ربورتاج | المغاربة المنسيون وسط الجبال يقاومون الظروف المناخية القاسية في صمت

المغاربة المنسيون هم فئة تعيش في الجبال وتقاوم قساوة المناخ والطبيعة للعيش وسط الثلوج أو السيول في غياب الإمكانيات الضرورية وفي ظل الإهمال الحكومي، وغياب الإجراءات الاستباقية التي من المفروض أن تقوم بها الجهات المختصة لتخفيف الضرر عن ساكنة المرتفعات؛ فالعشرات من الجماعات الجبلية يعاني سكانها من صعوبة العيش بسبب التضاريس الصعبة وتساقط الثلوج وقطع الطرقات وقلة المؤونة، إلى جانب معاناة الشيوخ والأطفال من الانخفاض المهول في درجات الحرارة، وقلة المواد الغذائية وصعوبة التنقل، ما يجعل العديد من الدواوير معزولة كليا عن المركز أو المدينة، وبالرغم من قسوة المناخ، إلا أنهم يقاومون الظروف القاسية المتمثلة في الفقر والتهميش وقلة الإمكانيات وقلة حطب التدفئة وصعوبة المسالك الطرقية.
الرباط – الأسبوع
تفاقمت معاناة سكان المناطق الجبلية مؤخرا بسبب موجة البرد القارس والتساقطات الثلجية الكثيفة، خاصة في أزيلال وإملشيل وتنغير وميدلت وإقليم الحوز، وغيرها من المناطق في الأطلس الكبير، حيث تتجدد معاناة عشرات الآلاف من الأسر مع قساوة الطقس وقطع الطرق، وبهذا الخصوص دعت منظمات حقوقية ومدنية مغربية الحكومة، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية سكان المناطق الجبلية من قسوة البرد، وتمتيع الأسر المعوزة في هذه المناطق بإعفاء مؤقت من أداء فواتير الكهرباء.
في هذا الإطار، يقول محمد الديش، رئيس الائتلاف المدني من أجل الجبل، أن الظروف المناخية الحالية وانخفاض درجات الحرارة في هذا التوقيت من فصل الشتاء وتساقط الثلوج بكثافة، تجعل العديد من سكان الدواوير الجبلية في عزلة تامة بسبب انقطاع الطريق وسبل العيش للوصول للأسواق والمؤونة والماشية، ومن المفروض أن توضع برامج عبر التخطيط وحس الاستباق، ويتم تجهيز مواد للمساعدات والإغاثة في مناطق قريبة، لتسهيل نقلها للمتضررين، ومن بين الأمور المطلوبة أيضا التدفئة، التي تعتبر من بين المشاكل التي تعاني منها ساكنة المناطق الجبلية، خاصة في ظل نقص حطب التدفئة الذي يفاقم مشاكل السكان، والذي لم يعد موجودا نظرا للموارد القليلة، معتبرا أن الوضع يتطلب القيام بإجراءات إضافية قبل انقطاع الطرقات والمؤونة، ووضع بدائل لتخفيف العبء على ساكنة المناطق الجبلية التي تتخلى عن المنتجات الغذائية لكي توفر التدفئة وتحتمي من خطر البرودة وانخفاض الحرارة.
وأضاف نفس المتحدث، أن ساكنة المناطق الجبلية تحتاج إلى تسعيرات منخفضة للكهرباء خاصة في المناطق الباردة، التي تصل فيها درجات الحرارة إلى أقل من 15 درجة، مما يتطلب توفير التدفئة وتجهيز المرافق العمومية مثل المدارس والمستشفيات والإدارات العمومية حتى يتوفر فيها الحد الأدنى من التدفئة في المناطق الجبلية، التي كانت في حقبة السبعينات تتوفر فيها التدفئة في المستشفيات والمؤسسات التعليمية، إلى جانب صعوبة الولوج إلى الطرق الوطنية، خاصة بالنسبة للمناطق التي أصبحت معزولة في ظل نقص وغلاء حطب التدفئة، مما يفاقم مشاكل السكان، وغياب بدائل أخرى لتخفيف العبء على الأسر.
كما تطرق المتحدث ذاته إلى معاناة سكان المناطق الجبلية مع القطاع الصحي في ظل الظروف الباردة وتفشي الأمراض وصعوبة التنقل إلى مستشفيات القرب أو المستوصفات، والتي تعرف قلة الأطر الطبية ووجود فقط الممرضين في بعض المناطق، والذين لا يمكن لهم توفير الدواء أو منحه بدون رأي الطبيب، إلى جانب معاناة النساء الحوامل اللواتي يعشن محنة كبيرة في دور الولادة التي لا تتوفر على الإمكانيات لرعاية وتوفير حاجيات النساء، قائلا أن وضعية سكان الجبال ناتجة عن التقصير وعدم تكييف برامج السياسات العمومية مع المجالات الجبلية، وعجز كبير في الإنفاق العمومي في هاته المناطق، وحتى المشاريع التي تنجز تتم بدون أثر فعلي وحقيقي، الشيء الذي يجعل المبالغ المرصودة لا تعطي الأثر والنتائج المنشودة، بحيث يغلب على طريقة صرفها الهاجس المحاسباتي أكثر من الأثر الاجتماعي والاقتصادي في هاته المناطق، معتبرا أنه من المفروض وضع برامج ومشاريع أو سياسات عمومية تضمن الإدماج والالتقائية وتكون التدخلات مبرمجة من خلال الإجراءات الاستباقية والتوقعات الممكنة.
وتابع أن المجتمع المدني لا يمكن الانتظار منه الكثير، لأن إمكانياته ضعيفة جدا، وقد قام بمبادرات مهمة بوسائله الخاصة خلال فترة الزلزال، من خلال روح التضامن بين الناس، لكن تبقى حملاته محدودة في الزمن والمكان ولا يمكن أن تغطي جميع الحاجيات، وحتى الدولة تدخلاتها محدودة، والتي تكمن فقط في قفة المواد الغذائية التي لا تكفي سوى لمدة عشرة أيام.
من جهته، يرى مبارك أوتشرفت، باحث في العلوم السياسية ورئيس منتدى أفوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، أن أوضاع سكان المناطق الجبلية تعود إلى واجهة النقاش العمومي باعتبارها مؤشرا صارخا على اختلالات عميقة في السياسات الترابية والاجتماعية، خاصة وأن هؤلاء المواطنين الذين يعيشون في قلب الهشاشة المناخية، يجدون أنفسهم مرة أخرى في مواجهة الطبيعة القاسية، وفي مواجهة دولة لا تزال استجاباتها رهينة التدخلات الظرفية أكثر من كونها ثمرة رؤية استراتيجية مندمجة.
وأضاف نفس المتحدث، أن التغيرات المناخية لم تعد مجرد تحذيرات عملية بعيدة، بل أصبحت واقعا يوميا في القرى الجبلية، بفعل مواسم جفاف طويلة تهدد الفلاحة المعيشية، وتساقطات ثلجية تعزل الدواوير، وفيضانات وانهيارات أرضية تقطع الطرق وتعرض الأرواح للخطر، وفي كل مرة، يتكرر المشهد نفسه: عزلة، انقطاع للدراسة، صعوبات في الولوج إلى العلاج، وانتظار مساعدات لا تصل إلا بعد فوات الأوان، حيث تتضاعف أثار هذه الأزمات بسبب الهشاشة البنيوية التي تطبع المجالات الجبلية منذ عقود، فضعف البنيات التحتية، ورداءة الطرق، ونقص التجهيزات الصحية، وغياب خدمات عمومية قارة.. كلها تجعل أي اضطراب مناخي يتحول بسرعة إلى أزمة إنسانية، ولا تقف الخسائر عند حدود اللحظة، بل تمتد إلى بنية المجتمع نفسه، عبر تفاقم الفقر، وتسارع الهجرة القروية، وتفريغ القرى من شبابها وطاقاتها الحية، مؤكدا أن الواقع يفرض سؤال العدالة المجالية بإلحاح: كيف يمكن الحديث عن تنمية شاملة في ظل استمرار فجوة صارخة بين المركز والهامش؟ وكيف يمكن القبول باستمرار ما سمي بـ”مغرب السرعتين” حيث تستفيد مجالات بعينها من ثمار النمو بينما تظل الجبال خارج دينامية التنمية؟ مبرزا أن الرهان الحقيقي اليوم يمر عبر سن قانون خاص بالجبل يكرس مبدأ التمييز الإيجابي لفائدة ساكنة هذه المناطق، باعتبارها فئات تتحمل عبئا مضاعفا من التهميش والهشاشة المناخية، فكما أكد الملك في أكثر من خطاب، فإن تقليص الفوارق المجالية، ومحو مغرب السرعتين، يشكلان شرطا أساسيا لبناء دولة الإنصاف والتماسك الاجتماعي.
واعتبر المتحدث ذاته، أن الحق في التنمية البشرية والمستدامة لا ينبغي أن يظل حكرا على المراكز الحضرية والمجالات الجاذبة للاستثمار، بل يجب أن يعم مختلف أنحاء التراب الوطني، وأن تستفيد منه ساكنة الجبال بدل أن يُنظر إليها في السياسات العمومية باعتبارها مجرد هامش أو منطقة طاردة للسكان، لأن استمرار هذا المنطق سيؤدي إلى تعميق الفوارق، وتسريع الهجرة، وإفراغ المجالات الجبلية من طاقاتها البشرية، مضيفا أن ما يعيشه سكان المناطق الجبلية اليوم ليس قضاءً وقدرا، بل نتيجة مباشرة لاختيارات سياسية وترابية يمكن تصحيحها إذا توفرت الإرادة والرؤية، فإما أن ننجح في إدماج الجبل في قلب المشروع التنموي الوطني، وإما أن يستمر بوصفه شاهدا صامتا على فشل الدولة في تحقيق التنمية للجميع.
فالوضعية التي تعيشها ساكنة المناطق الجبلية تتطلب سياسة عمومية ناجعة للوقاية والرعاية، وإحداث مراكز خاصة في كل الأقاليم مهتمة بشؤون وحاجيات سكان الجبال، سواء من المواد الغذائية، أو الحطب، أو المعدات والآليات لفك العزلة عنهم وتقديم الدعم المعنوي والمادي لهم، بالإضافة إلى مراقبة الطرق، ومتابعة الأوضاع عبر فرق مختصة وتوفير التدفئة في المؤسسات التعليمية والمستشفيات والمرافق الإدارية، عبر مشاركة جميع المتدخلين، من جماعات وقطاعات حكومية ووزارة الداخلية وفرق الوقاية المدينة والقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والقوات المساعدة.
وقد دعا الملك محمد السادس في خطابه أمام البرلمان (الجمعة 10 أكتوبر 2025)، إلى ((إعطاء عناية خاصة للمناطق الأكثر هشاشة، بما يراعي خصوصياتها وطبيعة حاجياتها، وخاصة مناطق الجبال والواحات.. فلا يمكن تحقيق تنمية ترابية منسجمة بدون تكامل وتضامن فعلي بين المناطق والجهات))، مشددا على ضرورة ((إعادة النظر في تنمية المناطق الجبلية، التي تغطّي 30 في المائة من التراب الوطني، وتمكينها من سياسة عمومية مندمجة تراعي خصوصياتها ومؤهلاتها الكثيرة)).
وطالبت منظمات حقوقية ومدنية مغربية، الحكومة، بإعفاء مؤقت لسكان المناطق الجبلية من أداء فواتير الكهرباء، وإمداد منازلهم ومؤسساتهم التعليمية بالمدافئ الكهربائية، لمواجهة قساوة الطقس التي تُلقي بظلالها على تفاصيل حياتهم، ومن ذلك الحاجة إلى حطب التدفئة الذي ترتفع أسعاره نتيجة زيادة الطلب عليه، وندرة المصادر المحلية للأخشاب، عبر دعم وتشجيع المشاريع الصناعية الخاصة بإنتاج المدافئ البسيطة والرخيصة، وتسهيل ولوج الأسر إليها.
وترى الهيئات الحقوقية أن غياب خطة حكومية واضحة وشاملة للتعامل مع الوضع في المناطق الجبلية، يعكس استمرار نهج التهميش، وحرمان آلاف الأسر من حقوقها الأساسية، في مقدمتها الحق في العيش الكريم، والحق في الصحة والأمان، وأن ما يتعرّض له السكان لم يعد مجرد إكراهات مناخية، بل أصبح مؤشرا على اختلالات عميقة في السياسات العمومية، ما يستدعي تدخلا عاجلا ومسؤولا من الحكومة.
وفي هذا السياق، دعا الائتلاف الوطني من أجل الجبل إلى الإسراع بإحداث هيئة وطنية ذات صلاحيات عليا لتنمية المجالات الجبلية، توضع تحت إشراف رئاسة الحكومة، وتضم ممثلين عن القطاعات الوزارية والخبراء والهيئات المدنية، لضمان الالتقائية والتنسيق بين مختلف المتدخلين وجميع الفاعلين، لتحمل مسؤولياتهم التاريخية في تحويل مناطق الخصاص إلى فضاءات منتجة للثروة وقاطرة للتنمية المستدامة، بدل تركها رهينة التهميش والانتظارات المؤجلة.



