المنبر الحر | إيران.. بين التيار المحافظ والتيار الإصلاحي


في إيران هناك لازمتان، أي طرف يريد أن ينخرط في السياسة لا بد أن يأخذهما بعين الاعتبار: لازمة ولاية الفقيه ولازمة الأمن القومي، فالتيار الإصلاحي أراد أن يكسر ويخدش ولاية الفقيه فضرب ولم ينجح في معركته، والتيار المحافظ لا يزال يبسط نفوذه إلى غاية بداية الحرب.
الخلاف الحقيقي، أو كلمة السر الحقيقية التي لا يتحدث عنها الإيرانيون علنا، هي الأمن القومي، وبالتالي ليس خلافا داخليا، بل علاقة إيران بالخارج وبالغرب خصوصا، لذلك تولدت فجوة عميقة بين التيار المحافظ والتيار الإصلاحي.
ففي انتخابات 1997، تشكلت نقطة الانطلاق الرسمية للتيار الإصلاحي تحت مسمى “جبهة الثاني من خرداد”، وتزامنت مع وصول محمد خاتمي إلى السلطة وامتد ما سمي آنذاك بـ”عصر الإصلاح” حتى سنة 2005، حيث شهدت هذه الفترة انفتاحا ثقافيا وسياسيا ومحاولات لتعزيز مؤسسات المجتمع المدني. هذا التيار الإصلاحي في إيران يسعى إلى إحداث تغييرات تدريجية في هيكلة السلطة والسياسات العامة ضمن إطار نظام الجمهورية الإسلامية، مع التركيز على الديمقراطية، سيادة القانون، الحريات المدنية وبالخصوص الانفتاح الخارجي، أي نزع فتيل التوتر مع المجتمع الدولي والدعوة إلى تطبيع العلاقات ورفع العقوبات..
لتأتي انتخابات 2009، حيث اشتدت المعركة بين التيار الإصلاحي والتيار المحافظ، أي بين مير حسين موسوي ومحمود أحمدي نجاد؛ هذا الأخير الذي يمثل التيار المحافظ في إيران (الأصوليون) وهو المعسكر السياسي المهيمن المتمسك بمبادئ “ثورة 1979” وولاية الفقيه، يتميز بتشدده في السياسة الداخلية وقيود الحريات، وبتبني سياسة خارجية مناهضة للغرب معتمدا على الحرس الثوري، ويسيطر على مفاصل الدولة الأمنية والسياسية، كما يتميز بتبني “محور المقاومة” ومعاداة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، والتصلب في الملف النووي، ويضع الاقتصاد في خدمة الدولة ورجال الدين، ويتمتع الحرس الثوري بنفوذ كبير فيه ويمثله الآن باقر ذو القدر وسعيد جليلي وإسماعيل قاآني .
فمنذ وصوله إلى السلطة، أعلن أحمدي نجاد الحرب على التيار الإصلاحي ودخل في صدام مباشر مع هاشمي رفسنجاني، عراب الدولة الرأسمالية الحديثة في إيران بعد الثورة، لأن قوة رفسنجاني ليست لأنه كان رفيقا للإمام الخميني وكان من رموز الثورة وكان من الحلفاء الكبار للمرشد خامنئي، بل لأنه منخرط في نسيج البلد؛ إذا تحدثنا عن التعليم فهو التعليم الخاص، المصانع، الهاتف النقال، الاقتصاد، النفط، ليس كشخص ولكن كتيار (رفسنجاني ومن معه( الذي تشكل فيما بعد سنة 1996 “كوادر البناء” أو حزب “كاركزاران”، الذي يعد جناحا يمينيا/ وسطيا، أي حزبا إصلاحيا، وازدادت الفجوة بين التيار المحافظ والتيار الإصلاحي .
أما الرأسمالية التجارية (البازار)، وهي العمود الفقري لما كان يسمى بتيار اليمين التقليدي، فتشكل قوة اقتصادية اجتماعية مؤثرة جدا في السياسة الإيرانية ويحسبون على التيار الإصلاحي.
المعتدلون في اليمين التقليدي مثل لاريجاني وقاليباف، لم تعجبهما سياسة أحمدي نجاد والتيار المحافظ، وخصوصا علاقته بالغرب وسياسته الخارجية، لأنها مشروع مواجهة دائمة، لذلك يرى الكثير من خبراء الشأن الإيراني أن قاليباف رئيس مجلس الشورى في إيران، هو الأقرب لتعويض لاريجاني الفيلسوف الحكيم، لتدبير الشأن الإيراني أو الحفاظ على شعرة معاوية، وربما الانخراط في مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية لما له من علاقات متينة مع جل أطياف التيار الإصلاحي والتيار المحافظ، خصوصا الحرس الثوري الضامن للثورة في إيران .



