المنبر الحر | الجزائر.. مراقب أم طرف في قضية الصحراء ؟


كاتب و باحث
بعد أن باءت محاولاتها بالفشل في استبدال كلمة الأطراف بـ”الطرفين” لتعديل القرار الأممي الأخير 2797، ما جعل جلوسها إلى طاولة المفاوضات الرباعية أمرا حتميا، تواصل الجزائر هذه المرة التملص من مسؤوليتها التاريخية في النزاع حول الصحراء، إذ تقدم نفسها كـ”مراقب” في المفاوضات التي جرت في سفارة الولايات المتحدة بمدريد، والتأكيد بأنها تدعم ما تعتبره “حق تقرير المصير”، مدعية أنها لم تكن طرفا مباشرا في النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، غير أن الوقائع على الأرض تناقض هذا الادعاء الكاذب جملة وتفصيلا، وهو ما يعتبر مناورة أخيرة لتضليل الرأي العام الدولي.
هذا الطرح كان حاضرا بقوة في المحافل الدولية والبيانات الرسمية، في محاولة للاستفادة من الصفة الرسمية للمراقب التي تمنحها الأمم المتحدة كغطاء شرعي لتدخلها في النزاع، في مقابل تأكيد المغرب أنها الفاعل الأساسي وراء خلق جبهة البوليساريو ودعمها، وأنها طرف يتجاوز تأثيرها هذه الصفة الشكلية بكثير، إذ تتحكم في الموارد والقرارات العسكرية والسياسية والمواقف التي تُطرح في المفاوضات.
ورغم أن الخطاب الرسمي الجزائري يضع البلاد في خانة “المراقب” أو “المساند” لمبادئ تقرير المصير، إلا أن الوقائع السياسية والميدانية والدبلوماسية تشير إلى أن الجزائر تلعب دور الطرف الفاعل والمحرك لهذا النزاع منذ بدايته للأسباب التالية:
1) تعتبر الجزائر العمق الاستراتيجي والمكاني للبوليساريو، حيث تحتضن مخيمات تندوف على “أراضيها”، وهي المنطقة التي تدير منها الجبهة أنشطتها السياسية والعسكرية دون انقطاع منذ عام 1975، وخلال تدخله للرد على التصريح المليء بالأكاذيب للممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة، سفيان ميموني، خلال الندوة الإقليمية للجنة 24 لمنطقة الكاريبي، بدومينيكا (25-27 غشت 2021)، استعرض السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، بأدلة دامغة، المسؤولية التاريخية والسياسية والدبلوماسية والعسكرية والإنسانية للجزائر في خلق وإطالة أمد النزاع المصطنع حول الصحراء المغربية، وجدد التأكيد على أنه خلافا لما يدعيه سفيرها، “لم تكن الجزائر أبدا مجرد مراقب في قضية الصحراء المغربية، بل كانت منذ البداية طرفا فاعلا في هذا النزاع”، وقرأ أمام الحضور رسالة بعث بها السفير الجزائري الأسبق لدى الأمم المتحدة بتاريخ 19 نونبر 1975 إلى الأمين العام الأممي، ووزعت كوثيقة رسمية لمجلس الأمن، أكد فيها الممثل الجزائري أنه “بالإضافة إلى إسبانيا بصفتها سلطة إدارية، فإن الأطراف المعنية والمهتمة بقضية الصحراء الغربية هي الجزائر والمغرب وموريتانيا”، وبعدما أبرز أنه “تم إنشاء ما يسمى بالجمهورية الصحراوية الوهمية في فندق جزائري”، خاطب السفير الجزائري: من يمول البوليساريو؟ من يحتضنها على أراضيه؟ من يسلحها ويجهزها بالصواريخ والدبابات وغيرها من الآليات العسكرية التي تفرغ في ميناء وهران؟ من يمنحها جوازات السفر الدبلوماسية؟ من يدفع لها ثمن تذاكر طيران في درجة رجال الأعمال والفنادق ذات الخمس نجوم؟ أليست الجزائر من يقوم بذلك على حساب شعبها وتنميتها الاقتصادية والاجتماعية؟ وأسهب عمر هلال في سرد الأدلة التي تدين الجزائر لدورها المباشر في قضية الصحراء، مستنكرا التورط المباشر للجيش الجزائري في الهجمات على المغرب، دعما للبوليساريو سنة 1976، خلال معركتي أمغالا، اللتين أسرت خلالهما القوات المسلحة الملكية مئات الضباط والجنود الجزائريين وسلمتهم بعد ذلك إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وكشف الدبلوماسي المغربي أنه بناء على أوامر من الجزائر، خرقت البوليساريو وقف إطلاق النار، موضحا أنه انطلاقا من تندوف، تحركت مليشيات البوليساريو المسلحة لعرقلة، طيلة أكثر من 3 أسابيع، معبر “الكركرات” بين المغرب وموريتانيا قبل تحريره نهائيا من قبل القوات المسلحة الملكية، وأطلع السفير هلال المشاركين في الندوة على مقترح تقاسم الصحراء الذي قدمه الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة عام 2001 إلى المبعوث الشخصي الأممي جيمس بيكر، متنصلا بذلك من التزامه المزعوم بالحق في تقرير المصير، وهو الاقتراح الذي رفضه المغرب بشدة انطلاقا من إيمانه الراسخ بالوحدة الترابية للمملكة ووحدة سكان الصحراء المغربية.
2) تلعب الدبلوماسية الجزائرية دور المدافع الأبرز عن أطروحة الانفصال في المحافل الدولية، حيث تستخدم علاقاتها الدولية وإمكانياتها الطاقية (الغاز والنفط) للضغط من أجل كسب اعترافات بالبوليساريو أو لعرقلة المبادرات المغربية، كما كانت القوة الدافعة وراء إدخال الجبهة إلى منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984، وهو ما أدى لانسحاب المغرب حينها.
3) في القرارات الأممية الأخيرة (2602، 2703 لعام 2023، وصولا إلى القرار 2756 لعام 2024 والقرار 2797 لعام 2025)، حدث تحول نوعي في لغة وصياغة قرارات مجلس الأمن، حيث انتقل من الإشارات العابرة إلى تحديد الجزائر بالاسم كطرف فاعل ومحوري، يجب أن يشارك في الموائد المستديرة، حيث لوحظ تكرار ذكر اسم الجزائر في نص القرارات عددا من المرات يضاهي تقريبا عدد مرات ذكر المغرب، وهو ما يدحض سردية “المراقب” ويضعها في مقام “الأطراف المعنية”، حيث تدعو القرارات: المغرب، البوليساريو، الجزائر، وموريتانيا (بهذا الترتيب غالبا) إلى التعاون مع المبعوث الأممي.
4) في أكتوبر 2025، تم اعتماد القرار 2797 الذي جدد ولاية بعثة “المينورسو” لعام إضافي، وقد شهدت كواليس هذا القرار اعتراضا جزائريا حادا على مصطلح “الأطراف” ومحاولة استبداله بـ”الطرفين”، لكن مجلس الأمن أبقى على الصيغة التي تشرك الجزائر كطرف أساسي، وتحدث عن “الأطراف” في القرار الأخير، وليس “الطرفين” 13 مرة، كما ربط تطبيق القرار بتوصل “الأطراف” وليس “الطرفين”، إلى حل لهذا النزاع وتيسير المفاوضات وإجرائها على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب بهدف التوصل إلى حل عادل ودائم للنزاع تقبله الأطراف.
فعندما يذكر مجلس الأمن دولة كطرف ويطلب منها الانخراط في حل نزاع إقليمي، فإنه ينقلها من خانة “الغير” إلى خانة “المعني المباشر”.
يرى المحللون أن الجزائر تختبئ رسميا وراء صفة “المراقب”، ويعد هذا الموقف استراتيجية دفاعية لتجنب وصفها “طرفا مباشرا”، رغم انخراطها الفعلي في المفاوضات ومشاركتها في الموائد المستديرة، والهدف من هذا الادعاء هو التنصل من المسؤولية القانونية والسياسية المباشرة عن إطالة أمد النزاع في قضية الصحراء، مما يضعها في معادلة صعبة بين خطاب الحياد المزعوم والتدخل الفعلي كدولة داعمة لجبهة البوليساريو وصانعة النزاع منذ انطلاقته. ومن الناحية القانونية.



