متابعات | عودة الترحال السياسي وظاهرة الأعيان من باب صراع المصالح والتزكيات

مع اقتراب العد العكسي للانتخابات التشريعية والجماعية في شهر شتنبر المقبل، عادت ظاهرة الترحال السياسي للواجهة وللنقاش العمومي، باعتبارها من الإشكاليات التي تعاني منها المنظومة الحزبية على الصعيد الوطني، وتزيد من ضعف وهشاشة البنية الحزبية والعلاقة بين السياسيين والناخبين وتؤدي إلى فقدان الثقة في المؤسسات الحزبية.
إعداد: خالد الغازي
أصبحت ظاهرة الترحال السياسي عادة موسمية مع اقتراب المشهد الانتخابي والاستحقاقات التشريعية والجماعية، بحيث لم تعد مجرد حركة انتقالية للمنتخبين بين الأحزاب السياسية، بل أصبحت تعبيرا عن أزمة بنيوية داخل الأحزاب تهمّ التكوين والالتزام وعلاقة الفاعل السياسي بالمرجعية الحزبية أو البرنامج السياسي وبالمواطن، إذ يصبح الطموح لدى السياسي هو الحصول على التزكية والبحث عن فرصة أخرى للاستمرار في المنصب والمقعد البرلماني أو رئاسة مجلس جماعي، الشيء الذي يؤدي إلى خلق أزمة ثقة بين المجتمع والأحزاب. فعندما يرى المواطن أن بعض النواب ينتقلون بين الأحزاب بسهولة، فذلك يرسخ لديه فكرة أن السياسة مجال نفعي، وأن الانتماء مجرد قناع.
وتعرف الساحة السياسية اليوم حركة ترحال مكثفة للمنتخبين الصغار والكبار، وتحركات فردية وجماعية من حزب إلى آخر، بهدف التموقع والتنسيق من أجل ترتيب الأوراق وتنظيم الصفوف قبل دخول الانتخابات المقبلة، فبينما قررت وجوه سياسية إعلان رحيلها عن أحزابها، فضلت أخرى إجراء مشاورات واتصالات للبحث عن موقع لها، فيما تروج قيادات سياسية احتمال انتقالها إلى أحزاب منافسة للبحث عن فرصة للوصول إلى مناصب مسؤولية، أو الظفر بحقيبة وزارية، الشيء الذي سيجعل وتيرة الانتقالات والاستقالات تتصاعد في الأشهر المقبلة.

في هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية غسان المراني، أن الترحال السياسي مسألة خاصة لدى الأحزاب في الانتخابات، نفسرها بغياب الانتماء الحزبي والتسابق نحو التزكيات التي سيمنحها كل حزب لوكيل اللائحة، ومن جهة ثانية تسابق حول الأعيان ورجال الأعمال استنادا إلى إمكانياتهم المادية أو نفوذهم القبلي والاجتماعي للحصول على المقعد البرلماني، وهذا ما يزيد من تكريس غياب الهوية الحزبية أو الانتماء والانضباط الحزبي، وهذه الإشكالية تسائل الأحزاب التي تتسابق على الانتخابات، وبالتالي انتقال هذا المرشح أو المنتخب من حزب إلى حزب الآخر، والعكس صحيح، وتسائل أيضا المعنيين بالانتخابات بحيث أصبحنا أمام هذه الظاهرة التي لم يمنعها القانون، لأن حرية الترشح تبقى مبدأ وكل منتخب تنتهي ولايته مع حزب معين ينتقل للترشح مع حزب آخر، لهذا فالمسألة تتجاوز ما هو قانوني.
وأكد المراني أن هذه الظاهرة تعتبر إشكالا حقيقيا نعيشه في الحقل السياسي والحزبي، فوضعية الواقع الحزبي لا تتلاءم مع المقتضيات الدستورية والقانونية، لأن ما يحدث انعكاس لتردي العمل الحزبي، وبالتالي نحن أمام أحزاب انتخابوية تتسابق على تزكية شخصيات قد تضمن لها مقاعد، وهذا يفرغ الانتخابات من مضمونها، ويجعلها “مشخصنة” عبر التزكية والتصويت على الشخص القادر على الحصول على المقعد، معتبرا أن الظاهرة تزيد من فقدان الثقة في العمل الحزبي لدى الشباب، بحيث أن الشباب لا يميز بين أحزاب الحركة الوطنية وأحزاب اليسار والأحزاب التي تسمى “الإدارية”، فبالنسبة له كل الأحزاب في خانة واحدة قبل الحديث عن الظاهرة التي تساهم في تعميق الإحساس بأنه لا جدوى من المشاركة في الانتخابات، بالإضافة إلى عدم تجديد النخب وتمديد الولايات في حالات معينة واستمرار جيل معين ودوران نفس النخب السياسية على مستوى المؤسسات المنتخبة والبرلمان والحكومة، وهذا يزيد من الشعور وتذمر الشباب من الفعل الحزبي ومن جدوى الانتخابات، قائلا: “ستكون هناك مشاركة نوعية للشباب في الانتخابات المقبلة، نظرا لمجموعة من العوامل التاريخية والموضوعية، وما يزيد ذلك، ما يحدث في الساحة السياسية”.
وبالنسبة لانتقال بعض الوجوه السياسية المعروفة من حزب إلى آخر (خيرات نموذجا)، أوضح نفس المتحدث بأن ما يقال إن خيرات انتقل إلى حزب يتقاسم نفس التصورات وينتمي إلى المدرسة اليسارية، أن القيادي الاتحادي السابق انتقل من حزب تحول إلى حزب للأعيان خلال العشر سنوات الأخيرة قريب من اليمين، إلى حزب كل منتخبيه هم من الأعيان ولا علاقة لهم باليسار، وهذا يختلف عن ظاهرة الانتقال من أحزاب الأصالة والمعاصرة والأحرار، وهنا نتكلم عن لون سياسي واحد وليس بانتقال، متسائلا: ما الذي يميز هذه الأحزاب الممثلة في البرلمان سياسيا وإيديولوجيا؟ فلا يوجد خيط فاصل أو تمايز ما بينها مما يجعل طرح السؤال: كيف لشخص كان في حزب معين أو منتخبا بلون حزبي أن ينتقل إلى حزب آخر، وفي نهاية المطاف ليست هناك اختلافات فكرية ولا سياسية ولا إيديولوجية فيما بينها، مما يفسر هذه السلاسة في الانتقال وفي الترشح؟

من جانبه، اعتبر المحلل السياسي مراد الغالي، أن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية يشكل لحظة كاشفة لطبيعة الصراع داخل النخب السياسية، ومحطة لعودة ظاهرة “الترحال السياسي” كأحد أبرز ملامح المشهد السياسي المغربي، وبالرغم من أن هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، إلا أنها اكتست في السنوات الأخيرة طابعا مثيرا للجدل، كونها تضع “المبدأ الإيديولوجي” في مواجهة مباشرة مع “المنفعة الانتخابية”. وفي المشهد المغربي، لا يقتصر الترحال على مجرد تغيير للانتماء، بل هو انعكاس لصراع خفي بين رغبة الأحزاب في فرض هيمنتها المؤسساتية، وبين رغبة “الأعيان” والفاعلين المحليين في الحفاظ على مقاعدهم بأي ثمن، مضيفا أن المشرع المغربي قطع شوطا هاما لمحاصرة هذه الظاهرة، حيث تم إدراج مقتضيات صريحة في القوانين التنظيمية المتعلقة بانتخاب أعضاء مجلس النواب، تهدف إلى الحد من ظاهرة “تغيير الانتماء الحزبي” في اللحظات الأخيرة، وقد جاءت هذه القوانين لتعكس إرادة الدولة في تعزيز استقرار الأحزاب السياسية وحماية الإرادة الشعبية من التضليل، بحيث أصبح الانتقال من حزب إلى آخر في فترات حرجة من الدورة الانتخابية يواجه عوائق قانونية تهدف إلى منع “تجارة المقاعد”، هذا التوجه القانوني كان يطمح إلى تحويل الحزب من مجرد “مظلة تقنية” للترشح إلى مؤسسة تربوية وسياسية تبني كوادرها على أسس الوفاء للبرنامج.
وأكد الغالي أن “الروح الترحالية” لا تزال حاضرة، لكنها اتخذت أشكالا أكثر دهاء للالتفاف على المنع القانوني، ففي كثير من الحالات، يتم الترحال في فترات زمنية تسبق السقف القانوني للمنع، أو يتم عبر تحالفات “غير معلنة” تضمن للمرشح “القوي” (صاحب النفوذ المالي أو القبلي) التزكية في الحزب الأكثر حظا. هذا التناقض يشير إلى أن العلة ليست قانونية فحسب، بل هي علة بنيوية مرتبطة بهيمنة “منطق الأعيان” على “منطق البرامج”. ففي العديد من الدوائر الانتخابية المغربية، لا يزال الناخب يصوت لـ”الشخص” لا لـ”الحزب”، مما يجعل المرشح يشعر أن قوته تكمن في شخصه لا في انتمائه، وبالتالي يصبح الحزب مجرد “وسيلة عبور” نحو البرلمان. وفي المقابل، تتحمل الأحزاب السياسية جزء كبيرا من المسؤولية في تكريس هذه الظاهرة، فبدلا من الاستثمار في تكوين شباب مخلصين لمشاريعها الفكرية، تهرع العديد من الأحزاب قبيل الانتخابات إلى “صيد” المرشحين الجاهزين الذين يمتلكون قواعد انتخابية مضمونة، حتى لو كان هؤلاء قد قضوا أمسهم في أحزاب منافسة، هذا “السلوك الانتهازي” من طرف القيادات الحزبية يفرغ القانون من محتواه؛ فكيف يمكن محاربة الترحال السياسي بينما الأحزاب نفسها هي من تغري “الرحالة” بالترشيح المباشر مقابل ضمان المقاعد؟ إن هذا التواطؤ الضمني يحول العملية الانتخابية من منافسة بين مشاريع مجتمعية إلى “سوق للمقايضات” السياسية.
وقال ذات المتحدث إن معركة محاربة الترحال السياسي في المغرب لا يمكن أن تربح فقط عبر النصوص التشريعية والزجر القانوني، لأن القانون يعالج “العرض” ولا يعالج “المرض”، إن الحل الحقيقي يكمن في إحداث قطيعة مع “الزبونية السياسية” وتفعيل ديمقراطيات داخلية حقيقية داخل الأحزاب، بحيث تكون التزكية مبنية على الكفاءة والالتزام لا على النفوذ المالي، وبدون تحول عميق في الثقافة السياسية للمرشحين، وفي وعي الناخب المغربي بضرورة التصويت للبرامج لا للأشخاص، سيبقى الترحال السياسي “ثقبا أسود” يبتلع الثقة في المؤسسات الحزبية، ويجعل من القوانين مجرد حواجز ورقية يتجاوزها البراغماتيون بمرونة فائقة.
وبالرغم أن القوانين التنظيمية تمنع الانتقال من حزب إلى آخر خلال فترة زمنية قريبة من موعد الاستحقاق، أو ربط شرعية التغيير بإجراءات داخلية داخل الحزب نفسه، إلا أن الإطار التشريعي يبقى محدودا في الواقع السياسي، لأن الانتقالات تتم قبل الدخول الرسمي في الانتداب، أو عبر استقالات مسبقة أو انتقالات داخل الأحزاب من مدينة إلى مدينة أو دائرة إلى أخرى، أو الانتقال من حزب يساري إلى آخر يميني مثلا، واختيار انتماء سياسي لا علاقة له بالخطاب والفكر السياسي، مما يبرز خللا في مستوى التطبيق في ظل غياب الالتزام الأخلاقي، لا سيما أن الترحال السياسي يؤثر على علاقة السياسي بالناس الذين انتخبوه، وتصبح هذه الحالة شكلا من الخيانة الانتدابية، أو خديعة الناس وعدم الالتزام بالتمثيل السياسي الحر، وصورته أمام الساكنة التي يمثلها في كل مرة بلون سياسي معين.
من جهة أخرى، تطرح ظاهرة الترحال السياسي أكثر من سؤال حول مدى التزام الفاعل الحزبي بالانتماء السياسي والإيديولوجي، وعلاقته بالعزوف الانتخابي لدى فئة كبيرة من المجتمع، لا سيما في ظل الحديث عن كون جميع الأحزاب متشابهة وأن جل الفاعلين السياسيين لهم نفس التوجه والفكر المتعلق فقط بالبحث عن المصلحة الخاصة عوض الترافع عن قضايا ومشاكل المواطنين الاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى أن الترحال السياسي يساهم في الإساءة إلى الممارسة السياسية لدى فئة الشباب و”جيل زد” بالخصوص، الذي خرج في احتجاجات ميدانية للتعبير عن رفضه للحالة السياسية التي وصلت إليها البلاد، محملا المسؤولية للأحزاب السياسية كلها.
وقد أفاد تقرير تحليلي صادر عن مركز المؤشر للدراسات والأبحاث، تحت عنوان: “من الانحباس السياسي إلى سيناريوهات ما بعد 2026″، أن ظاهرة الترحال السياسي تشكل إحدى أبرز مظاهر التآكل التنظيمي التي تعاني منها الخريطة الحزبية، ويضرب المشهد السياسي، ويقوض مبدأ الاستقرار المؤسساتي، ويهز مصداقية الأحزاب لدى المواطنين، بحيث أن المعطيات تفيد أن أكثر من 30 في المائة من البرلمانيين غيروا انتماءهم الحزبي في الفترة ما بين 2016 و2021، وهو رقم مقلق يعكس هشاشة الولاء الحزبي وضعف البنية الأخلاقية للمنظومة السياسية، مؤكدا أن هذا النزيف التنظيمي يتغذى من عوامل أخرى، مثل ضعف عقد المؤتمرات، غياب التداول الديمقراطي الداخلي، وهيمنة الزعامات على القرار، وهي كلها مؤشرات على فراغ العمل الحزبي من محتواه التعددي، مضيفا أن البنية الحزبية المغربية اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن تنخرط في عملية تجديد عميق وشامل يعيد لها دورها كوسيط بين الدولة والمجتمع، أو أن تواصل مسار التآكل التدريجي الذي قد يفتح الباب أمام أشكال غير ديمقراطية من التمثيل.
واعتبر نفس التقرير أن الأحزاب التاريخية لم تنخرط بعد في مراجعة نقدية حقيقية لتجاربها، ولم تقدم عرضا سياسيا جديدا يلامس اهتمامات المواطن، فيما فشلت الأحزاب الصاعدة في إثبات جديتها خارج منطق استغلال الظرفية، ومع اقتراب انتخابات 2026، يبدو أن الخريطة الحزبية تتجه لإعادة التشكل وفق منطق النتائج والمشروعية التدبيرية، لا المرجعية التاريخية، وهو ما يجعل الاستحقاق المقبل محطة مفصلية لإعادة تعريف معنى الحزب السياسي في المغرب.



