تحليل إخباري | مولاي الحسن.. بين الجيش الملكي والمخابرات
أكبر تعيين في مسيرة ولي العهد
عندما يحضر المضمون يغيب الشكل.. وقد غاب الشكل فيما يتعلق بصياغة بلاغ الديوان الملكي الأخير، الذي أعلن من خلاله عن ((تفضل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، بتعيين صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية))
، وكان البلاغ قد بدأ من حيث يجب أن ينتهي (من حيث الشكل)، بالقول: ((تولى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، عندما كان وليا للعهد، تنسيق مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، منذ سنة 1985، تاريخ تعيينه في هذا المنصب من قبل والده المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه)).
إعداد: سعيد الريحاني
فلسفة البلاغ سالف الذكر، تهدف إلى التأكيد على وجود “عرف ملكي” (بدأ مع السلطان محمد الخامس)، يقتضي في مرحلة أولية إسناد مهمة التنسيق بين المصالح الكبرى للجيش الملكي لولي العهد، وهو للمصادفة يحمل نفس اسم جده(..)، هذه المهمة التي تعطيه الاطلاع على “قمرة” قيادة البلاد، ما يعني أن المنصب المذكور هو أكبر منصب يتولاه ولي العهد مولاي الحسن حتى الآن، في إطار التمهيد ليكون “ملكا للمستقبل” بعد عمر مديد لوالده الملك محمد السادس.
مولاي الحسن بالأمس أصبح الحسن الثاني، ومولاي الحسن اليوم سيصبح هو الحسن الثالث(..)، والانطلاقة واحدة.. تبدأ من الجيش، حيث تشتغل مدرسة الانضباط والأسرار الكبرى بهدوء بعيدا عن ضجيج الإعلام، وفي علاقة مباشرة مع رئيس أركان الحرب العامة، وما يعطي قيمة لهذا المنصب، هو أنه ظل منصبا ملكيا بامتياز، حيث لا يعين فيه إلا أبناء الملوك، ومن المستحيل أن يرتبط التنسيق بشخص غير الملك إذا لم يعينه الملك، والملك في هذه الحالة لا يعين إلا ولي العهد(..).

ماذا يعني أن يتولى ولي العهد مولاي الحسن مهمة التنسيق بين المكاتب الخمسة للجيش الملكي؟ الجواب يكمن في الحديث عن هذه المكاتب نفسها، وطبيعة مهامها، وهي كالتالي:
1) المكتب الأول للقوات المسلحة الملكية:
يتولى مهاما رئيسية مثل:
• تنظيم وإدارة الموارد البشرية: الإشراف المباشر على الأفراد العاملين في مؤسسة الجيش.
• التوظيف والتعيينات: الإشراف على عمليات التوظيف والتعيين في مختلف رتب وأسلاك الجيش.
• الترقيات: تسيير مسارات الترقية لمنتسبي القوات المسلحة الملكية.
• تتبع المسارات المهنية: إدارة التكوين وتطوير المسارات المهنية للضباط والجنود.
2) المكتب الثاني للقوات المسلحة الملكية:
هو جهاز الاستخبارات العسكرية، ويقوم بمهام كبرى مرتبطة بجمع المعلومات التي تهم أمن البلاد في كل ما يرتبط بالخارج، عسكريا ومدنيا، ويضم خيرة أطر الجيش الذين يشتغلون في صمت وبعيدا عن الأضواء والضوضاء.. والحديث عن “الدوزيام بيرو” كما يعرفه “العارفون”(..)، لا يمكن أن يمر دون الحديث عن المكتب الخامس (كما سيأتي فيما بعد)، والمديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED)، التي يوجد على رأسها مسؤول مدني رفيع المستوى، مشهود له بالكفاءة، هو محمد ياسين المنصوري، وهو الرجل الذي تولى هذا المنصب بعد 3 جنرالات هم الدليمي والقادري والحرشي(..).
هذا المكتب الثاني له مهام مميزة، ويقوده اللواء عزيز إدريسي يزامي، أهمها:
• الاستخبارات الخارجية: مراقبة الأنشطة ذات الطابع العسكري عبر الحدود؛
• التحليل الاستراتيجي: تحليل المعلومات المرتبطة بالقوات المسلحة الأجنبية لضمان الأمن القومي؛
• التعاون العسكري: المشاركة في اللجان العسكرية المشتركة مع الدول الحليفة؛
• العمليات العسكرية: تقديم التقارير الاستخباراتية للقيادة العامة.

3) المكتب الثالثبالقيادة العامة للقوات المسلحة الملكية:
هناك من يعتبره من أهم المكاتب، غير أن هذا التصنيف مرتبط بتبعيته للمفتش العام، الجنرال دوكوردارمي محمد بريظ، وليس لرئيس أركان الحرب العامة، الذي يوجد في أعلى الهرم(..)، وهو مختص في “العمليات والتكوين” (Operations et Formation)، يتولى دراسة الصفقات العسكرية، وتحليل المعلومات، والإشراف على إعداد وتكوين القوات، وينسق مع باقي المكاتب الاستخباراتية والعملياتية تحت إشراف المفتش العام للقوات المسلحة الملكية..
المكتب الثالث يوجد على رأسه الجنرال عز الدين خليد، وقد تم التعرف عليه بشكل غير مسبوق في مناسبات رسمية ملكية، كالاستقبالات والأنشطة الرسمية في السنوات الأخيرة، حيث تقدم للسلام على الملك محمد السادس، وظهر في مائدة ولي العهد مولاي الحسن(..)، والمسؤول الحالي سبقه إلى المنصب كل من الجنرال بوشعيب عروب، والجنرال محمد بريظ (المفتش العام الحالي)، وقبلهما الجنرال عبد الكريم النجار.
4) المكتب الرابع للقوات المسلحة الملكية المغربية:
هو الجهاز الذي يضطلع بمسؤوليات استراتيجية تشمل الدعم اللوجستي، التموين، وصيانة المعدات العسكرية.. ويوجد على رأس هذا المكتب اللواء العسكري المتخصص في الملاحة الجوية، فؤاد مومن، وهو نفسه الرجل الذي تقلد وساما رفيعا من فرنسا.
هذا المكتب يتولى عمليا مهام:
• اللوجستيك والتجهيز: إدارة سلاسل التموين، الصيانة، والقدرات اللوجستية للقوات الجوية والبرية والبحرية؛
• تطوير القدرات الجوية: يترأس رئيسه وفودا عليا لتفقد صواريخ وأنظمة دفاعية متطورة، والتعاون مع شركات دفاع دولية (مثل لوكيد مارتن) لتطوير طائرات F-16 وC-130H.
• التعاون الدولي: تم توشيح رئيس المكتب الرابع بوسام “الاستحقاق الوطني من درجة ضابط” (من فرنسا) اعترافا بجهوده في تطوير العلاقات العسكرية الثنائية.

5) المكتب الخامس للقوات المسلحة الملكية المغربية:
يعد واحدا من أعرق المكاتب داخل الجيش الملكي المغربي، وهو جهاز “مرعب” لكل من يوجد في صفوف الجيش، بحيث أن واحدة من مهامه هي ضبط السلوك، وحماية البنية البشرية للعسكر، ويوصف بالعين التي لا تنام، وله تاريخ طويل.. حيث تأسس سنة 1956، أي أنه مكتب “الملفات”، وكيف لا يكون ذلك وهو الذي ينسق مع المكتب الثاني، وباقي أجهزة المخابرات(..).
المكتب له أهمية كبيرة، وتعرض لزلزال كبير بعد أن أصدر القائد الأعلى للجيش ورئيس أركان الحرب العامة، قرارا يقضي بإعفاء عبد السلام التامدي من رئاسة هذا المكتب، لكن الصحافة تبقى مجرد صحافة، ولم تتسرب أي معطيات عن خلفيات هذا الإعفاء لرجل مخابرات من الوزن الثقيل، سنة 2018(..).
وعموما، يمكن حصر مهام المكتب المذكور في التالي:
• الاستخبارات الداخلية: مراقبة الانضباط العسكري والسلوك المهني داخل المؤسسة العسكرية؛
• الأمن العسكري: جمع المعلومات عن الجنود والثكنات والوحدات العسكرية، لضمان الولاء والانضباط؛
• التحقيقات: التحقيق في الأخطاء المهنية أو الخروقات الأمنية داخل الجيش؛
• التنسيق الاستخباراتي: يعمل بتنسيق مع المكتب الثاني (المسؤول عن الاستخبارات الخارجية) والمكاتب الأخرى لأركان الحرب العامة.
كل هذه المكاتب الخمسة التي يمتد نفوذها من الجيش إلى المخابرات بجميع أنواعها، حيث لا توجد مؤسسة فوق الجيش، بحكم وجود القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة الملك محمد السادس، في مركز القيادة للجميع، ستصبح تابعة لولي العهد مولاي الحسن، ما يعني أن كل كبيرة وصغيرة ستوضع على مكتبه متى أراد ذلك، ومتى أمر بذلك، بل إن هذا التعيين سيفتح باب الاجتهاد لإرضاء ملك المستقبل، في إطار التقرب من الرضى المولوي، الأمر الذي سيسرع وتيرة العمل، وسيعطيه فعالية أكبر(..).
وقد كان الملك محمد السادس حريصا على “إحضار” المفتش العام محمد بريظ لمراسيم تعيين ولي العهد في منصب منسق مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، الأمر الذي فهم منه إبعاد المفتش العام عن دائرة التأويلات والاتهامات(..)، وكذا ربط المسؤوليات ببعضها، بإشراف ملكي وبرعاية بروتوكولية صرفة، وقد كان بإمكان الملك تعيين ولي العهد دون حاجة للمفتش العام، ولكن الرعاية المولوية تشمل الجميع(..).
ما حدث ليس مجرد تعيين عادي، بل إن السير على عادة الملوك، التي بدأت بإسناد مهمة تنسيق الجيش لمولاي الحسن من طرف السلطان محمد الخامس، أما الحسن الثاني، فقد فوضها لولي العهد سيدي محمد (محمد السادس)، وهذا الأخير فوضها لولي العهد مولاي الحسن، وقد كان التعيين مستوفيا لكافة الشروط الشكلية والتقنية، بما فيها الشكليات البسيطة التي جسدها حضور الفريق أول محمد بريظ، ما يعني أننا أمام مسؤولية حقيقية(..)، والكل يثق بأن ولي العهد أهل لها، لا سيما مع التكوينات والتداريب الصارمة التي يخضع لها بإشراف ملكي، ومن خيرة أطر البلاد، بالإضافة إلى مستواه التعليمي الكبير(..)، أما بحكم انتمائه للجيل الجديد، فهذا التعيين لا يمكن أن يقرأ بمعزل عن التغييرات التي شهدتها جيوش العالم، حيث يخلق الشباب اليوم طفرات صامتة داخل الجيوش التقليدية، بحكم امتلاكهم للتقنيات الحديثة، وبحكم تطور الأسلحة، بشكل حطم كل الأساطير القديمة، وهو ما يمكن أن يفهمه سوى الشباب (..).



