تحت الأضواء | كيف تهدد التبعية للخارج الأمن الطاقي للمغرب
بقلم: الحسين بوخرطة
في عالم يُعاد تشكيله على إيقاع الأزمات، لم تعد الطاقة مجرد مورد اقتصادي، بل تحولت إلى لغة سيادة تُكتب بها موازين القوة بين الدول. في هذا السياق المتحول، لا يبدو سؤال الطاقة في المغرب سؤالا تقنيا بقدر ما هو سؤال سياسي عميق: هل تملك الدولة قرارها الطاقي، أم أنها لا تدير سوى مظاهر هشاشته ؟
من الوهلة الأولى، تبدو الصورة مطمئنة: المغرب يُقدَّم كواحد من النماذج الصاعدة في مجال الطاقات المتجددة، وقد تمكن بالفعل من تحقيق اختراقات مهمة، حيث بلغت نسبة القدرة الكهربائية المركبة من مصادر متجددة، حوالي 45 %، كما أن المشاريع الكبرى في الطاقة الشمسية والريحية، وعلى رأسها مجمع “نور”، منحت البلاد موقعا متقدما إقليميا، ورسخت خطابا رسميا يقوم على فكرة “الريادة الطاقية”، غير أن هذه الصورة، على ما تحمله من وجاهة، تخفي في عمقها مفارقة بنيوية حادة؛ فالفحم لا يزال يمثل حوالي 59 % من إنتاج الكهرباء سنة 2024، وأكثر من ثلثي الطاقة المنتجة في البلاد تعتمد على مصادر أحفورية. هنا يتكشف التناقض الصارخ: بلد يستثمر بكثافة في الطاقة النظيفة، لكنه لا يزال رهينا لبنية طاقية تقليدية.
ولا تقف المفارقة عند حدود الإنتاج، بل تمتد إلى بنية الاقتصاد نفسه؛ فمنذ سنة 2015، يعتمد المغرب بشكل شبه كلي على استيراد المحروقات، وهو ما يجعل أمنه الطاقي مرتبطا بشكل مباشر بتقلبات الأسواق الدولية، وقد كشفت المعطيات الرسمية في أبريل 2026، أن احتياطي البلاد لا يتجاوز 51 يوما من الديزل و55 يوما من البنزين، وهو مؤشر دال على هشاشة استراتيجية في مجال يُفترض أنه سيادي، ومع الارتفاع المتكرر لأسعار النفط في سياق الأزمات الجيوسياسية، خاصة في الشرق الأوسط، بلغت فاتورة واردات الطاقة حوالي 11.5 مليار دولار سنة 2025، ما يعني أن جزءً مهما من السيادة الاقتصادية يُحوَّل سنويا إلى الخارج.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم الأمن الطاقي في المغرب إلا باعتباره مجالا تتقاطع فيه مفارقتان: إنتاج متزايد للطاقة النظيفة من جهة، واستمرار تبعية هيكلية للخارج من جهة أخرى. إنها معادلة تختزلها عبارة مكثفة: المغرب يُنتج طاقة نظيفة، لكنه يستهلك سيادة مستوردة.
وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: أين يكمن الخلل ؟
الجواب لا يرتبط بندرة الموارد، بل بطبيعة النموذج المعتمد، فالمغرب يتوفر على إمكانات طبيعية استثنائية في مجال الطاقة الشمسية والريحية، وقد نجح في استقطاب أكثر من 38 مليار دولار من الاستثمارات، ويطمح إلى بلوغ 52 % من الطاقات المتجددة بحلول سنة 2030، غير أن هذا التراكم الكمي لم يُواكَب بتحول نوعي في بنية المنظومة الطاقية.
القصور الجوهري يتجلى في ثلاث مستويات مترابطة: غياب منظومة فعالة لتخزين الطاقة، ضعف التحكم في سلاسل القيمة الصناعية، واستمرار التبعية للخارج في التكنولوجيا والوقود، بهذا المعنى، يمكن القول إن المغرب ركّز على إنتاج الطاقة أكثر مما ركّز على التحكم فيها، وهو ما يجعل منجزاته، على أهميتها، أقرب إلى “نجاحات تشغيلية” منها إلى “تحولات سيادية”.
فالأمن الطاقي، في جوهره، لا يُقاس فقط بكمية الطاقة المنتجة، بل بمدى التحكم في مساراتها، إنتاجا، تخزينا، توزيعا، وتكنولوجيا، ومن هنا، فإن الانتقال نحو سيادة طاقية حقيقية يمر عبر ثلاث تحولات عميقة: أولها؛ الانتقال من منطق الإنتاج إلى منطق التحكم، من خلال الاستثمار في التخزين والشبكات الذكية والهيدروجين. ثانيها؛ تحويل الطاقات المتجددة إلى رافعة للسيادة الصناعية عبر تطوير صناعة محلية للمعدات والتكنولوجيا. وثالثها؛ الارتقاء بملف الطاقة إلى مستوى القرار السيادي المرتبط بالأمن القومي.
وفي غياب هذه التحولات، يظل خطر صامت يتسلل إلى النموذج المغربي، خطر التحول إلى “مزرعة طاقية” تُنتج الطاقة النظيفة لفائدة الخارج دون أن تضمن استقلالها الداخلي؛ هذا الخطر يتغذى من مشاريع الربط والتصدير، التي تطرح سؤالا حرجا: هل المغرب ينتج الطاقة لنفسه، أم للآخرين، خاصة في ظل تحذيرات دولية من تحول شمال إفريقيا إلى مزود للطاقة النظيفة لأوروبا، في مقابل استمرار الاعتماد الداخلي على الطاقات الأحفورية ؟
استراتيجيا، لا يمكن الجمع بين موقع “مُصدِّر للاستدامة” وواقع “مستورد للتبعية”؛ فالدول التي تتحكم في طاقتها تتحكم في قرارها، أما تلك التي تفتقد ذلك، فتظل تدير هشاشتها مهما رفعت من شعارات الانتقال الطاقي.
في هذا السياق، تبدو المقارنة مع تجارب دول مثل تركيا وإسبانيا دالة، فهذه الدول لم تكتف بتطوير قدراتها الإنتاجية، بل ركزت على بناء منظومات صناعية متكاملة، والتحكم في التكنولوجيا، وتنويع مزيجها الطاقي، وهو ما يفرض على المغرب تبني نموذج مرن يجمع بين الواقعية والطموح، من خلال تنويع مصادر الطاقة (غاز، فحم، متجدد، كهرومائي، وربما نووي مستقبلا)، مع الاستثمار في صناعة وطنية قادرة على تقليص التبعية.
في هذا الإطار، تبرز الشراكات الدولية كرافعة أساسية، لكنها تظل سلاحا ذا حدين؛ فالشراكة مع الاتحاد الأوروبي تفتح آفاق التمويل والتكنولوجيا، خصوصا في مجال الهيدروجين الأخضر، في ظل سعي أوروبا إلى استيراد 10 ملايين طن بحلول سنة 2030، كما تمثل ألمانيا شريكا تقنيا متقدما في مجالات التحول الطاقي والتخزين، بينما توفر إسبانيا فرصة للتكامل الإقليمي والربط الكهربائي، وتساهم فرنسا والمؤسسات المالية الدولية، في تمويل المشاريع الكبرى وتقليل المخاطر الاستثمارية.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الشراكات لا تكمن في حجم التمويل، بل في قدرتها على نقل التكنولوجيا وبناء الصناعة، فليست كل شراكة مفيدة بالدرجة نفسها؛ هناك شراكات تعمق التبعية، وأخرى تؤسس للسيادة.
وفيما يتعلق باستيراد التكنولوجيا، يتوزع المشهد العالمي بين قوى متعددة: الصين باعتبارها “مصنع العالم الطاقي” المسيطر على 70 إلى 80 % من سلاسل إنتاج الطاقة الشمسية، وألمانيا كمرجعية في الجودة والتكنولوجيا المتقدمة، والدنمارك كقوة رائدة في طاقة الرياح عبر شركة Vestas، والولايات المتحدة في مجال الشبكات الذكية والذكاء الاصطناعي، وإسبانيا كشريك إقليمي، وكوريا الجنوبية واليابان في تكنولوجيا البطاريات، والتحدي هنا ليس في اختيار طرف واحد، بل في بناء نموذج متعدد الشراكات يوازن بين الكلفة، والتكنولوجيا، ونقل المعرفة.
وانطلاقا من أن الطاقة لا تُستورد بل تُبنى صناعيا، فإن تحقيق السيادة الطاقية يقتضي مسارا تدريجيا واضح المعالم: في المرحلة الأولى (إلى حدود 2030)، يتعين التركيز على تأسيس قاعدة صناعية أولية في مناطق مثل طنجة والقنيطرة وورزازات، لتصنيع مكونات الطاقة الشمسية، وتجميع الألواح، وتطوير صناعة الرياح، وإطلاق إنتاج أولي للبطاريات، مع إحداث مناطق صناعية طاقية مدعومة بحوافز قوية، وفي المرحلة الثانية (2030-2035)، يصبح الهدف هو الانتقال إلى التصنيع العميق عبر فرض نسب إدماج محلي (40 % ثم 60 %)، وتصنيع الخلايا الشمسية، وتطوير أنظمة التخزين، وتعزيز الاستثمار في الهيدروجين الأخضر، أما المرحلة الثالثة (2035-2040)، فتروم تحقيق السيادة التكنولوجية من خلال الاستثمار في البحث العلمي، وإنشاء معهد وطني للطاقة والتخزين، وتطوير حلول مغربية في مجال البطاريات والشبكات الذكية.
ولضمان نجاح هذا المسار، يبقى الإطار التشريعي عنصرا حاسما، من خلال اعتماد قانون للسيادة الصناعية الطاقية، يؤطر الإدماج المحلي، ويواكب إصلاح منظومة التكوين، ويحفز القطاع الخاص، ويدعم المقاولات الوطنية.
في الخلاصة، يقف المغرب اليوم أمام معادلة دقيقة: طموح مشروع في الريادة الطاقية، مقابل تبعية بنيوية لم تُحسم بعد، والرهان الحقيقي لا يكمن في مضاعفة المشاريع، بل في إعادة تعريف موقع الطاقة داخل المشروع الوطني: من قطاع اقتصادي إلى ركيزة للسيادة.
ففي عالم اليوم، لا يكفي أن تنتج الطاقة النظيفة، بل يجب أن تتحكم فيها، وتخزنها، وتُصنّعها، وتصدرها وفق شروطك، وإلا ستظل خارج معادلة القوة، تستهلك ما ينتجه الآخرون، وتبيع ما لا تتحكم فيه، وهنا يتحدد السؤال الحاسم: هل يريد المغرب أن يكون قوة طاقية، أم مجرد فاعل داخل منظومة الآخرين ؟



