المنبر الحر

المنبر الحر | الولايات المتحدة الأمريكية وسياسة الإخضاع غير الرحيمة

بنعيسى Benisa
بقلم: بنعيسى يوسفي

 إذا كان من أمر أظهرته الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وحليفتها الاستراتيجية إسرائيل على إيران، وأماطت عليه اللثام، ولمن لا زالت تراوده بعض الشكوك في قوة وعظمة أمريكا بالتحديد في جميع المجالات، فهو بدون شك أن قيادة العالم في يد هذه القوة العظمى أمر لم يعد يحتاج لتفسير أو بيان، وليس هناك على وجه البسيطة أي قوة يمكن أن تقف في وجهها، وأن خرافة الثنائية القطبية قد ولّت إلى غير رجعة، ثم إن الهندسة السياسية لهذا البلد وطرق تعامله، مع الحلفاء والأعداء، دقيقة ومضبوطة ومدروسة ومحسوبة، ولا تقبل الجدال، وتنسج وفق آليات خطيرة لا مجال فيها للمساومة أو للعاطفة، مصلحته أولا وأخيرا، فإذا كانت هناك دولة في العالم تستلهم بشكل كبير المذهب البراغماتي بحذافيره وتعرف كيف تحافظ على مصالحها بأي طريقة من الطرق، فهي الولايات المتحدة، فتارة تستعمل الورقة الاقتصادية للضغط، سواء على المنافسين أو الحلفاء، وتارة تحرك النعرات وتدعم إحدى الفصائل المتناحرة، وتارة تخلق مشاكل داخلية لدولة مناوئة لسياستها، أو تدعم استقلال إقليم عن دولته الأم (مثلا التايوان مع الصين)، فمن الصعب جدا ألا تجد بصمة هذه الدولة في كل مشاكل العالم كما في كل الحلول التي قد تضع حدا لبعض الصراعات الإقليمية (مثلا قضية الصحراء المغربية)، أو الدولية مثل حرب روسيا وأوكرانيا، بل في مفارقة غريبة، تجدها تؤسس لمجلس سلم عالمي يرمي إلى حل النزاعات في العالم وهي في ذات الوقت تشن حروبا ضارية على خصومها، وهنا تكمن القوة السياسية لهذا البلد، فهذه الثنائية الخطيرة التي تتقنها هي التي تجعلها حاضرة في كل قضايا العالم، كما أن لغة التهديد والرغبة الجامحة في التوسع أو تغيير الأنظمة وإخضاعها سلميا أو بأقل الخسائر كما في فنزويلا، أو بالحديد والنار كما يحدث الآن في إيران. إيران التي صمدت في وجه التهديدات الأمريكية منذ نجاح الثورة الخمينية سنة 1979 إلى اليوم، طالما أن الحرب لم تضع أوزارها بعد ولم تكشف بعد عن كل أسرارها، وبعد مسار طويل ومعقد من المفاوضات التي لم تفض إلى أي نتيجة، وبعد العقوبات الخطيرة التي فرضت عليها على مدار ثلاثة عقود أو أكثر، والتي أثرت سلبا على كل المجالات في هذا البلد، وبعد الكثير من القلاقل والفتن الداخلية والإضرابات والمظاهرات التي كان الرهان من ورائها هو زرع الفوضى في البلاد وإسقاط نظام الملالي بطريقة ناعمة، وبعد كل الاغتيالات التي استهدفت شخصيات عسكرية ومدنية مهمة في حرب الإثني عشر يوما الأخيرة، وبعد قصف المحطات النووية وغير ذلك، لم تستسلم إيران رغم قوة وتداعيات كل الضربات القاتلة، وظلت تقاوم وتتحدى جبروت وشطط الولايات المتحدة وإسرائيل، وأعطت للعالم درسا بليغا في الصمود وعدم الانبطاح رغم الأزمة والحصار المضروب عليها من كل جانب، الشيء الذي يدل على أن هذا البلد له قدرة خارقة على التعايش مع الأزمات واسترجاع الأنفاس وتدبير أموره وفق الإمكانيات المتاحة، وهذا بالضبط ما جعل أمريكا وإسرائيل، بعدما اقتنعتا بأن كل السبل التفاوضية والتهديدات الشفهية، لم تفض إلى أي نتيجة، تأخذان قرار شن حرب شعواء مباشرة عليها في هذا الوقت بالذات، بعدما تأكدتا بأن الدولة باتت تعيش حالة إنهاك، وعزلة دولية قاتلة، وأوراقها أصبحت مكشوفة نتيجة التغلغل الاستخباراتي الذي عرفته كل أجهزتها تقريبا، وتم اغتيال رموز الدولة وقيادييها الكبار، في مسعى لإرباك الدولة من البداية لخلخلة موازين قواها، وزعزعة الاستقرار فيها في أفق تغيير النظام، للحفاظ على أمن إسرائيل في المنطقة وتحييد الخطر الذي يمكن أن يأتي منها كما كان الحال مع العراق في وقت سابق.

لقد تم توريط روسيا في حرب استنزاف مع أوكرانيا، إذ يبدو أنها إلى اليوم غير قادرة على الخروج من هذا المستنقع الآسن بعد مرور أربع سنوات، ولا زالت تنتظر الوساطة الأمريكية في هذا الشأن، مما يفسر حيادها في هذه الحرب، رغم أنه، حسب ما نعرف، أن إيران حليفتها، والصين لم تنبس بكلمة باستثناء ما يروج حول عقدها لصفقات عسكرية مع إيران لتزويدها بأسلحة متطورة.. لكن كل ذلك لا يخفي توجسها من الرد الفعلي الأمريكي حيالها على ذلك؛ كل هذا يجعل إيران تواجه مصيرها لوحدها، أما باقي دول العالم، فهي فقط تلعب دور المتفرج والمراقب والمترقب، لأنها خاضعة للسياسة الأمريكية، ولأن جلها تكن عداء دائما لإيران؛ فجميع القوى العظمى التي يمكن أن تدعم إيران في هذه الحرب غارقة في مشاكلها الداخلية، وحتى التي تعيش أزهى أيامها، لا تستطيع التدخل المباشر، وكل ما تستطيع القيام به هو دعواتها لوقف الحرب حقنا للدماء، والعودة إلى طاولة المفاوضات، لكن يبدو أن الوقت قد فات على ذلك كما صرح الرئيس الأمريكي، ما يعني أننا مقبلين على أيام أخرى عصيبة من الحرب، حتى يتم تحقيق الأهداف المرجوة من ورائها، فالولايات المتحدة تنظر الآن إلى ما بعد انتهاء الحرب، وكيف سيكون الوضع، وحتى إذا أظهرت إيران جدية في رغبتها في المفاوضات، فمن دون شك ستكون وفق الشروط الأمريكية، وهذا في حد ذاته هزيمة سياسية لإيران، لأن الهدف الحقيقي من هذه الحرب في النهاية هو إخضاع إيران للهيمنة الأمريكية، واستئصال كل أنيابها، وبالتالي، لن تعود لها القدرة على أن تشكل خطرا ليس على إسرائيل وأمنها وحسب، بل حتى على بعض الدول العربية المجاورة، التي لطالما رأت في إيران عدوا حقيقيا يجب تأقليم أظافره وتقزيم نفوذه وتوسعه في المنطقة.
يتفق جل المحللين أن هذه الحرب حرب مفصلية في تاريخ الحروب وفي تاريخ المنطقة، وكيفما كانت نتائجها فإنها ستتمخض عنها العديد من التبعات والتطورات التي ستهم المنطقة، إيران ستكون بلا ريب الخاسر الأكبر، وأمريكا ستعيد من دون مواربة إعادة تشكيل خريطة المنطقة وتركيز نفوذها أكثر فيها بجوار آبار النفط الغنية .

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى