تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | الصراع مع المغرب يدفع الجزائر إلى تشجيع الانقلابات في إفريقيا

من موريتانيا إلى مالي

عادت إفريقيا إلى عادتها القديمة، أي الانقلابات، حيث استيقظت مالي على وقع محاولة انقلابية فاشلة خلال الأيام الماضية، وقد ربط العديد من المحللين أسباب ذلك بموقف باماكو الجديد من ملف الصحراء المغربية، حيث أعلنت قبل ذلك بأيام عن دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل نهائي لهذا الملف، الأمر الذي أغضب الجزائر، على اعتبار أن مالي دولة حدودية لها من الجنوب، كما أن هناك حديثا عن أن أغلب من يوجد في مخيمات تندوف هم من مالي، إضافة إلى تناقض الخطاب بين تصريحات المسؤولين الجزائريين ووسائل إعلامهم، أوحى للعديد بأن الجزائر هي من كانت وراء ما حدث في مالي.. ومن طبيعة الحال، فإن هذه ليست أول تجربة للجزائر مع الدول الإفريقية التي كانت تدعم المغرب في قضية الصحراء، ولعل أبرز مثال على ذلك ما وقع مع موريتانيا منذ المسيرة الخضراء، حيث توالت فيها الانقلابات.. هذا يدعم المغرب، وذلك يدعم الجزائر.. فهل نشهد تكرار السيناريو الموريتاني في مالي ؟

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

هذا ما حدث لموريتانيا على مدى خمسة عقود من الصراع المغربي الجزائري

تتمة المقال تحت الإعلان

لا يمكن بأي حال من الأحوال القول بأن فشل المحاولة الانقلابية في مالي هو نهاية الأطماع الجزائرية هناك، خاصة وأن مالي تعتبر أمنا قوميا للجزائر ولن تسمح بسهولة بأن تصبح جارتها الجنوبية داعمة للمغرب في وحدته الترابية، وإذا تأملنا التاريخ، نجده مليئا بالأمثلة القوية، خاصة في مرحلة نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، عندما دعمت الجزائر إلى جانب الاتحاد السوفياتي عدة انقلابات في إفريقيا، من أجل جر عدة دول للاعتراف بجبهة البوليساريو كدولة، وخير دليل على ذلك ما وقع في موريتانيا، أول دولة كانت ساحة صراع بين المغرب والجزائر.

تتمة المقال تحت الإعلان

كانت موريتانيا من بين الدول المعنية بقضية الصحراء، حيث اقتسم المغرب معها الصحراء بموجب الاتفاق الثلاثي المغربي-الموريتاني-الإسباني، وقد علل الملك الحسن الثاني سبب قبوله باقتسام الصحراء مع موريتانيا على اعتبار أن الجزائر أقحمت موريتانيا رغما عنها في هذا الملف، وكانت على يقين تام بأن المغرب وموريتانيا سوف لن يتفقا على أي شيء بخصوص الصحراء، وكانت الجزائر تنظر إلى موريتانيا على أنها بمثابة العصى في حذاء المغرب.

غير أن الحسن الثاني قبل بموريتانيا كشريك وأنهى كل خلافاته معها، وبعد المسيرة الخضراء، بدأ الأمر بتطور العلاقات بين المغرب وموريتانيا بشكل كبير جدا، إذ وقع البلدان اتفاقية تتعلق بترسيم الحدود بينهما يوم 16 أبريل 1976، ثم قام الرئيس الموريتاني، المختار ولد دادة، بزيارة رسمية للمغرب، كما التجأت موريتانيا إلى المغرب، الذي أصبح حليفها لتطلب مساعدته في مواجهة البوليساريو، وقد استجاب لطلبها وتم تتويج ذلك بـ”اتفاق التعاون المشترك في مجال الدفاع” المبرم بنواكشوط يوم 12 ماي 1977، والذي قضى بأن يقوم الجيش المغربي بالتمركز في الأراضي الموريتانية من أجل التصدي لهجومات مرتزقة البوليساريو.

كانت الجزائر تنظر إلى تطور العلاقات الإيجابي بين المغرب وموريتانيا بشكل سلبي، حيث أن خطتها القاضية بجعل المغرب وموريتانيا خصمان في ملف الصحراء، لم تنجح تماما.. ومن هناك بدأ مسلسل الانقلابات انطلاقا من سنة 1978، حيث وقع أول انقلاب عسكري، غير أنه لم يمنع من استمرار العلاقات بين البلدين، واستمرار التحالف بينهما ضد الجزائر والبوليساريو، إلا أن مواقف قائد البلاد الجديد عجلت برحيله بعد عشرة أشهر فقط قضاها في الحكم، إذ أجبر على الاستقالة من السلطة في شهر أبريل من العام 1979، وخلفه العقيد أحمد ولد بوسيف، الذي مات هو الآخر في ظروف غامضة بعد شهر فقط من توليه السلطة، عندما سقطت الطائرة التي كانت تقله إلى العاصمة السنغالية دكار.

كانت أول محطة بعد سلسلة من الانقلابات أظهرت تفوق الجزائر، هي سنة 1979، عندما برز على الساحة السياسية نجم محمد خونه ولد هيدالة، الذي أصبح رئيسا لموريتانيا ابتداء من 31 ماي 1979، وكان هذا الأخير مدعوما من طرف قصر المرادية، وفور أخذه مقاليد السلطة، ظهرت بسرعة بوادر تنصل حكام موريتانيا الجدد من التزاماتهم مع المغرب؛ فقد قرر هذا الأخير التخلي عن المعاهدة الثلاثية بينه وبين المغرب وإسبانيا، المعروفة بـ”اتفاقية مدريد”، الموقعة يوم 14 نونبر 1975، حيث توجه إلى الجزائر التي رعت المفاوضات بين موريتانيا وجبهة البوليساريو، وانتهت بتوقيع ما سموها “اتفاقية السلام” بين موريتانيا وجبهة البوليساريو يوم 5 غشت 1979، والتي نصت على انسحاب القوات الموريتانية من إقليم وادي الذهب وتركه لميليشيات البوليساريو.

كان المغرب يراقب ما يحدث باهتمام كبير، وأمام هذا الوضع الجديد الذي فرض على أرض الواقع، كان لزاما الإقدام على خطوة سريعة ومباغتة، وهو استعادة الداخلة وفرض الأمر الواقع، فلم يكن أمام موريتانيا إلا أن تحاول الرد على هذه الهزيمة، حيث قام الوزير الأول الموريتاني، خونه ولد هيدالة، باستدعاء القائم بأعمال سفارة المغرب بنواكشوط، بلبشير، يوم 7 شتنبر، وطلب منه أن يقوم المغرب بسحب قواته من الأراضي الموريتانية، وقال له أن بلاده على استعداد لتسهيل مغادرة تلك القوات، بما في ذلك إمكانية مرافقتها إلى غاية الحدود المغربية.

كانت هذه التحولات إيذانا بدخول العلاقات بين المغرب وموريتانيا في نفق مظلم، حيث نشبت بينهما حرب إعلامية قوية تبادل الجانبان خلالها الاتهامات، وغضت موريتانيا الطرف على مرتزقة البوليساريو، حيث سمحت لهم باستغلال أراضيها للهجوم على المغرب، غير أن الأمر لم يدم طويلا؛ فقد قامت السعودية بوساطة بين البلدين، ونجحت في عقد صلح بينهما، حيث توجه رئيسا البلدين إلى مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية، يوم الأحد 28 يونيو 1981، وهناك اجتمع الملك الحسن الثاني والرئيس الموريتاني محمد خونه ولد هيدالة تلبية لدعوة ووساطة الملك خالد بن عبد العزيز.

وهكذا، فقد صدر “بيان الطائف” الذي تمت بموجبه إعادة العلاقات الدبلوماسية المغربية الموريتانية، ورغم توقيع الاتفاقية إلا أنه لم يمر الكثير من الوقت حتى فاجأت موريتانيا المغرب من جديد، وهذه المرة كانت المفاجأة أكبر، ويتعلق الأمر باعترافها بجبهة البوليساريو رسميا في بداية سنة 1984، خارقة بذلك “معاهدة الطائف” وضاربة إياها بعرض الحائط، غير أنه وقبل أن تفتح الجمهورية الوهمية سفارة لها بموريتانيا، وقع انقلاب قاده معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، يوم 12 دجنبر 1984، ومنذ ذلك التاريخ، ظلت موريتانيا تعترف بجبهة البوليساريو دون أن تسمح لها بفتح سفارة فوق التراب الموريتاني، وأخذت موريتانيا منذ ذلك الحين تنهج سياسة اللعب على الحبلين.

وبعد عقدين كاملين، عادت موريتانيا إلى أجواء الانقلابات، إذ شهدت محاولة فاشلة قام بها العقيد صالح ولد حننا في يونيو 2003، وبعد عامين، وتحديدا في 3 غشت 2005، نجح أعلي ولد محمد فال ـ بدعم واتفاق مع المؤسسة العسكرية – في انقلابه ضد نظام معاوية ولد أحمد الطايع، ثم سلم السلطة إلى رئيس منتخب هو محمد ولد الشيخ عبد الله، في أبريل 2007، وفي 6 غشت 2008، وعقب قرار رئاسي بإقالة قائد أركان الحرس الرئاسي محمد ولد عبد العزيز، وقائد أركان الجيش محمد ولد الغزواني، قام الاثنان على الفور بانقلاب اعتقلا خلاله الرئيس محمد ولد الشيخ عبد الله، وأصدر الانقلابيون بيانا يعلنون فيه تشكيل “مجلس الدولة”.

وكانت هذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها الجزائر بيانا تعلن من خلاله رفضها البات للانقلاب العسكري في موريتانيا، كما ألحقته بمواقف سياسية من ضمنها عدم استقبال الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، على غير عادته، الوفد الموريتاني برئاسة الرجل الثاني في المجلس العسكري، الجنرال ولد الغزواني، المرفق بوزير خارجية بلاده، وبدل ذلك، تم استقبالهم في ظروف مهينة من طرف الوزير المنتدب لدى وزير الخارجية المكلف بالاتحاد الإفريقي واتحاد المغرب العربي، عبد القادر مساهل.

والإجراء العدائي الثاني الجزائري، تمثل في استقبال زعماء بعض أحزاب المعارضة للانقلاب، من طرف عبد العزيز بلخادم، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية، والممثل الشخصي لرئيس الجمهورية، وتم اللقاء في القصر الجمهوري، وهذا الاجتماع كان له أكثر من معنى ودلالة سياسية، أهمها، أن الجزائر بمواقفها الرافضة هذه، دخلت مباشرة على خط الأحداث السياسية الداخلية الموريتانية، التي تلت الإطاحة بالرئيس محمد ولد الشيخ عبد الله من طرف قائد الحرس الجمهوري، الجنرال ولد عبد العزيز.

عنصر آخر، قد يضاف إلى الموقف الجزائري، يتعلق بالتحركات الدبلوماسية الجزائرية في الاتحاد الإفريقي، من خلال القيام بضغوطات سياسية على الدول الإفريقية التي تتوصل بمساعدات مالية وعينية من الجزائر كالبترول والغاز، ودول الاتحاد الأوروبي، وحتى على دول داخل الجامعة العربية، لحملهم على محاصرة الجنرال ولد عبد العزيز، رئيس المجلس العسكري الأعلى، ورفاقه، اقتصاديا وإعلاميا وسياسيا، وتشجيع فرض العقوبات المختلفة على موريتانيا، كما تقدمت الجزائر بمناسبة زيارة كاتبة الدولة الأمريكية في الخارجية، كوندوليزا رايس، بطلب مقاطعة الولايات المتحدة للحكام الجدد في موريتانيا، وتجميد الأرصدة الشخصية لأعضاء الحركة الانقلابية وعائلاتهم.

غير أنه وبعد ذلك، دخلت العلاقات الموريتانية الجزائرية منعطفا آخر بعد حديث عن احتفاظ موريتانيا باعترافها بجبهة البوليساريو، دون فتح سفارة لها، وما زال إلى الآن الصراع المغربي الجزائري حول الموقف الموريتاني من قضية الصحراء قائما.

بوتفليقة
بوتفليقة

إلى أين يتجه الصراع في مالي ؟

 تعتبر مالي واحدة من أهم الدول في معادلة قضية الصحراء، فهي دولة حدودية مع الجزائر، كما أن مخيمات تندوف مليئة بالمرتزقة الماليين، مع العلم أن هذه البلاد اعترفت بجبهة البوليساريو سنة 1984، واستمر هذا الاعتراف لمدة 46 عاما، حتى أعلنت مالي رسميا في 10 أبريل 2026 عن سحب اعترافها بالبوليساريو، ودعمها الكامل لمبادرة الحكم الذاتي المغربية للصحراء كحل وحيد وواقعي لهذا النزاع، وبعد ذلك بأيام، قامت جبهة “نصرة الإسلام والمسلمين” بعمليات عسكرية كبيرة داخل التراب المالي، استهدفت عدة مناطق استراتيجية. إلا أن الغريب في الأمر، هو المواكبة الإعلامية شبه الرسمية الجزائرية المؤيدة لهذه الهجمات وكأنها فتح مبين، ليتبين أن الأمر يتعلق بمحاولة انتقام جزائرية من موقف مالي الجديد، وقد سقنا المثال الموريتاني لنبين أن الجزائر ستعود إلى مالي مجددا لدعم المحاولات الانقلابية هناك طمعا في موقف جديد من قضية الصحراء المغربية.

لكن يبدو أن الأوضاع تغيرت جذريا عن سبعينات القرن الماضي، حيث أصبحت تحكم العالم حسابات استراتيجية جديدة، لعل أهمها أن موقف روسيا الذي كان داعما للجزائر في تلك الفترة، أصبح الآن مغايرا تماما، خاصة في الملف المالي؛ فقد هاجمت جبهة “نصرة الإسلام والمسلمين” في العملية الأخيرة الحكومة المالية الخاضعة للحماية الروسية، وهذا يبرز أن صراعا جديدا قد ينشب بين روسيا والجزائر حول النفوذ في مالي، وبالتالي، هوة كبيرة بين البلدين، ما يطرح عدة تساؤلات حول الداعمين للجزائر في مخططاتها بالدول الإفريقية، علما أن الجزائر تحاول مؤخرا العودة بقوة إلى الاتحاد الإفريقي من جديد عبر فوزها برئاسة البرلمان الإفريقي، لكن يبدو أن الواقع تغير بشكل جذري، حيث أن العالم أصبحت تحكمه المصالح بدل الإيديولوجيا، وبالتالي من الصعب جدا إيجاد قوة كبرى داعمة لها من أجل القيام بانقلابات في إفريقيا من أجل قضية الصحراء فقط.

ورغم ذلك، قد تشهد مالي أشواطا من المحاولات الجزائرية للإطاحة بالنظام هناك، ولا شك أن المغرب مستعد لكل هذه الاحتمالات وسنرى إلى أين ستؤول الأمور.. ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى