قانون | النيابة العامة وتحولات المسطرة الجنائية الجديدة بالمغرب

لا جدال في أن قانون المسطرة الجنائية يُعد العمود الفقري للعدالة الزجرية، والوعاء الإجرائي الذي تتقاطع داخله اعتبارات النظام العام مع مقتضيات صيانة الحقوق والحريات، باعتباره القانون الذي ينظم سلطة الدولة في البحث والتحري والمتابعة والمحاكمة والتنفيذ الزجري، ويحدد في الآن ذاته الحدود الدقيقة التي ينبغي أن تقف عندها السلطة العمومية حتى لا تتحول الشرعية الجنائية إلى وسيلة للمساس التعسفي بحرية الأفراد وكرامتهم، لذلك، فإن أي تعديل يطال هذا القانون لا يمكن اعتباره مجرد مراجعة تقنية لبعض الإجراءات الشكلية، وإنما يُفهم باعتباره إعادة تركيب للهندسة القضائية الجنائية برمتها، وإعادة صياغة للعلاقة بين النيابة العامة والشرطة القضائية والقضاء الجالس وهيئة الدفاع وباقي الفاعلين داخل المنظومة القضائية.

جاء القانون رقم 03.23 المغير والمتمم للقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، ليؤسس لتحولات بنيوية عميقة ذات امتداد دستوري وحقوقي ومؤسساتي، مستلهما في ذلك روح دستور 2011، خاصة ما يرتبط بتعزيز استقلال السلطة القضائية، وتكريس ضمانات المحاكمة العادلة، وترشيد اللجوء إلى التدابير السالبة للحرية، وتطوير آليات العدالة التصالحية، ومواكبة التحولات الرقمية التي أفرزت أنماطا إجرامية معقدة وعابرة للحدود، وهي تحولات لم تعد تسمح ببقاء النصوص الإجرائية رهينة للفلسفة التقليدية الجامدة التي كانت ترى في المتابعة الزجرية غاية قائمة بذاتها دون استحضار البعد الحقوقي والإنساني للمسطرة الجنائية.
ومن الثابت أن المشرع المغربي وهو يباشر هذا الورش التشريعي، كان مدركا لحجم الاختلالات العملية التي كشفت عنها الممارسة القضائية خلال السنوات الأخيرة، سواء فيما يتعلق بتضخم الاعتقال الاحتياطي، أو تضارب الاختصاصات، أو محدودية الوسائل التقنية الممنوحة للشرطة القضائية، أو هشاشة الضمانات المرتبطة بالبحث التمهيدي، أو بطء البت في بعض الملفات المرتبطة بالجرائم المالية والرقمية، لذلك جاءت المقتضيات الجديدة محملة بفلسفة قانونية حديثة تحاول إحداث نوع من التوازن بين النجاعة الزجرية والشرعية الإجرائية.
في هذا الإطار، أعاد المشرع تنظيم قواعد الاختصاص المحلي بموجب المواد 44 و55 و259، حيث أصبح تواجد المشتبه فيه داخل مؤسسة سجنية معيارا قانونيا مستقلا لانعقاد الاختصاص الترابي، إلى جانب مكان ارتكاب الجريمة أو محل الإقامة أو مكان إلقاء القبض. هذه الإضافة، وإن بدت تقنية في ظاهرها، فإنها تحمل أبعادا عملية دقيقة، لأن الواقع القضائي كان يكشف عن صعوبات مرتبطة بالجرائم المرتكبة داخل المؤسسات السجنية أو تلك التي تنكشف أثناء تنفيذ العقوبات الحبسية، حيث كانت النيابات العامة تضطر أحيانا إلى الدخول في متاهات تنازع الاختصاص أو طلبات الإحالة، بما يؤدي إلى بطء الأبحاث وتعطيل المتابعات.
فإذا ارتكب سجين، على سبيل المثال، جريمة تتعلق بالاتجار في الممنوعات داخل المؤسسة السجنية، أو ظهرت معطيات جديدة حول شبكة إجرامية مرتبطة به أثناء تنفيذ العقوبة، فإن المحكمة التابعة لنفوذ المؤسسة السجنية، تصبح مختصة قانونا بمباشرة الإجراءات، بما يحقق النجاعة الإجرائية ويقلص من التعقيدات المسطرية التي كانت تعيق سرعة البحث القضائي.
كما وسع المشرع دائرة الاختصاص الاستثنائي بموجب المادتين 265 و268 لتشمل الضباط العسكريين من رتبة عميد فما فوق، وقضاة المحكمة العسكرية، والكتاب العامين للعمالات والأقاليم، ورؤساء المناطق الحضرية، ومن المؤكد أن هذا التوسيع يعكس إرادة تشريعية تروم توفير معالجة قضائية خاصة لبعض الفئات ذات الحساسية الوظيفية، بما يضمن نوعا من التوازن بين حماية المؤسسات واحترام مبدأ المساواة أمام القانون، لأن العدالة الجنائية، في كثير من الأحيان، تتحرك داخل فضاء تتشابك فيه الاعتبارات القانونية مع الإكراهات المؤسساتية والإدارية.
أما على مستوى تدبير الوشايات مجهولة المصدر، فقد جاءت المواد 21 و40 و49 بمقاربة إجرائية جديدة قائمة على مبدأ التثبت والتحري القبلي قبل مباشرة البحث القضائي، إذ أصبح ممنوعا فتح أبحاث جنائية بناء على وشاية مجهولة ما لم يتم إجراء تحريات أولية للتأكد من جديتها وصدقيتها، وهذا المستجد يُعد من أبرز التحولات التي عرفها قانون المسطرة الجنائية بالنظر إلى ما كانت تطرحه الوشايات الكيدية من إشكالات مرتبطة بالابتزاز المعنوي والتشهير وتصفية الحسابات الشخصية والمهنية.
فإذا توصل وكيل الملك برسالة مجهولة المصدر تتهم موظفا أو تاجرا أو فاعلا جمعويا بحيازة أموال مشبوهة أو وثائق مزورة.. فإنه لم يعد بإمكانه إصدار أوامر فورية بالتفتيش أو المداهمة، وإنما أصبح ملزما بتكليف الشرطة القضائية بإنجاز أبحاث استطلاعية وتحريات سرية للتأكد من وجود مؤشرات جدية على ارتكاب الجريمة، فإذا تبين وجود قرائن قوية، فُتح البحث القضائي، أما إذا اتضح أن الأمر يتعلق بادعاءات عبثية أو انتقامية، جرى حفظ الوشاية دون ترتيب أي أثر قانوني، وهي فلسفة تعكس انتقال المشرع من منطق الاشتباه التلقائي إلى منطق الشبهة المعقولة المؤسسة على معطيات موضوعية.
وفي السياق ذاته، جاءت المادة 3 بمقتضى استثنائي يتعلق بالجرائم الماسة بالمال العام، حيث أصبح فتح الأبحاث في هذا النوع من الجرائم مشروطا بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بناءً على إحالات صادرة عن هيئات الحكامة والمراقبة، كالمجلس الأعلى للحسابات أو الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، مع استثناء حالات التلبس، وقد أثار هذا المقتضى نقاشا فقهيا حادا بين اتجاه يرى فيه وسيلة لتحصين الأبحاث المالية من التوظيف الكيدي والسياسوي، واتجاه آخر يعتبره قيدا إجرائيا قد يؤدي إلى بطء تحريك المتابعات المتعلقة بالفساد المالي، وهي مفارقة تكشف أن العدالة الجنائية كثيرا ما تتحرك فوق أرضية سياسية وإدارية شديدة الحساسية.
ومن جهة أخرى، كرس القانون رقم 03.23 مبدأ شفافية عمل النيابة العامة، التي ألزمتها المادتان 40 و49 بإشعار المشتكين أو دفاعهم بجميع القرارات المتخذة بشأن الشكايات داخل أجل خمسة عشر يوما، سواء تعلق الأمر بالحفظ أو المتابعة أو الإحالة، وهذه المقتضيات تؤسس لتحول نوعي في علاقة النيابة العامة بالمتقاضين، بعدما كانت بعض الشكايات تدخل أحيانا في دائرة الصمت الإجرائي الطويل، بما يخلق حالة من الغموض وانعدام الثقة.
كما منح المشرع إمكانية التظلم من قرارات الحفظ أمام الوكيل العام للملك أو رئيس النيابة العامة، مع إلزام هذه القرارات بالتعليل القانوني، ومن ثم، لم تعد قرارات الحفظ مجرد أوامر إدارية غير قابلة للمساءلة، وإنما أصبحت قرارات خاضعة للرقابة والتسبيب، بما ينسجم مع مبادئ الحكامة القضائية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أما على مستوى البحث الجنائي، فقد جاءت المادة 59 لتؤسس لما يمكن تسميته بالعدالة الرقمية، بعدما خولت لضابط الشرطة القضائية إجراء تفتيش رقمي للأجهزة الإلكترونية وحجز البيانات والأثار المعلوماتية، بما فيها المعطيات المحذوفة أو المشفرة، كما أصبح بإمكان النيابة العامة إصدار أوامر بالحجب أو الحذف النهائي للمعطيات الرقمية التي تشكل جريمة أو تهديدا للنظام العام.
وفي الجرائم المرتبطة بالنصب الإلكتروني أو الابتزاز المعلوماتي، يمكن للشرطة القضائية، بإذن من النيابة العامة، استرجاع المحادثات المحذوفة وتتبع الحسابات البنكية الرقمية والتحويلات المشبوهة وإخضاعها لخبرة تقنية لإثبات العلاقة السببية بين الفعل الجرمي والنتيجة الإجرامية، وهو ما يؤكد أن المشرع أصبح واعيا بأن الجريمة الحديثة انتقلت من الأزقة الخلفية إلى الخوادم الرقمية والمنصات المشفرة العابرة للقارات.
كما نظمت المادة 64-1 الانتدابات المعلوماتية، فأصبح بإمكان الشرطة القضائية، بإذن كتابي من النيابة العامة، مطالبة المؤسسات العمومية والخاصة بتمكينها من المعطيات المخزنة داخل أنظمتها المعلوماتية، مع ترتيب غرامات مالية على الممتنعين عن التنفيذ، وهذه المقتضيات تكرس مبدأ التعاون الإجرائي الإلزامي في مواجهة الجرائم الإلكترونية والمالية المعقدة.
أما المواد من 82-3-1 إلى 116-6، فقد أرست إطارا قانونيا للتقنيات الخاصة للبحث، ومن ضمنها تقنية الاختراق، والتقاط الصور والأصوات، وتحديد المواقع الجغرافية بواسطة أنظمة التتبع الإلكتروني، وقد أحاط المشرع هذه التدابير بضمانات دقيقة تتمثل في ضرورة الحصول على إذن كتابي معلل من السلطة القضائية المختصة، ولمدة محددة لا تتجاوز أربعة أشهر بالنسبة لتقنية الاختراق، حماية للحياة الخاصة ومنعا لأي تعسف أو انحراف في استعمال السلطة.
وفي باب تدبير الحريات الفردية، جاءت المادة 66-1 لتقيد اللجوء إلى الحراسة النظرية بحالات الضرورة القصوى المرتبطة بالحفاظ على الأدلة أو منع التأثير على الشهود أو وضع المشتبه فيه رهن إشارة العدالة، ومن ثم، لم تعد الحراسة النظرية إجراءً تلقائيا، وإنما أصبحت تدبيرا استثنائيا تحكمه ضوابط صارمة ومبررات قانونية دقيقة.
كما منحت المادة 66-2 للمشتبه فيه الحق في الاتصال بمحاميه منذ الساعة الأولى للوضع تحت الحراسة النظرية، بينما خولت المادة 66-4 للمحامي حضور الاستماع إلى الأحداث أو الأشخاص في وضعية إعاقة بإذن من النيابة العامة، بما يكرس ضمانات الدفاع ويعزز الطابع الإنساني للمسطرة الجنائية.
وعلاوة على ذلك، خضع الاعتقال الاحتياطي بدوره لمنطق الترشيد والتقييد، حيث أصبحت مدته في الجنح شهرا واحدا قابلا للتمديد مرة واحدة، وفي الجنايات شهرين قابلين للتمديد مرتين، باستثناء الجرائم الإرهابية والجرائم الماسة بأمن الدولة، كما قلصت المادة 160 مدد المراقبة القضائية لتصبح ثلاثة أشهر في الجنح وثمانية أشهر في الجنايات، بما ينسجم مع مبدأ استثنائية الاعتقال الاحتياطي.
وفي إطار تخفيف الضغط عن المحاكم والمؤسسات السجنية، وسع المشرع نطاق العدالة التصالحية بموجب المادتين 41 و41-1، حيث أصبح الصلح يشمل جرائم كالسرقة والنصب وخيانة الأمانة وبعض جنح الضرب والجرح، كما ألغى مسطرة المصادقة أمام غرفة المشورة، ليصبح الصلح نافذا بمجرد تحرير محضر رسمي من النيابة العامة.
ففي نزاع بسيط بين شخصين نتج عنه اعتداء جسدي أو خلاف مالي محدود، يمكن للنيابة العامة اقتراح الصلح وإنهاء النزاع عبر التعويض أو التنازل أو الاعتذار، دون الحاجة إلى محاكمة طويلة تستنزف الزمن القضائي وتفاقم الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، وهي فلسفة تؤكد أن العدالة الحديثة لم تعد تراهن فقط على العقوبة، وإنما أيضا على إعادة بناء السلم الاجتماعي.
كما أحدث المشرع السند الإداري التصالحي بموجب المواد 383-1 إلى 383-3، والذي يسمح لبعض الإدارات بإبرام تصالحات مالية في المخالفات والجنح المعاقب عليها بالغرامة فقط، مقابل أداء نصف الحد الأقصى للغرامة، بما يؤدي إلى إنهاء المتابعة بصورة قانونية.
وفيما يتعلق بعدالة الأحداث، أقر القانون بموجب المادة 461-1 انعدام المسؤولية الجنائية للطفل الذي يقل عمره عن 12 سنة، كما رفعت المادة 473 السن الأدنى للإيداع بالمؤسسات السجنية إلى 14 سنة في الجنايات و16 سنة في الجنح، بينما رفعت المادة 513 سن الطفل في وضعية صعبة إلى 18عاما، تكريسا للبعد الحمائي للسياسة الجنائية الحديثة.
كما منع المشرع تمديد مدة الاحتفاظ بالأحداث إلا في الجرائم المنصوص عليها في المادة 108، مع اشتراط موافقة النيابة العامة في جميع الأحوال، حماية لهذه الفئة من أي تعسف محتمل.
وعلى مستوى التنفيذ الزجري، أسندت المادة 613-1 اختصاص البت في طلبات إدماج العقوبات، للنيابة العامة التابعة لآخر محكمة أصدرت العقوبة، بينما رفعت المادة 638 الحد الأدنى لتطبيق الإكراه البدني إلى 8000 درهم، كما خفضت المادتان 688 و689 مُدد رد الاعتبار وأسندتا الاختصاص في البت فيه إلى قاضي تطبيق العقوبات بدل الغرفة الجنحية.
هكذا يتبين أن القانون رقم 03.23 لا يمثل مجرد مراجعة تقنية لبعض الإجراءات الجنائية، وإنما يشكل تحولا بنيويا في فلسفة العدالة الزجرية بالمغرب، من خلال إعادة بناء وظيفة النيابة العامة، وتوسيع ضمانات المحاكمة العادلة، وتطوير الوسائل التقنية للبحث، وترشيد التدابير المقيدة للحرية، وتعزيز العدالة التصالحية، غير أن القيمة الحقيقية لهذه النصوص تبقى رهينة بمدى حسن تنزيلها ميدانيا، لأن العدالة لا تتحقق فقط بجودة القوانين، وإنما أيضا بضمير من يطبقونها، وبقدرة المؤسسات القضائية على تحويل النصوص من حروف جامدة إلى حماية فعلية للإنسان.. وتلك هي المعركة الحقيقية لكل تشريع جنائي حديث.



