المنبر الحر

المنبر الحر | بين حرية المعتقد واحترام السيادة.. نحو مقاربة متوازنة في تدبير الاختلاف

الحسن العبد
بقلم: ذ. الحسن العبد

 يعد المغرب نموذجا تاريخيا مميزا في التعايش بين مختلف الديانات والثقافات، بشكله الإيجابي الذي يضمن سيادة الدولة المغربية المسلمة، حيث تداخلت عبر قرون روافد حضارية متعددة أسهمت في تشكيل هوية غنية ومتنوعة، طابعها التسامح، بعزة الدولة المسلمة الحاكمة، وفي ظل هذا التنوع، تبرز أحيانا قضايا حساسة تثير نقاشا مجتمعيا واسعا بين مؤيد ومعارض، خاصة عندما يتعلق الأمر بممارسة الشعائر الدينية في الفضاء العام، وهي مرفوضة تماما عند الديانات السماوية الأخرى بينما عند المسلمين فالأرض كلها طهور، وهذا شرع الله في أرضه، وهنا تطرح إشكالية دقيقة: كيف يمكن التوفيق بين ضمان حرية المعتقد من جهة، واحترام سيادة الدولة وقوانينها ورمزية فضاءاتها من جهة أخرى ؟

إن حرية المعتقد تُعد من المبادئ الأساسية التي يكفلها المغرب في إطار دستوره وقوانينه، حيث يُسمح لمختلف الطوائف الدينية بممارسة شعائرها في أماكن مخصصة لذلك، أي المعابد، في احترام تام للنظام العام، وقد سبق لرئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران، أن حضر مع الطائفة اليهودية عند ترميم معبد مدينة فاس اليهودي.. فقد عكس التاريخ الإسلامي هذا التوجه منذ قرون، كما يظهر في مواقف عمر بن الخطاب، الذي حرص عند دخوله القدس على حماية دور العبادة وعدم المساس بها، في دلالة واضحة على ترسيخ قيم التسامح، لكن بعزة المسلمين وعدم وجود تهور لدى اليهود والنصارى.

تتمة المقال تحت الإعلان

غير أن هذه الحرية لا يمكن فصلها عن مبدأ احترام سيادة الدولة وقوانينها، وهو مبدأ معمول به في جميع دول العالم؛ فكما يلتزم المسلمون في بلدان غير إسلامية بالقوانين المنظمة لممارسة شعائرهم، وهم يطلبون من السلطات الحاكمة أماكن لصلاة الجمعة وصلاة العيدين عند عدم شساعة المساجد، يُنتظر بالمثل من غير المسلمين داخل المغرب احترام الخصوصية الدينية والثقافية للمجتمع المغربي المسلم، الذي يتسامح مع الأقليات الدينية بعزة طبعا، وعدم القيام بممارسات بمظهر غير مقبول بتاتا، قد تُفهم على أنها استفزاز أو مساس برمزية بعض الفضاءات التاريخية أو الدينية، كباب دكالة التاريخي الذي يشهد كغيره من الأبواب، وكذا باقي المواقع التاريخية المغربية الأخرى بمختلف المدن، على شموخ الحضارة المغربية العربية الإسلامية.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن الإشكال لا يكمن في جوهر التعدد أو الاختلاف، بل في كيفية تدبيره بشكل متوازن يحفظ كرامة الجميع؛ فالمغرب، الذي عمل على ترميم وصيانة معابد لغير المسلمين وفتح المجال أمامهم لممارسة شعائرهم، يبعث برسالة واضحة، مفادها أن التعايش ممكن لكنه مشروط بروح المسؤولية واحترام الضوابط القانونية وسيادة الدولة المغربية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن هنا، فإن إثارة مثل هذه القضايا ينبغي أن تتم بروح الحوار الهادئ، بعيدا عن التشنج أو إصدار الأحكام المطلقة، لأن أي انزلاق نحو خطاب متوتر قد يؤدي إلى تعميق الفجوة بدل تقريب وجهات النظر.

في نهاية المطاف، يظل التوازن بين حرية المعتقد واحترام سيادة الدولة ركيزة أساسية لضمان الاستقرار المجتمعي؛ فالتعايش الحقيقي لا يقوم على قبول الآخر بتهوره وانتهاكه لحرمات المسلمين، فالضيف مرحب به لكن أن يحترم صاحب البيت ولا ينتهك حرمته، بل أيضا وجب احترام القواعد المشتركة التي تنظم هذا العيش المشترك. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم يظل السبيل الأمثل لتجاوز مثل هذه الإشكالات، بما يحفظ للمغرب تميزه كنموذج للتسامح دون التفريط في ثوابته وهويته، وللمغرب رجالاته بطبيعة الحال، كما قال الحسن الثاني رحمه الله: “لكل جهة بالمملكة المغربية رجالاتها”، وإذا كان لباب دكالة رجالات تبارك الله ما شاء الله، فكذا لباب الفتوح بفاس رجالاته، ولكل باب من أبواب المملكة المغربية رجالاتها.. والفتح الإسلامي على الأبواب إن شاء الله، وستكون القدس عاصمة المسلمين عما قريب، فصبر جميل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى