تحقيقات أسبوعية

للنقاش | محنة مهنة المحاماة

تعاني مهنة المحاماة منذ مدة من مشكلة عويصة تمس بحرمتها واستقلالها ودورها في مساعدة القضاء والمساهمة في تحقيق المحاكمة العادلة والمنصفة، والتي تتوفر فيها جميع الضمانات، ومنذ أن اندلعت هذه الأزمة، بسبب ما حمله مشروع قانون ممارسة مهنة المحاماة من مستجدات تتنافى مع استقلال المهنة،  والنص على إجراءات قاسية ومعقدة لممارسة تلك المهنة الحرة، انعقد إجماع على ضرورة اتخاذ موقف حازم للدفاع عن كرامة مهنة المحاماة واستقلاليتها وحمايتها من مختلف المضايقات، وتشويه سمعتها وهضم مكاسبها وتكميم أفواه ممارسيها بخطة محبوكة لم يسبق لها مثيل منذ أن تأسست أول نقابة مغربية، وكانت المحاولة الأولى سنة 1924، وتعاقب إدخال تعديلات على قانون ممارسة مهنة المحاماة كان أهمها تعديل سنة 1979، ثم سنة 1993 وصولا إلى سنة 2008.

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود

لمزيد الاطلاع على تاريخ المحاماة في المغرب، يمكن الاطلاع على “نبذة عن تاريخ المحاماة في المغرب”، للأستاذ مارسيل صباص، وهو محامي فرنسي الجنسية وأصبح نقيبا للمحامين وعلى رأس نقابتها التابعة لمحكمة الاستئناف بالرباط، ومقاله منشور في “مجلة المحاماة”، التي تصدرها جمعية هيئات المحامين بالرباط  (السنة الأولى العدد الثاني / مارس 1969 الصفحة 103 وما بعدها)، وختم ذلك النقيب مقالته بقوله: “إن القاعدة الذهبية بالنسبة للمحامي هي كما ذكر إميرسون: إذا أردت أن تخطو إلى الأمام، فاربط عربتك بأحد النجوم، ومهنة المحاماة ولله الحمد لا تعدم النجوم، وأملنا أن يتكاثر أولئك الذين يختارون لأنفسهم نجما ويربطون به عربتهم” انتهى الاقتباس.

لقد تبين من الوقفات الاحتجاجية للمحامين، أن كل مواطن غيور على سمعة ومكانة مهنة المحاماة، يتأسف غاية الأسف ويندد بحبك الأزمات لعرقلة ممارسة مهنة يعتبرها القانون مهنة حرة مستقلة تساعد القضاء وتساهم في تحقيق العدالة، والمحامون يعتبرون جزء من أسرة القضاء كما تنص على ذلك المادة الأولى من القانون المنظم لمهنة المحاماة رقم 28.08.

تتمة المقال تحت الإعلان

يجب أن يكون هناك اقتناع راسخ لدى الجميع بأن أي عرقلة توضع في طريق ممارسة مهنة المحاماة، لا يمكن بسببها للقضاء الوصول إلى عدالة نزيهة ومحاكمة تتوفر فيها الضمانات، لأن تلك العراقيل تتنافى مع شعار القضاء في خدمة المواطنين، بل إن العراقيل من شأنها تدمير حقوق المواطنين، فالقضاء لا يستطيع أن يصدر أحكامه على أساس التطبيق العادل للقانون كما ينص على ذلك الفصل 110 من الدستور، إذا لم تساهم المحاماة في تحقيق ذلك الهدف النبيل.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن عرقلة مهمة المحامي تتنافى أيضا مع ما ورد في المادة 18 من القانون المتعلق بالتنظيم القضائي رقم 38.15، التي تنص على إحداث لجنة على صعيد كل محكمة لبحث صعوبات العمل بها، ويكون من ضمن أعضاء تلك اللجنة نقيب هيئة المحامين.. فكيف يمكن للنقيب أن يعبر عن آرائه ويقدم للجنة ما لديه من اقتراحات أو تعديلات إذا كان النقيب تابعا لوزارة العدل وخاضعا لسيطرتها ؟

لا يمكن للمحامي وقد أدى القسم وهو يؤدي رسالة سماوية، أن يسكت عن الظلم والتعسف، والاعتداء على النفس والعرض والمال، والشطط في استعمال السلطة وخيانة الأمانة، وتبديد المال العام.. وغير ذلك من الجرائم التي تمس المصلحة العليا للبلاد والعباد، فالمحامي لن يقبل بأي حال من الأحوال أن يكون تابعا لأي جهة إدارية ويضحي باستقلال المهنة، ويخون رسالته ليبقى المجال مفتوحا في وجه المفسدين في الأرض.

لقد سبق أن أسند قطاع العدل لمحامين، نذكر منهم الأستاذ عبد الكريم بن جلون التويمي سنة 1955، الأستاذ امحمد بوستة سنة 1961، النقيب بلعباس التعارجي سنة 1973، الأستاذ محمد المعطي بوعبيد سنة 1977، الأستاذ عمر عزيمان سنة 1997، الأستاذ محمد بوزوبع سنة 2002، الأستاذ محمد الطيب الناصري سنة 2010، والأستاذ المصطفى الرميد سنة 2012، ونعتذر إذا وقع إغفال ذكر أسماء أخرى، ولم يسبق أن نشب أي توتر بين أي وزير للعدل وبين المحامين، واتهمهم بالتهرب من أداء الضرائب والاستيلاء على ودائع الزبناء، والدخول في كيفية تسيير النقابات، وغير ذلك من التهم التي تمس الثقة بالمحامين.

وللتذكير بالروابط التي تربط أسرة المحامين بأسرة القضاء، يكفي أن نشير إلى أن جمعية هيئات المحامين كانت كلما ستعقد مؤتمر المحامين العام إلا وتستدعي وزير العدل لحضور جلسة الافتتاح، ويكرم بإعطائه الأسبقية لإلقاء خطبته، ومن ضمن فقرات الخطاب التنويه بمجهود المحامين وتعاونهم مع أسرة القضاء واستعداد وزارة العدل لقبول التوصيات التي ستصدر عن أعمال ذلك المؤتمر.

ومثال قديم على ذلك، أنه بتاريخ خامس يونيو 1969، انعقد بالمحكمة الابتدائية بمكناس المؤتمر الثامن لجمعية هيئات المحامين، وحضر هذا الاجتماع وزير العدل عبد الحفيظ بوطالب، وألقى خطابا جاء في فقرة من فقراته: “إن مشاكل العدل لا تهم وزارة العدل والقضاة والمحامين فحسب، بل تهم كذلك المواطنين، لما لها من ارتباط وثيق بحياتهم”، كما تطرق الوزير لرسالة المحامي وأهمية الدور الذي يقوم به في سبيل إظهار الحق ونصرته، ونص الخطاب بكامله منشور في “مجلة المحاماة” (السنة الأولى / العدد الثالث يونيو 1969 عدد ممتاز بمناسبة المؤتمر الثامن بمكناس الصفحة 117 وما بعدها).

إن الحاقدين أو من يكنون لمهنة المحاماة شعورا غير عادي، لم يطلعوا على مكانة وحرمة هذه المهنة وما قيل في المحاماة ودورها في تحقيق العدالة. لقد غاضهم أن تكون المحاماة واحدة من أكثر المهن إشراقا وتحديا في مجال القانون، تلعب دورا حاسما في تحقيق العدالة وتمثيل الوكلاء في النظام القضائي، وهذه بعض العبارات التي تصف جمال وأهمية مهنة المحاماة.

المحامون هم أبطال العدالة، يسعون إلى إصلاح الخطأ وإرساء حقوق المظلومين.

في يدي المحامي يتجلى القانون، فهو رائد في استخدام الكلمات لصون حقوق من يؤازرون.

إذا كانت مهنة المحاماة هي فن الخطابة، فإن المحامي يجب أن يكون رساما لصورة قانونية مشرقة.

المحامي هو شريك العدالة، دافع عن ضعفاء المجتمع وصانع للتغيير.

إن المحامي هو شخص يبادر باستخدام جميع سبل القانون لتصوير خطأ مزعج بشكل جذاب.

إن المحامي هو شريك في العدالة، يسعى إلى تطبيق الديمقراطية بروح نبيلة.

هذه العبارات تبرز عظمة وشرف مهنة المحاماة ودورها في بناء نظام قضائي يحقق العدالة للجميع.

إن أعداء مهنة المحاماة لم يستوعبوا بعد أن المحامي ليس مجرد من يتولى الدفاع في قضايا موكليه ويتصدى للشكاوى المغرضة أو للوشايات الكاذبة، بل هو شخص يمتلك قدرة استثنائية على تحقيق العدالة وحماية حقوق الآخرين، فهو يسعى جاهدا إلى إظهار الحقيقة والخطأ في سبيل تأمين حقوق المجتمع والأفراد.

وقد قيل بحق، أن المحامي شخص ذو أخلاق عالية وصاحب مبادئ ثابتة، حيث يفضل دائما استخدام سبل القانون بطريقة عادلة لتحقيق انتصاف المظلومين، إن دور المحامي في بناء مجتمع عادل لا يقدر بثمن، فهو جزء من ركائز الديمقراطية وساند في صرح العدالة.

فكل ما قيل عن مهنة المحاماة يعكس التقدير والاحترام لهذه المهنة المهمة التي لا يستغني عنها أي مجتمع حر.

فبفضل كفاءة المحامي وتجربته وتكوينه، وقع عليه الاختيار ليكون من ضمن أعضاء الوفد الذي أجرى مفاوضات مع المستعمرين لاستقلال المغرب واسترجاع حريته على جميع أراضيه شمالا وجنوبا، وكان من ضمن الوفد الأستاذ المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، كما أسندت رئاسة الوزراء لمحامين، ومنهم من كلفوا بالعلاقات بين الحكومة ومجلس النواب سابقا، ومنهم من عين سفيرا للمملكة المغربية لدى الدول الشقيقة والصديقة، كما عين المحامون ليكونوا أعضاء في لجان تعديل القانون أو إصدار مدونات، مثل مدونة الأسرة، ومدونة الشغل، ومدونة التجارة، وقانون التحفيظ العقاري، ومدونة الحقوق العينية، وأساتذة التعليم العالي في الكليات والجامعات أغلبهم من المحامين، والخزانة القانونية غاصة بمراجعهم ومؤلفاتهم وشاهدة على علو كعبهم علما ومتانة تكوينهم، وعمق أبحاثهم.

وإذا كنا قد ركزنا على ضمان حرية الدفاع، فيكفي الإشارة إلى السند الذي اعتمدنا عليه وهو كتاب: “حرية الدفاع” للمستشار طه أبو الخير، رئيس محكمة الجنايات وأمر الدولة العليا في مصر الطبعة الأولى سنة 1971، ونقتبس من هذا المرجع القيم سطورا من فقرات ذلك الكتاب؛ فقد جاء في فقرة منه ما يلي: ((حرية الدفاع حق من أغلى مقدسات الناس، لأنه صورة رائعة لممارسة حريتهم))، وجاء في فقرة أخرى بعنوان “حرية الدفاع وحق المساواة” ما يلي: ((إذا كان ثمة حق يمتزج بآخر امتزاجا كاملا، فذلك الحق هو حق المساواة الذي لا يتصور أيام حرية الدفاع دون توافره، فالمساواة بين الطرفين هي أساس حرية الدفاع، فلا تتوافر هذه الحرية إذا اختلت معايير المساواة بين الخصوم، وأي ميزة يتميز بها خصم على آخر، تقلب حرية الدفاع إلى لون من ألوان العدوان)).

إن قطاع العدل شارك في أشغال المؤتمر الوطني العام 32 لجمعية هيئة المحامين بالمغرب، المنظم بطنجة والذي افتتحت أشغاله يوم الخميس 15 ماي 2025 تحت شعار: “المحاماة فاعل محوري وشريك أساس في منظومة العدالة”، والمخصص لمناقشة قضايا مهنة المحاماة بالمغرب وتعزيز مكانتها ضمن منظومة العدالة ومواجهة التحديات المهنية والتشريعية التي تعرفها، وتتميم دورها الكبير في الدفاع عن الحقوق والحريات وصون استقلال المهنة وكرامتها، ولم يكن خطاب ذلك القطاع منسجما وملائما مع المواقف الصارمة التي اتخذت بمناسبة مطالب هيئة المحامين بتعديل مشروع قانون المحاماة المعروض على الغرفة الأولى للبرلمان.

فقد جاء في بعض فقراته ذلك الخطاب ما يلي:

أنا أعرف أنكم الآن منشغلون بموضوع قانون المهنة، فتأكدوا أنني عندما أضع قانون المهنة، فأنا لا أضعه للمحامين، بل أضعه أولا وأخيرا لنفسي كمحامي ثم لمحامين، وأنا شخصيا أعتبر أن المحاماة مستقبلي وسأعود إلى المحكمة وسألتقي بكم مرة أخرى.

إن شروط المحاكمة العادلة لم تتم إلا إذا كان المتهم محميا ويتوفر على كامل الشروط الضامنة لحقوقه وحقوق باقي المواطنين، وهذه الشروط لا يمكن أن يوفرها إلا المحامي.

إن مهنة المحاماة مهنة دستورية والمحامون موكلون من طرف الدولة لضمان شروط المحاكمة العادلة وتقديم الحقوق، وبالتالي، فالمحامي جزء من مكونات الدولة وليس من خارجها.

وللتأكد بأن ما قيل مخالف لما تعانيه الآن مهنة المحاماة، يكون من المفيد الاطلاع على دراسة بعنوان: “قراءة في مستجدات مشروع قانون مهنة المحاماة” من إعداد الباحث ياسين كحلي مستشار قانوني وباحث في العلوم القانونية تاريخ الجمعة 26 دجنبر 2025، للوقوف على مستجدات ذلك المشروع والتي لا يمكن لأي محامي أن يمارس المحاماة مع بقاء ما نص عليه المشروع من عراقيل، وخاصة المس باستقلال المهنة والنص على شروط مجحفة لولوج سلك المحاماة والتهديد والتدخل في تدبير الشؤون الداخلية للمهنة.

ونختم بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضوع من سخرهم الله لخدمة المحتاجين وقضاء حوائجهم، حيث ورد في الحديث الشريف الأول قوله ص: “يحشر قوم من أمتي على منابر من نور، يمرون على الصراط كالبرق الخاطف نورهم تخشع له الأبصار، ما هم من الأنبياء، ما هم من الصديقين، ما هم بالشهداء، إنهم قوم تقضى على أيديهم حوائج الناس”، والحديث الثاني يقول: “إن الله اختصهم بقضاء حوائج الناس، حببهم في الخير وحبب الخير إليهم، إنهم لآمنون من عقاب الله يوم القيامة”.

وأيضا بما ورد في تدخل رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، النقيب الحسين الزياني، حيث أشار إلى أن معركة المحامين ليست مهنية، بل سياسية، ورفض الحوار الشكلي، وأن الخطر لا يطال مهنة المحاماة فقط، بل يمتد ليصيب دولة الحق والقانون نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى