تحقيقات أسبوعية

مع الحدث | الأغلبية المهمشة وأفكار ولي العهد في كتاب جديد

صدور الجزء الثاني من كتاب "الحقيقة الضائعة"

الرباط – الأسبوع

((أمطرت السماء أو سحت.. برد الجو أو سخن، مر قطار على مرأى من صاحب الدماغ المتجمد أو مرت طائرة، جاع بطنه أو جف حلقه.. رجعت زوجته مساء من الشغل أو لم ترجع.. نجح ولده في الامتحان أو طرد من المدرسة، صفعه رجل فظ غليظ على وجهه أو قبلته بنت جميلة على وجنته.. المهم أن كل شيء لا يهم… وأخطر ما في هذه الظاهرة، أنها أصابت عددا من الذين بين أيديهم حق الإمضاء.. إمضاء القرار الذي غالبا ما تتعلق به مصائر الأجيال.. وكثير من القرارات في وطننا تكون نافذة، وفي كثير من الأحيان مستعجلة، ولكن، لا يهم.. المهم هو اتخاذ قرار ظرفي لفائدة موقف ظرفي، وطبعا في غيبة الدراسة، أو البحث عن المبررات… وتنزل إلى شارع محمد الخامس في الرباط، أو فاس، أو الدار البيضاء.. لتجد أفواجا من المستفيدين السابقين من القرارات الظرفية، طالقين لألسنتهم العنان، راوين بالبيانات المفصلة حكايات من قبيل ما ذكرت مسبقا، لأن الظروف التي حملتهم لمسؤوليات ظرفية، لم تكن طبيعية ولا مستمرة، فيصبون جام غضبهم على الدولة كلها.. متناسين المسؤول الغائب.. الغائر في جب المؤامرة الكبرى.. مؤامرة الصمت.

تتمة المقال تحت الإعلان

وإذا كنا نسمع اليوم، أو نقرأ في الصحافة الأوروبية، انتقادات مُرّة، وقذفا وتقريعا يخجل كرامتنا، فإن الأمر – ولا شك – راجع إلى هفوة ارتكبها مسؤول، أو قرار اتخذه شخص لامسؤول، كصاحب المطعم الذي يتعرض لكارثة تفقده مطعمه، بحريق أو بكارثة، بسبب غلطة نادل أو خادم صغير، وما أشبه المغرب بالمطعم الكبير… وتبحث في الأسباب والمسببات، لتجد أن الكثير ممن تحملوا مسؤوليات في وطننا، ساقتهم ظروف حزبية أو سلطوية، في إطار قرارات تعويضية، واعتبارات مصلحية، دون مراعاة لا لتكوين ذلك المسؤول، ولا أصله ولا فصله.. ولا بحث عن سوابقه، ولا دراسة لملف أحواله الشخصية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وهنا نفهم الأسباب الكامنة وراء تضخم فيالق المهمشين من الأوفياء، المقتدرين، ممن تربوا في أحضان الفضيلة، أو تخرجوا من مدرسة الوطنية، أو قدموا الخدمات المشرفة، فتجدهم يتجرعون غصة الخصاص، ويعانون من البطالة الحقيقية، متخيلين أنه تتم معاقبتهم لأنهم ذات يوم أخلصوا، أو ذات فترة تألقوا…)).

تتمة المقال تحت الإعلان

كل ما سبق من فقرات، هو تشخيص بديع لواقع زمن التسعينات كما خطه قيدوم الصحافة، الراحل مولاي مصطفى العلوي، مؤسس جريدة “الأسبوع”، وما أشبه الأمس باليوم.. ولكن المهم هو أخذ العبرة، وقد عادت دروس مصطفى العلوي للوجود من خلال صدور الجزء الثاني من كتاب “الحقيقة الضائعة”، وهو الجزء الذي يغطي فترة بداية التسعينات.

وقد جاء في تقديم الكتاب الذي أعده الإعلامي رئيس تحرير جريدة “الأسبوع”، سعيد الريحاني، ما يلي: ((لم تكن بداية التسعينات لتتميز بالهدوء بعد حركية كبيرة عرفها العالم، ميزتها أحداث كبرى لا زال أثرها يرخي بظلاله على حياة المواطنين إلى حدود اليوم(…)؛ فبعد سقوط جدار برلين، كان للعالم موعد مع إعادة توحيد ألمانيا عام 1990، وغير بعيد عنا، كانت الجزائر قد دخلت مرحلة سوداء في تاريخها عُرفت بالعُشَرية السوداء.. ولا شك أن للتاريخ دروسا لا يغفلها صناع القرار في العالم، كما لا يمكن للمواطن أن يواصل رحلته في الحياة دون معرفة “الحقيقة الضائعة” في ذلك الزمان، وكاتب “الحقيقة الضائعة” طيلة سنوات طويلة كان هو الراحل قيدوم الصحفيين، مصطفى العلوي، لذلك فهو مؤهل أكثر من غيره للحديث عن فترة كهاته، سنوات مهدت كذلك لميلاد حكومة التناوب في المغرب، ورغم أن الزمن لا يعود، إلا أن شهاداته لا زالت حية ترزق، وهو ما سيشمله هذا الكتاب المخصص لما تضمّنه عمود “الحقيقة الضائعة” بين سنة 1990 و1992)).

كتاب الحقيقة الضائعة

فضلا عن تشابك العلاقة مع إسرائيل(..)، يحمل كتاب مصطفى العلوي، الصادر حاليا والموجود في كافة الأكشاك، عدة أسرار عن مرحلة حكم الحسن الثاني، بل إنه تحدث عن أفكار الراحل عندما كان وليا للعهد، وهكذا جاء في ركن “الحقيقة الضائعة” الصادرة بتاريخ 13 يوليوز 1990، قراءة في أفكار ولي العهد حول الديمقراطية: ((أكيد جدا أن عددا من الشبان الذين يشكلون عشرين مليونا من المغاربة ـ وقد كان عدد المغاربة سنة 1958 عشرة ملايين، وعددهم ثلاثين مليونا سنة 1990 – سيجدون في الأفكار التي رويتها عن ولي العهد سنة 1958، جلالة الملك الحسن الثاني، عناصر للمناقشة والبحث، سقتها وأنا أبحث في المنطلقات الفكرية لملك البلاد عندما كان شابا، وسيرون في هذه الأفكار، إضافة إلى أنها كانت مستقبلية بالأمس، فإنها اليوم لا زالت في عصر الصواريخ، والعقل “الإلكتروني”، وعصر “الفاكس”، و”الليزر” و”السكانير”.. وهي الحلول لمشاكل مطروحة بحدة في حاضرنا، ولو ألقى أي شاب محاضرة اليوم، كما كان يلقيها ولي العهد منذ ثلاثين سنة، لما طرح حلولا منطقية وعملية تفوق حدة، وطموحا وإيجابية، أفكار ولي العهد سنة 1958.

لقد وقفت في “الأسبوع الصحفي السياسي” عند الجدل الأزلي للخلط بين الديمقراطية، الانتخابات، والديكتاتورية والتزوير.. وعندما أقارن بين تطابق أفكار 1958 مع واقع 1990، فإني أسأل القراء أن يضعوا تاريخا تحت الفقرة التالية: “لقد حان الوقت لطرق موضوع كموضوع الديمقراطية، حان وقته لأنه لا يوجد مغربي، كيفما كان، مثقفا أو غير مثقف، مسؤولا أو غير مسؤول، لا يتحدث في دائرته الضيقة أو المتسعة، عن مشكل الديمقراطية“.. هذه الجملة يمكن أن يفتتح بها محاضرته أي متحدث في مهرجان سياسي أو انتخابي، اليوم، جملة يمكن أن تنسب إلى علي يعتة، أو عبد الرحيم بوعبيد، أو محمد بنسعيد، أو محمد اليازغي، أو محمد الحبابي، أو محمد البصري، أو المحجوب بن الصديق.. وأكيد أنه بعد النطق بهذه العبارة ستصفق القاعة المملوءة بالشباب.. إنه أمر واقع، ولقد تم التصفيق على هذه الجملة في قاعة كبرى بمراكش يوم 20 ماي 1957، وكان المحاضر، قائل هذه الفقرة، هو ولي العهد مولاي الحسن.

وعلى فرض أن الأمر يتعلق بتقديم لمحاضرة تُلقى اليوم، أو غدا ـ كما قلت ـ في حشد من الطلبة، أو العمال، أو الممسكين بأوراق التصويت، فإن المنطق يحتم على المحاضر أن يتطرق إلى مشاكل الساعة، ومشكلتنا الكبرى هي الأزمة الاقتصادية، وتفاحش البطالة، وأخطار هذه الأزمة على المستقبل القريب)).

في نفس الركن، يقول الراحل مصطفى العلوي ارتباطا بولي العهد: ((نستغرب حقا من أن هذه التخوفات والاستنتاجات كانت جوهر تدخلات ولي العهد سنة 1958، حينما تقرر تأسيس عيد الشباب، واختيار مولاي الحسن كرمز لهذا الشباب… في تلك الأثناء، قال سموه هذه العبارات التي يمكن أن تجد لها محل الصدارة على الصفحات الأولى للصحف المعارضة: “إن المغرب اليوم يتخبط في مشاكل اجتماعية.. كما تعلمون، فإن البطالة تكاثرت، والشغل قل، وعندما يقل الشغل وتكثر البطالة، يمكن أن تطرأ على الأفكار بلبلة ووساوس، وعندما يجد المرء نفسه عاطلا، يكون آنذاك مستعدا لسماع كل ما يمكن من مهيجيه، أو من أعداء المغرب، ومن بث روح اليأس.. وإني أعتبرها الجرثومة الكبرى، بل إن أخطر جرثومة على المجتمع هي جرثومة اليأس، وجرثومة الانتقاد، وعندما تجد مجموعة من الشباب نفسها بدون شغل، تتفرغ للانتقاد”)).

في “الحقيقة الضائعة” الصادرة بتاريخ 31 يوليوز 1990، نقرأ “بيزنيس إيز بيزنيس” و”التفسير الحقيقي لما يجري في الخليج” (المقصود خلال التسعينات): ((لعل أنسب المواقع التي يمكن منها الحكم على الوضع في الخليج، منذ بداية الأزمة في ثاني غشت، هي قواعد الطرفين المتحاربين: العراق والولايات المتحدة.. ولا أدمج الكويت في عداد المتحاربين، لسبب بسيط، وهو أن الكويت لم تكن إلا بيدقا على رقعة الشطرنج.. بدل أن يحركها الرئيس العراقي بأنامله حركها بقدمه، أما اللاعبان المتواجهان على رقعة الشطرنج، فلا شك أن اسم أولهما بوش واسم ثانيهما صدام..)) ( تفاصيل أخرى في كتاب “الحقيقة الضائعة” الجزء الثاني، في كافة الأكشاك).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى