تحقيقات أسبوعية

للنقاش | كيف يمكن أن تنجو مهنة المحاماة من مرض الانتهازية الوصولية ؟

الشخص الانتهازي بارع في الكلام لا تهمه النتيجة بقدر ما يهمه ما يجنيه من فوائد، سواء كانت مادية أو معنوية، للوصول إلى ما كان يخطط له بدقة لخداع المخاطبين المغفلين، وبالتالي الوصول إلى الهدف المقصود.

كتاب “الأفاعي البشرية وفلسفة الإنسان الانتهازي الوصولي” للدكتور محمود محمد علي، يتناول موضوع الانتهازية والوصولية في المجتمع، حيث يسلط الكاتب الضوء على الشخصية الانتهازية التي تسعى إلى تحقيق مصالحها الشخصية بأي ثمن دون اعتبار للقيم أو الأخلاق.

حسوني قدور بن موسى
بقلم: حسوني قدور بن موسى
محامي بهيئة وجدة

يصف كتاب “الأفاعي البشرية وفلسفة الإنسان الانتهازي الوصولي” الإنسان الانتهازي بأنه شخص لا يملك قيما ولا مبادئ ثابتة، فهو يغير مواقفه حسب المصالح الشخصية، ويناقش الكاتب أسباب الانتهازية، مثل الرغبة في السلطة والمال، والخوف من الفشل، ويقدم أمثلة على الشخصيات الانتهازية في المجتمع، وكيفية التعامل معها، كما يناقش أيضا تأثير الانتهازية على المجتمع والعلاقات الإنسانية؛ فالكتاب يقدم نظرة فلسفية عميقة حول الانتهازية، ويهدف إلى مساعدة القراء على فهم هذه الشخصية الخطيرة وتجنب تأثيرها السلبي، وهذه الظاهرة يمكن أن تسكن في أي  شخص بغض النظر عن درجته في المجتمع أو مهنته، حتى بالنسبة للأشخاص في مراتب عالية مثل المحامين والقضاة والأساتذة الجامعيين والوزراء، يمكن أن يصابوا بمرض الانتهازية إذا لم تكن لهم قيم ومبادئ ثابتة تحميهم من مرض الانتهازية وحب الذات والظهور رغم أنه ليس لهم مستوى علمي ورؤوسهم فارغة، ذلك أن الانتهازية هي سلوك يمكن أن يظهر في أي شخص، سواء كان غنيا أو فقيرا، متعلما أو غير متعلم، في أي مجال أو مهنة، تعتمد على عوامل مثل الرغبة في السلطة أو جمع المال، أو النفوذ، أو الخوف من الفشل أو الخسارة .. لذا، من المهم أن يكون لدى الأفراد وعي ذاتي وقيم قوية والتصرف بطريقة أخلاقية لتجنب الانتهازية، خاصة إذا كان الإنسان محاميا، لأن المحامي يجب أن يتحلى بأخلاق عالية وصاحب مبادئ ثابتة، حيث يفضل دائما استخدام سبل القانون بطريقة عادلة لتحقيق انتصاف المظلومين، لأن دور المحامي في بناء مجتمع عادل لا يُقدَّر بثمن، فهو جزء من ركائز الديمقراطية.

تتمة المقال تحت الإعلان

المحامي يعكس التقدير والاحترام لهذه المهنة المهمة التي لا يستغني عنها أي مجتمع في هذا العصر، بالمقابل، يصعب إصلاح مهنة المحاماة عندما يكون المحامي انتهازيا وجزء من منظومة الفساد.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن مراحل سن القوانين في المغرب تمر عبر المبادرة التشريعية (الحكومة أو البرلمان) ثم المناقشة والتصويت في البرلمان (مجلس النواب والمستشارين)، ومن الناحية المسطرية، فقد مر تعديل قانون مهنة المحاماة والمسطرة المدنية الجديد عبر عدة مراحل، إذ كان يجب على هيئات المحامين بالمغرب أن تبادر بطرح مشروع تعديل وعرضه على وزارة العدل مع ممارسة الضغط المهني ضد هذه التعديلات المرفوضة منذ البداية واستخدام الإعلام والدعوة إلى تضامن المحامين عبر حملات شرح مخاطر التعديل الجديد غير المرغوب فيه، لكن تمريره من خلال أيادي خفية وأصحاب الأطماع والمصالح الخاصة التي تسعى إلى وضع قوانين تخدم مصالحها وتحافظ على امتيازاتها والسكوت عن معارضته في الوقت المناسب، لا يعبر حقيقة عن الرغبة الصادقة في معارضة وزير العدل في الوقت المناسب، وهذا خطأ فادح يصعب تجاوزه، وهنا لن أتناول النصوص القانونية التي تم تعديلها، والتي تضر بحقوق ومصالح المحامين والمتقاضين على السواء، لأن مناقشتها في هذه المرحلة المتأخرة من الوقت، لن يفيدنا في شيء.

وقد قال باتريس لومومبا، مؤسس حركة الاستقلال في الكونغو: “لا حرية بلا كرامة ولا كرامة بلا عدالة ولا رجال أحرار بلا استقلال”، وقال عظماء التاريخ أن “المحامي فارس”، فالكلمة الحرة رمز للعدالة وسند المظلوم وضرورة كالماء والهواء، حيث يدافع المحامي عن الضعفاء ويجسد الشرف، ويمكن أن يكون نبيلا وغنيا وسعيدا دون الحاجة إلى المال أو الألقاب أو المناصب الحكومية، أو الجاه أو الشهرة، كما أن مهنة المحاماة تتطلب الجسارة والإقدام والجرأة والشجاعة والبلاغة، وأن يكون المحامي إنسانا أولا ليكون محاميا حقيقيا، فليست المحاماة مهنة انتصار يشهر على وسائل الإعلام، ولا منصة لاستعراض القوة العضلية ورفع الشعارات واللافتات، بل هي رسالة عدل وحقوق تؤدى في صمت وأمانة بضمير إنساني، وهي أسرار موكلين لا تفشى ولو كان في الإفشاء مجد وثروة، والمحامي ليس عظيما بعدد الملفات المكدسة في رفوف خزانته ولا بماله وثروته، بل بسيرته العلمية والمهنية، وبخبرته وبأدبه على منصة الدفاع، والمحامي الذي يحتاج إلى إعلان انتصاراته لم يدرك بعد أن أعظم إعلان هو ثقة زملائه وثقة الناس فيه، وأن أعماله هي التي تتحدث عنه لا أن يتحدث هو عنها، حيث أن ملوكا عظماء وفلاسفة وعلماء كبار، وصفوا مهنة المحاماة بأنها أجمل مهنة في العالم؛ فهي فن الحجة والإقناع والدليل على ذلك أن الملك الحسن الثاني رحمه الله خاطب أعضاء الأمانة العامة والمكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب بقصر الضيافة في 24 ماي 1993 قائلا: ((إنني أقول لكم مرحبا بكم أقولها ثلاثة: مرحبا بكم في بلدكم الثاني، ومرحبا بكم في بيتكم هذا، ومرحبا بكم عند قانوني مثلكم، إنني أعتز وأفتخر بتكويني القانوني ولو لم أكن في المنصب الذي أنا فيه لكنت دون شك فردا من أسرتكم النبيلة الشريفة المحترمة))؛ هذه الكلمات الرفيعة الرائعة السامية تعبر فعلا عن مكانة مهنة المحاماة وعظمتها ومجدها وهي شهادة صادرة عن ملك له تكوين قانوني كان يحب مهنة المحاماة، وفي هذا الصدد، قال ملك فرنسا لويس الرابع عشر عن مهنة المحاماة عبارة شهيرة تعبر عن تقديره واحترامه لهذه المهنة: “لو لم أكن ملكا لفرنسا لوددت أن أكون محاميا”.. هذه العبارات تعكس مكانة وأهمية المحاماة كمهنة نبيلة وعريقة تليق بالعظماء لا بالانتهازيين، وهي تجمع بين خدمة العدالة والدفاع عن حقوق الإنسان، وقال الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ماري أوروبيه، الملقب بـ”فولتير”، عن مهنة المحاماة: “المحاماة أجمل مهنة في العالم وأسمى مهنة في الوجود”، لأنه يرى أن المحامي يدافع عن الجميع غنيا أو فقيرا، قويا أو ضعيفا، وهو يضحي بوقته وصحته وحتى بحياته من أجل إحقاق الحق وإرساء العدالة، معتبرا أنها مهنة نبيلة تتطلب العلم والفن والرسالة الإنسانية للدفاع عن الحقوق..

فهل نحن اليوم في مستوى أخلاق وطموحات هؤلاء العظماء الذين كانوا مغرمين بمهنة المحاماة الشريفة، لكن اليوم في هذا الزمان الرديء لا تحترم قواعد وأعراف مهنة المحاماة، حيث يقوم المحامي الرديء بسلوكات منافية لأخلاقيات المهنة وأدبياتها، ومن ذلك سرقة ملفات الزملاء المحكومة بتعويضات، والانتصاب في ملفات مدنية وجنحية ضد زملاء لهم رغم أن قانون المهنة ينص على الامتناع عن قبول وكالات ضد زميل في المهنة إلا بإذن خاص من النقيب، لكن المصالح المشتركة تحول دون تطبيق القانون ضد المحامين المخالفين للقانون، وتعتبر هذه التصرفات الشاذة استغلالا للمهنة من أجل المال الحرام وهي تؤثر سلبا على سمعة المحاماة وتظل هذه الظاهرة البلطجية مستمرة دون رادع، فعندما يصبح القانون مجرد ستار للظلم ينقلب العدل إلى مأساة، وعندما تريد هدم كيان أمة دون جندي واحد فعليك أن تستبدل الكفاءة بالولاء، وأن تجعل سوسة الرشوة والانتهازية بوابة الحقوق، وأن تزرع الشك بين أبناء الشعب الواحد وتسلم المسؤوليات للتافهين وأبناء السفلة والجهلة والسفهاء الطامعين في المناصب، حيث أنه إذا تمكن المال من شراء السلطة يتم بيع العدالة لمن يدفع أكثر، وحين يصمت المثقف والعاقل ويعربد الانتهازي والتافه والجاهل وتشيد العروش فوق ركام العدالة.. فانتظر الساعة.

قال الدكتور عبد الرزاق السنهوري: “إن المحاماة فن قبل أن تكون مهنة، وأن دور المحامي الحقيقي ليس مجرد معرفة القانون، بل فهم الوقائع وكيفية انطباق نصوص القانون عليها”، مؤكدا على ضرورة أن يتحلى المحامي بالأخلاق العالية، وأن يكون إنسانا أولا، وألا يلجأ إلى قلب الحقائق أو الكذب، لأنه يخسر نفسه قبل أن يخسر القضية، مشيرا إلى أن المحامي الذي يرتشي يخرج من كونه محاميا ليصبح مجرما، كما سبق للمحامي الراحل رجائي عطية، نقيب هيئة المحامين بمصر، أن ركز على أهمية النزاهة والشرف في مهنة المحاماة وضرورة محاسبة المخطئين للحفاظ على كرامة وهيبة المهنة، حيث حث المحامين على التحلي بالجسارة والأدب والحجة، وطالب النقابة بمتابعة المحامين المتهمين في قضايا مخلة بالشرف، وسرقة ملفات الزملاء لضمان نزاهة المهنة وشرفها، مؤكدا أن أي إخلال بالمروءة أو القانون يمس سمعة المحاماة، لكن كل هذه الخصال الحميدة التي كان المحامي يتحلى بها في سنوات العزة والكرامة، تبخرت من خلال تصرفات بعض الوافدين الجدد على هذه المهنة الشريفة والذين هدفهم الارتزاق وجمع المال الحرام بكل الوسائل غير المشروعة ومن خلال تدخلات مشبوهة بتسجيل نيابات ضد زملائهم بلا ضمير ودون حتى إشعار النقيب، وهذه التصرفات تضر بمهنة الفرسان التي أحبها الملوك والمحامون العظماء أمثال نيلسون مانديلا والمهاتما غاندي وسعد زغلول، وغيرهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى