المنبر الحر

المنبر الحر | المضاربة و”الشناقة”.. حين تتحول الأزمات إلى مواسم افتراس

الحسن العبد
بقلم: ذ. الحسن العبد

  في كل مرة تضرب فيها البلاد أزمة عابرة أو كارثة طبيعية، أو يلوح في الأفق موسم ديني عظيم كشهر رمضان المبارك، يخرج إلى السطح وجه قبيح لا يقل خطورة عن الأزمات نفسها: وجه المضاربين و”الشناقة” الذين يتربصون بقوت المواطن، ويتخذون من معاناته سلعة، ومن حاجته فرصة للاغتناء غير المشروع.

هؤلاء لا تعنيهم قدسية الزمن، ولا ثقل الظروف، ولا هشاشة القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع؛ فبمجرد الحديث عن نقص محتمل أو زيادة الطلب، تُخزَّن السلع، وتُرفع الأسعار، ويُختلق الخوف في الأسواق وكأن المواطن محكوم عليه أن يدفع ثمنا مضاعفا، ثمن الأزمة وثمن الجشع.

ويبلغ الجشع مداه حين يستثمر بعض المضاربين في مآسي الوطن، محوّلين الكوارث الطبيعية، كالفيضانات وغيرها مما عرفته بلادنا، إلى مواسم للربح غير المشروع؛ ففي لحظات كان الأولى أن تُستنهض فيها قيم التضامن والتكافل، اختار هؤلاء منطق الاحتكار ورفع الأسعار، ضاربين بعرض الحائط ما أمر الله به من الرحمة والعدل، إذ يقول سبحانه: ((وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ))، كما تجاهلوا تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من كل سلوك يضيّق على الناس في معاشهم، إذ قال: ((من احتكر فهو خاطئ))، وقال أيضا: ((لا ضرر ولا ضرار)).

تتمة المقال تحت الإعلان

إن استغلال حاجة المتضررين ورفع أثمان القوت في زمن الشدة، ليس مجرد انحراف أخلاقي، بل هو إفساد صريح في الأرض، يتناقض مع روح الدين ومقاصده، ويستوجب تدخلا حازما يردع كل من تسول له نفسه الاتجار بآلام المواطنين.

تتمة المقال تحت الإعلان

ونحن على أعتاب شهر رمضان الكريم، الشهر الذي تتضاعف فيه المصاريف بحكم العادات الاستهلاكية، رغم ما يحمله من بركة وسكينة وروح تضامن، تزداد خطورة هذه الممارسات، فبدل أن يكون رمضان موسم رحمة وتراحم، يسعى بعض ضعاف النفوس إلى تحويله إلى موسم ابتزاز واستنزاف، يثقل كاهل الأسر المحدودة الدخل ويعمق الإحساس بالظلم الاجتماعي.

إن خطورة المضاربة لا تكمن فقط في رفع الأسعار، بل في ضرب الثقة في السوق، وزرع الإحباط في النفوس، وتهديد السلم الاجتماعي، وهي ممارسات لا يمكن اعتبارها مجرد “ذكاء تجاري”، بل هي فساد صريح يتنافى مع القيم الدينية والأخلاقية، ويتعارض مع أبسط مبادئ العدالة الاقتصادية.

وأمام هذا الوضع، تصبح مسؤولية الدولة وكل السلطات المعنية مسؤولية مضاعفة، لا تقبل التهاون ولا الاكتفاء بالتصريحات، لذلك، فالمطلوب اليوم هو تكثيف المراقبة، وتشديد الزجر، والضرب بيد من حديد على كل من يثبت تورطه في التلاعب بأسعار المواد الغذائية الأساسية، دون استثناء أو تساهل، فالقانون يجب أن يكون حاميا للمواطن لا متفرجا على معاناته.

كما أن للمجتمع المدني والإعلام دورا محوريا في فضح هذه الممارسات، ورفع منسوب الوعي، وتشجيع ثقافة التبليغ والمساءلة، حتى لا يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة غير عادلة.

إن شهر رمضان، بما يحمله من معاني التقوى وضبط النفس، يجب أن يكون مناسبة لمراجعة الضمائر قبل مراجعة الأسعار، فالتجارة أخلاق قبل أن تكون أرقاما، ومن لا يرحم الناس في ضيقهم لا يمكن أن ينتظر البركة في ماله ولا الطمأنينة في عيشه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى