الرأي

الرأي | من سوق عكاظ إلى معارض الكتاب 

نور الدين الرياحي
بقلم: نور الدين الرياحي

 لم يكن سوق عكاظ مجرد سوق تجاري، بل كان الأكاديمية العربية الأولى ومركز الثقل السياسي والأدبي في شبه الجزيرة العربية؛ فهو “البرلمان الثقافي” للعرب، والذي تأسس منذ خمسة عشر قرنا، أي حوالي 500 ميلادية، ويقع بين مكة والطائف.

فاختيار المكان والزمان ليس عشوائيا، ذلك أن التوقيت الاستراتيجي كان يُقام في شهر ذو القعدة، وهو من الأشهر الحرم، مما وفر “حصانة قانونية” وأمنا تاما لجميع القبائل المتنازعة للحضور دون خوف من الثأر.

تتمة المقال تحت الإعلان

ذلك كان الهاجس الأمني الذي ضمن لسوق عكاظ تواجده في جزيرة كان السلم والأمان فيها عملة نادرة قبل الإسلام، ناهيكم عن ظاهرة الترحال العربي.

تتمة المقال تحت الإعلان

أما من حيث الإبداع، فقد كان الشاعر في عكاظ يمثل “وزير الإعلام” لقبيلته، بل هو قناة أو تلفزة أو صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي بلغة عصرنا اليوم، وكانت القصيدة التي تنجح هناك، تعادل حملة إعلامية دولية اليوم، ترفع شأن قبيلة أو تدحره.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن ثمة سميت المعلقات، وهي “الأعمال الفائزة” التي كانت تُكتب بماء الذهب وتُعلق على الكعبة كأعلى تكريم أدبي وتوثيقي عرفه العرب، وهو ما حافظ على توثيقها ووصولها إلى عصرنا هذا رغم مجادلة طه حسين في الشعر الجاهلي.

وقد استمر السوق زهاء 250 عاما، لكنه بدأ في الأفول والاندثار تدريجيا، لعدة أسباب متداخلة:

 التحول السياسي (ظهور الدولة المركزية):

مع ظهور الإسلام وتأسيس الدولة في المدينة المنورة، ثم دمشق، وبغداد.. انتقل مركز الثقل من “القبيلة” إلى “الدولة”؛ ولم يعد الشاعر في حاجة لعكاظ ليثبت سيادة قبيلته، بل أصبح يتجه إلى بلاط الخليفة، وأصبحت محاكم الشعر والإبداع لنيل التكريم والشرعية، تقام في مجالس وقصور الولاة والخلفاء والأعيان وذوي النفوذ..

ومع ظهور مراكز ثقافية جديدة في الحواضر، نشأت مدن كبرى مثل البصرة والكوفة وبغداد، وأسست “المربد” (سوق أدبي في البصرة)، الذي ورث دور عكاظ، لكن بطابع أكثر تمدنا وأقل قبلية، وبذلك تحولت الثقافة من “الصحراء” إلى “المدينة”.

كما ساهم في اندثار السوق فتنة “الخوارج”، وهو السبب الأمني المباشر تاريخيا، إذ يُذكر أن غزو الخوارج (الحرورية) للمنطقة بقيادة المختار بن عوف، عام 129 هجرية، كان الضربة القاضية لسوق عكاظ، لما نهبوه وعاثوا فيه فسادا، مما أخاف الناس من ارتياده، فانقطع ذكره كنشاط سنوي منتظم.

 في بدايات عكاظ.. كانت المشافهة هي الوسيلة الوحيدة لحفظ التراث:

لكن مع حركة التدوين في العصر الأموي، والعباسي، لم يعد العرب في حاجة للتجمع السنوي لسماع القصائد وتوثيقها؛ فقد أصبحت الدواوين والكتب هي الوعاء البديل.

 المقارنة التاريخية.. عكاظ والمعرض الحديث:

بمقارنة المعايير المشتركة بين سوق عكاظ قديما ومعارض الكتاب حديثا، نجد عدة أهداف مشتركة تجمع بينها؛ فسبب الوجود هو الحفاظ على الهوية القبلية واللغة ونشر المعرفة والتجارة الثقافية.

 الأمن القبلي (الأشهر الحرم):

قوانين الدولة وحماية الملكية الفكرية والهاجس الأساسي، هو تشجيع الإبداع والتعايش مع كل الموروثات الثقافية للأمم، وبالتالي السلم العالمي، وتوحيد التراث الإنساني لبلوغ أهداف سامية.

من حيث “البقاء المادي”، فقد ضاع جزء كبير من تراثنا الشفهي، لأن الذاكرة البشرية تخضع للنسيان والموت، بينما التوثيق الرقمي (رغم هشاشته أمام القرصنة) يضمن بقاء النص ماديا لقرون.

فنحن نعيش اليوم مفارقة عجيبة: لدينا قوانين حماية متطورة جدا، لكننا نملك أمانا أدبيا أقل، فسوق عكاظ كان يعتمد على “قانون الثقة والرقابة الجماعية”، بينما نعتمد اليوم على “قانون الورق والرقابة التقنية”.

ورغم كل هذه الفوارق الناتجة عن التقدم العلمي والتقني، فالإنسان استطاع ومنذ القديم، أن يجد الوسيلة الفعالة في نشر نتاجه الفكري والأدبي والمحافظة عليه، وبذلك يمكن اعتبار معارض الكتاب اليوم امتدادا للأسواق الثقافية التي عرفها أجدادنا وحافظت لنا على موروث ثقافي لا زلنا نتباهى به إلى يومنا هذا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى