المنبر الحر | حتى لا تكون الديمقراطية مجرد وهم


إن أهمية الأحزاب السياسية بالنسبة للديمقراطية، لا تتجسد فقط في ارتباط ميلاد هذه المؤسسات السياسية بالديمقراطية، كما أنها لا تتجسد في أدوارها ومهامها المرتبطة بالتنشئة السياسية والتحديث السياسي، بل إنها تتجسد بشكل كبير في كون إعمال الديمقراطية، المشروط باحترام مجموعة من المبادئ والقواعد والتدابير، يعتمد بصورة أساسية على دور ووظيفة الأحزاب السياسية، ذلك أن أي حديث عن إعمال الديمقراطية يعني بالضرورة حديثا عن إعمال مجموعة من القواعد وتكريس مجموعة من المبادئ والقيم التي توجهها وتستتبعها، والتي تعتبر أسسا لها، حيث أن إعمال هذه القواعد وتكريس هذه المبادئ، هو المعيار والفيصل للحكم على ديمقراطية الأنظمة، فعلى هذا المستوى تبرز بشكل جلي حاجة الديمقراطية إلى الأحزاب السياسية، على اعتبار أنها الأدوات الشرعية التي تعتمد عليها الأنظمة في عملية تكريس وإعمال المبادئ الديمقراطية.
فالديمقراطية، باعتبارها مفهوما يتأسس على مبدأ حكم الشعب أو السيادة الشعبية، يتطلب وجود الأحزاب السياسية، ذلك أن هذا المبدأ الذي يعتبر غاية الديمقراطية الرئيسية، والذي يعني بأن الحاكمية لا تكون إلا للشعب، حيث يجب أن يكون الشعب هو مصدر جميع الصلاحيات في الدولة، لا يتجسد إلا من خلال مشاركة المواطنين في العمليات الديمقراطية، أي في الانتخابات؛ هذه المشاركة التي تضفي الشرعية على مؤسسات الدولة، وتعطي لقرارات هذه المؤسسات المشروعية، إذ يكون تشكيل هذه المؤسسات قد جرى بواسطة الشعب، ولا يكون للأفراد الذين يتواجدون على رؤوسها غير سلطة تدبيرها، ولكن بصورة تحترم القانون، الذي نص على إحداث هذه المؤسسات وأطر اختصاصاتها، بمعنى أنها تحترم الدستور، فالواقع يبين أن كل الديمقراطيات العصرية هي ديمقراطيات دستورية، حيث يلعب الدستور دور المنظم والضامن: المنظم الذي ينظم العلاقات بين المواطنين والمؤسسات، والضامن الذي يضمن الاختصاصات والحقوق والحريات، بما فيها حرية ممارسة السياسة، التي لا تستقيم إلا بوجود الأحزاب السياسية.
في نفس الإطار، ونظرا لأنه لا يمكن تحقيق الديمقراطية في غياب نظام حزبي متعدد، حيث يتنافس الجميع من أجل الوصول للسلطة، فإنه لا يمكن تصور قيام نظام ديمقراطي لا يضمن وجود الأحزاب السياسية، ولا يوفر شرط التنافسية بينها بصورة تكون معها إمكانية وصول أي حزب وكل حزب للسلطة إمكانية متاحة، كما أنه لا يمكن تصور قيام نظام ديمقراطي في بلد ما إلا في ظل جو تسوده الحرية، ليكون مفهوم الديمقراطية بهذا المعنى رديفا في معناه لمفهوم الحرية بكل صورها، وعلى رأسها حرية الاختيار، وحرية التعبير، ونظرا لأن ممارسة المواطنين لهذه الحريات تؤدي بالضرورة إلى بروز اختلافات بينهم، فإنه لا بديل عن الأحزاب السياسية من أجل تدبير هذا الاختلاف، على اعتبار أنها المؤسسات السياسية القادرة، بل المحدثة أصلا بغاية احتواء وتدبير مجموع الاتجاهات والتصورات الفكرية والسياسية المختلفة داخل المجتمع الواحد.
ولئن كان جوهر الديمقراطية هو التداول السلمي على السلطة بصورة تضمن تناوب الطامحين إلى السلطة على ممارسة السلطة، فإن تحقيق هذه الغاية يحتاج إلى تدابير وإجراءات تنظمه، وإلى شروط تضمنه، إذ لا يمكن تصور تحقق التداول السلمي على السلطة من دون إجراء انتخابات تنافسية، فما يمنح للتداول معناه ومشروعيته، هو نزاهة وشفافية وتنافسية التمارين الديمقراطية، حيث لا يمكن تكريس هذا المبدأ في غياب الأحزاب السياسية باعتبارها التنظيمات الشرعية التي تتمتع بشرعية التمثيل، على أساس العلاقة التي تجمعها بالناخبين، والتي تعتبر مهمة جدا في جميع الأنظمة الديمقراطية، إذ تسمح هذه العلاقة ببلورة وتأطير البدائل والتصورات السياسية المختلفة والمتنافسة على السلطة.
بناء عليه، فإن وجود الأحزاب السياسية هو نتيجة طبيعية لترسيخ أي نظام ديمقراطي، لأنها تساهم في بناء الأسس الديمقراطية عبر ضمان وتأطير المشاركة السياسية لعموم المواطنين، وبالتالي، فإن أي طموح إلى إمكانية إعمال الديمقراطية من خلال تقويض حضور ووظائف الأحزاب السياسية، هو مجرد “وهم” كما قال الفيلسوف النمساوي هانس كيلسن.



