المنبر الحر

المنبر الحر | استعمال الذكاء الاصطناعي في التشريع  

مراد علوي
بقلم : مراد علوي
رئيس المركز المغربي للدراسات القانونية و الإجتماعية و تحليل السياسات

  أضحى الذكاء الاصطناعي أحد أبرز ملامح التحول البنيوي الذي يشهده العالم اليوم، بالنظر إلى ما يتيحه من إمكانات واسعة لإعادة تشكيل أنماط التفكير، وطرائق تدبير الشأن العام، وآليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية والإدارية، ولم يعد النقاش حول هذه التكنولوجيا مقتصرا على أبعادها التقنية أو الاقتصادية، بل امتد ليشمل إشكالات قانونية وأخلاقية عميقة، تتصل بحماية الحقوق والحريات الأساسية، وضمان الشفافية، وتكريس مبدأ المسؤولية والمساءلة. في هذا السياق، برز البرلمان كفضاء مؤسساتي بدأ يستوعب تدريجيا أهمية الذكاء الاصطناعي كموضوع تشريعي واستراتيجي، غير أن هذا الوعي المتنامي لم يواكب ببناء تشريعي متكامل قادر على تأطير استخدام هذه التكنولوجيا ضمن رؤية قانونية شمولية ومستدامة.

الاهتمام البرلماني بقضايا الذكاء الاصطناعي يندرج ضمن سياق دولي يتسم بتسارع ملحوظ في تبني الأطر القانونية المنظمة لهذه التكنولوجيا، كما هو الشأن في الاتحاد الأوروبي، الذي اعتمد مقاربة تنظيمية تقوم على تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي بحسب درجة المخاطر التي قد تشكلها على الأفراد والمجتمع، وفي المقابل، يلاحظ أن المنظومة القانونية المغربية لا تزال تعتمد أساسا على نصوص عامة، وُضعت لمعالجة قضايا تقليدية مرتبطة بحماية المعطيات الشخصية أو الجرائم المعلوماتية، وهي نصوص لم تُصمَّم في الأصل للاستجابة لتعقيدات الذكاء الاصطناعي، خصوصا ما يتعلق بالقرارات الآلية، والخوارزميات ذاتية التعلم، والمعالجة المكثفة للبيانات الضخمة.

وقد تجلى هذا الوعي المؤسساتي داخل البرلمان من خلال إثارة موضوع الذكاء الاصطناعي في عدد من المبادرات الرقابية والتشريعية، سواء عبر الأسئلة البرلمانية أو من خلال إحداث مجموعات عمل موضوعاتية تعنى بدراسة انعكاسات هذه التكنولوجيا على الاقتصاد والمجتمع والإدارة العمومية، غير أن هذه المبادرات ظلت في مجملها ذات طابع استكشافي أو تشخيصي، ولم تُفضِ إلى بلورة إطار تشريعي شامل ومُلزِم يحدد بدقة شروط استخدام الذكاء الاصطناعي، ومسؤوليات الفاعلين، وضمانات حماية الحقوق.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويبقى هذا التعثر التشريعي مبنيا على جملة من العوامل البنيوية، في مقدمتها الطبيعة المتغيرة والمتسارعة للذكاء الاصطناعي، التي تجعل من الصعب على المشرع المغربي في ضبط صياغة قواعد قانونية مستقرة دون المخاطرة بتجاوزها في زمن وجيز وضيق، كما أن الذكاء الاصطناعي يُعد مجالا عابرا لمختلف التخصصات، إذ يتطلب تفاعلا كبيرا بين المعرفة القانونية والعلوم التقنية والفلسفية والاقتصادية، وهو ما يطرح تحديات حقيقية على مستوى الخبرة المتاحة داخل المؤسسة التشريعية، يُضاف إلى ذلك غياب استراتيجية وطنية واضحة ومؤطرة للذكاء الاصطناعي، تشكل مرجعية موحدة للعمل التشريعي وتحدد الأهداف الكبرى للدولة وحدود تدخلها في هذا المجال.

تتمة المقال تحت الإعلان

من ناحية القانونية، يثير الذكاء الاصطناعي إشكالات دقيقة، تتعلق بحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية، خاصة في ظل اعتماد الخوارزميات الذكية على كميات هائلة من البيانات التي تُجمع وتعالج في كثير من الأحيان بطرق غير شفافة، وقد أبرزت الأدبيات القانونية المعاصرة أن القرارات المبنية على أنظمة ذكية قد تؤدي إلى انتهاكات غير مباشرة للحقوق الأساسية، من خلال أشكال جديدة من التمييز الخوارزمي أو الإقصاء الرقمي، دون وجود إطار قانوني واضح يضمن حق الأفراد في المعرفة والطعن والمساءلة، ويُعد هذا التحدي من أبرز الإكراهات التي تواجه المشرّع المغربي في سعيه إلى تأطير الذكاء الاصطناعي تشريعيا.

كما يطرح الذكاء الاصطناعي إشكالا مركزيا، يتعلق بالمسؤولية القانونية عن الأضرار الناتجة عن قرارات أو توصيات تصدر عن أنظمة آلية؛ فالتشريعات التقليدية تقوم على افتراض وجود فاعل بشري يمكن مساءلته، في حين يُربك الذكاء الاصطناعي هذا التصور من خلال تعدد المتدخلين في تصميم النظام وتطويره وتشغيله، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى كفاية قواعد المسؤولية المدنية الحالية، وحول الحاجة إلى تطوير نماذج قانونية جديدة تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الأنظمة الذكية.

ولا يمكن فصل هذا التعثر التشريعي عن إشكالية أعمق، تتعلق بقدرة النخب البرلمانية المعاصرة على استيعاب آليات جديدة في التشريع؛ فالتشريع في سياق التحول الرقمي لم يعد مجرد عملية قانونية تقليدية تهدف إلى تنظيم وقائع اجتماعية مستقرة، بل أصبح نشاطا معرفيا مركبا، يتطلب فهما للتقنيات الرقمية، واستيعابا لمنطق اشتغال الخوارزميات، وقدرة على استشراف المخاطر المستقبلية، غير أن النخب البرلمانية، بحكم طبيعة تكوينها وآليات انتقائها، غالبا ما تُفرَز وفق اعتبارات سياسية وانتخابية لا وفق معايير الخبرة التقنية أو العلمية، مما يحدّ من قدرتها على مواكبة التعقيد المتزايد للعمل التشريعي، وتتجلى هذه الصعوبة بشكل أوضح عند الحديث عن آليات تشريعية جديدة، مثل التشريع الرقمي، أو التشريع التشاركي الذي يركز على المنصات الإلكترونية، أو استخدام أدوات تحليل الأثر التشريعي المبنية على البيانات والذكاء الاصطناعي؛ فهذه الآليات تفترض تحولا جذريا في الثقافة التشريعية، من تصور القانون كنص جامد ونهائي إلى اعتباره أداة دينامية قابلة للتقييم والمراجعة المستمرة، وهو تحول لم تستوعبه بعد الثقافة البرلمانية التقليدية بشكل كامل.

كما يبرز البعد الأخلاقي كعنصر أساسي في النقاش حول الذكاء الاصطناعي، إذ تثير هذه التكنولوجيا تساؤلات عميقة حول حدود تدخل الآلة في اتخاذ القرار، واحترام الكرامة الإنسانية، وإمكانية تفويض بعض الوظائف ذات الطابع السيادي أو الحساس لأنظمة ذكية، وقد أظهرت العديد من الدراسات أن غياب إطار أخلاقي وتشريعي واضح في هذا المجال قد يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات العمومية، وهو ما يجعل من الضروري إدماج القيم الأخلاقية ضمن صلب أي سياسة تشريعية متعلقة بالذكاء الاصطناعي.

يمكن القول إن البرلمان المغربي يشهد تحولا تدريجيا في إدراك أهمية الذكاء الاصطناعي كموضوع تشريعي استراتيجي، غير أن هذا التحول لا يزال في مستوى الوعي أكثر منه في مستوى الفعل التشريعي المؤسِّس.

إن تجاوز حالة التعثر التشريعي يقتضي اعتماد مقاربة شمولية تقوم على تعزيز القدرات المعرفية للنخب البرلمانية، وتطوير آليات الدعم العلمي والتقني داخل المؤسسة التشريعية، والانفتاح المنهجي على الخبرة الأكاديمية والتجارب المقارنة، فبدون ذلك، سيظل التشريع متأخرا عن الواقع الرقمي المتسارع، وعاجزا عن تأطير أحد أهم التحولات التي ستحدد مستقبل الدولة والمجتمع في العقود القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى