمل الحزبي من مضمونه، كذلك فإن مسألة التزكيات داخل الأحزاب – للأسف الشديد – غير قائمة على أساس ديمقراطي نابع من قواعد واضحة، يتم الاحتكام إليها بمناسبة التزكيات، لهذا تبقى العملية مرتبطة بالماسكين بالقرار داخل هذه الأحزاب وخارج القواعد المضبوطة التي تحكم العملية، بحيث كان من المفروض أن تكون هناك ضوابط وقواعد محددة يتم التوافق حولها بشكل قبلي لضبط عملية منح التزكيات، لهذا فالتزكية اليوم لم تعد قائمة على الضوابط، مما يفسح المجال أمام القيل والقال حول “بيع” التزكيات و”السمسرة” فيها، وهذا الأمر يسيء للعمل الانتخابي بشكل كبير.
ويضيف العمراني بوخبزة، أن التنافس حول التزكيات الحزبية هو نوع من الريع السياسي حينما يتعلق الأمر باللوائح الجهوية، إذ لا زلنا نعتمد على معايير غير موضوعية في ما يخص منح التزكيات لقيادات بعض اللوائح الجهوية، لأن هناك حظوظا وافرة لمن يتزعم هذه اللوائح، ومن هذا المنطلق هناك نوع من الاستمرار في الريع الانتخابي الذي يتكرس عبر منح الوكلاء اللوائح الجهوية، في غياب معايير موضوعية يتم احترامها ووضعها بشكل مسبق، فما نلاحظه هو أن هناك مؤشرات غير مطمئنة حول تخليق الحياة السياسية وحول الثقة في العمل الحزبي والعملية الانتخابية، وبخصوص لجوء بعض المنتخبين للأحزاب الصغيرة والمتوسطة للترشح في الانتخابات، معتبرا أن التعددية الحزبية بوجود 33 حزبا، مبالغ فيها، لأن عدد الأحزاب التي تلج البرلمان هو فقط 8 أحزاب، بينما نتحدث عن 25 حزبا لا تتوفر على نفس القاعدة والقدرة، متسائلا: ما هي الأدوار التي تقوم بها؟ وهي أحزاب مغمورة حتى زعماؤها لا يعلم الكثيرون عنهم شيئا، وربما تقوم بأدوار ثانوية خلال العملية الانتخابية، وخصوصا في منح التزكية لخوض الانتخابات، وهذا الأمر قد يتراجع مع اعتماد اللوائح المستقلة وتحقيق الشروط المتعلقة بها.
وتطرق نفس المتحدث لظاهرة تجمع بين الحصول على التزكيات والترحال السياسي لدى العديد من المنتخبين الذين يبحثون عن المقاعد، إذ أن هناك تنافسا غير مشروع عبر استقطاب بعض الأعيان، والترحال الذي يحدث في هذه المرحلة في الكثير من الأحيان بين أحزاب بينها تباعد إيديولوجي كبير، حيث قد نجد شخصا ينتقل من حزب يميني إلى حزب يساري، كما نلاحظ حزبا يستقطب شخصية يسارية أو حزب يساري يستقطب شخصية يمينية، وهو ما يمس بالأساس الحزبي، إذ من المفروض أن تكون العملية قائمة على الاستقطاب الإيديولوجي، وهو نبل سياسي يجب الاحتكام إليه، وبالتالي، فالعملية التي تقوم بها الأحزاب السياسية تمس بالأخلاق والحياة السياسية التي كثيرا ما تتكلم عنها هذه الأحزاب، وهذا الأمر يمس جوهر العمل الحزبي ومفهوم النضال، وهو ما يؤثر بشكل كبير على منظور الشباب في العمل الحزبي، بحيث نسمع هناك رغبة سياسية لدى الأحزاب لمشاركة الشباب في العملية الانتخابية، ولكن عندما تكون هذه الممارسات جارية، فهي تمس في الحقيقة بهذه الشعارات التي تتحدث عن استقطاب الشباب.
إن الصراع الذي تعيشه جل الأحزاب السياسية اليوم حول التزكيات، بعيد كل البعد عن الديمقراطية الداخلية، التي تشدد على ضرورة الأخذ برأي القواعد والمناضلين، إلا أن هذه العملية غير معمول بها لدى غالبية الأحزاب التي تعيش غليانا داخليا بسبب التنافس بين القيادات والأعيان والكفاءات حول التزكيات، إلى جانب الصراع الحاصل حول اللوائح الجهوية المخصصة للنساء ولوائح الشباب، الشيء الذي يجعل هذه المرحلة بمثابة حرب حقيقية حول الترشيحات في اللوائح الانتخابية، وفي الآونة الأخيرة، انطلقت الحملات الانتخابية والخلافات حول التزكيات وبداية الترحال السياسي وعمليات الاستقطاب لرجال الأعمال والأعيان وذوي النفوذ والمقربين، ولمن يستطيع الحصول على المقعد البرلماني، ولم يعد هناك اهتمام بالكفاءة السياسية أو الالتزام الأخلاقي تجاه المواطنين، إذ شرع بعض أمناء الأحزاب في حرق القوانين الداخلية فيما يخص منح التزكيات كما هو متعارف عليه، حيث تمنح لمناضلي الحزب في كل إقليم أو عمالة، لكن في ظل الريع السياسي يتدخل الأمين العام لاختيار المرشح المحظوظ والمقرب، أو صاحب المال الذي يضمن تحقيق المنصب البرلماني.
من ناحية أخرى، ومع قرب الانتخابات دائما ما تظهر كائنات لا تتذكر السياسة والعمل الحزبي والنضال إلا قبل هذه الاستحقاقات من أجل البحث عن موقع قدم أو فرصة للوصول إلى منصب مستشار أو مقعد داخل المجلس الجماعي، فيتسابقون نحو الأحزاب التي تبحث عمن يملأ لوائحها أو يعطيها حضورا داخل العملية الانتخابية، فتعطي التزكيات لمن لا يستحق بدون منطق أو معايير للكفاءة والتواصل والحضور، فقط بمنطق المصلحة والقدرة على جمع أصوات الناس والزيادة في نسبة المشاركة الانتخابية، بهدف زيادة الدعم العمومي المخصص للأحزاب؛ فالواقع الانتخابي يكشف أزمة داخل بعض الأحزاب السياسية والأعطاب المرتبطة بالموسم الانتخابي، بالإضافة إلى طبيعة الممارسة السياسية وعلاقتها بالديمقراطية التمثيلية، فعندما تصبح التزكية موضوع صراع تنظيمي ومالي، يضيع النقاش حول البرامج والكفاءات والأهداف الحقيقية للانتخابات، وتتحول التزكية إلى قنطرة لمن له القدرة على حشد الناس والإنفاق أكثر.. فهل ما تزال التزكية الحزبية تعبيرا عن مشروع سياسي واختيار ديمقراطي داخلي، أم تحولت في بعض الحالات إلى مجرد ورقة عبور انتخابية تحكمها الحسابات والمال وموازين النفوذ ؟

بدوره، يقول كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة، أن أخطر ما تكشفه موجة الاستقالات والتنقلات الحزبية الموسمية قبيل الانتخابات، ليس مجرد ممارسة لحرية الاختيار السياسي، وإنما تحول بعض التزكيات إلى غاية في حد ذاتها، وتحول بعض الانتماءات الحزبية إلى مجرد معابر ظرفية نحو المقعد الانتخابي؛ فالحزب في الدولة الدستورية ليس وكالة انتخابية لتوزيع الترشيحات، بل مؤسسة للتأطير السياسي وحاملة لمشروع مجتمعي وقيمي، يفترض أن يربط بين المنتخب والناخب بعلاقة قائمة على الثقة والاقتناع والوفاء للاختيارات المعلنة.
ويؤكد المتحدث ذاته، أن السباق المحموم نحو التزكيات يبعث برسائل سلبية إلى الرأي العام، مفادها أن الحدود بين المشاريع والمرجعيات الحزبية أصبحت قابلة للتجاوز كلما اقترب موعد الانتخابات، وهو ما يساهم في تعميق أزمة الثقة في العمل السياسي، ويغذي الشعور بأن الصراع لم يعد يدور حول البرامج والأفكار والحلول، بل حول المواقع والمقاعد، وحين يفقد المواطن القدرة على التمييز بين الاختيارات السياسية المتنافسة، تتراجع قيمة السياسة نفسها وتتسع دائرة العزوف والنفور من المشاركة العامة، معتبرا أن المهمة البرلمانية، من المنظور الدستوري، ليست ملكية شخصية ولا امتيازا انتخابيا، بل هي تمثيل للأمة وممارسة لجزء من سيادتها، لذلك ظلت الديمقراطيات الراسخة تنظر إلى النيابة البرلمانية باعتبارها وظيفة نبيلة وأمانة دستورية وأخلاقية قبل أن تكون موقعا سياسيا؛ فالرهان الحقيقي ليس من سيحصل على التزكية أو المقعد، بل من يمتلك القدرة على تجسيد روح الدستور وخدمة الصالح العام وترسيخ الثقة في المؤسسات، لأن الأمم تبنى برجال ونساء دولة يؤمنون بالرسالة قبل الموقع، وبالوطن قبل الحسابات الانتخابية الضيقة.
وأضاف نفس المتحدث، أنه في خضم هذا التهافت على التزكيات، يبرز سؤال مؤرق: أين موقع الشباب من كل هذا المشهد؟ فالمفارقة أن الخطاب السياسي يرفع باستمرار شعارات تجديد النخب وتمكين الشباب، بينما تكشف الممارسة في كثير من الأحيان عن إعادة إنتاج الوجوه نفسها، أو استقطاب مرشحين جاهزين من أحزاب أخرى، على حساب كفاءات شابة راكمت سنوات من العمل الحزبي والتأطير الميداني، فأخطر ما يمكن أن تواجهه الديمقراطية ليس فقط عزوف الشباب عن السياسة، بل اقتناعهم بأن أبواب التمثيل لا تفتح بالكفاءة والالتزام والجدارة، وإنما بميزان القوة الانتخابية والحسابات الظرفية، وعندما يفقد الشباب الثقة في عدالة الارتقاء السياسي، فإن الأحزاب لا تخسر جيلا من المناضلين فقط، بل تخسر جزءً من مستقبلها ومن قدرتها على الاستمرار والتجدد، مما يهدد حتى الديمقراطية ومؤسساتها.
يظل الصراع حول التزكيات مستمرا بين القواعد الحزبية والقيادات داخل الأحزاب مع اقتراب الانتخابات المقبلة، حيث عرفت العديد من الأحزاب السياسية، مثل الحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة والاستقلال والتقدم والاشتراكية والأحرار.. خلافات وصراعات حول التزكيات على مستوى اللوائح الجهوية والدوائر البرلمانية، بسبب رغبة العديد من المرشحين السابقين في الاحتفاظ بمواقعهم ومقاعدهم، أو رغبة القواعد في ترشيح الشخص المناسب منهم، لكن السباق نحول الصدارة دفع بنزول زعماء الأحزاب إلى الميدان من أجل الاستقطاب والقيام بجولات لتزكية بعض الأعيان ورجال الأعمال والمحظوظين، قصد تقوية حظوظ الحزب للتنافس على المقاعد البرلمانية، خاصة وأن معظم الأحزاب الكبرى تسعى إلى التنافس على الريادة والحصول على صدارة الانتخابات، الأمر الذي يجعل التزكيات المرتبطة بالانتخابات البرلمانية تظل من اختصاص رؤساء الأحزاب أو القيادات المقربة، مما جعل بعض المراقبين يرون في العملية “وزيعة انتخابية”.



