المنبر الحر | أزمة التواصل السياسي بين صمت الأحزاب وصوت الشارع


مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، يعود إلى واجهة النقاش العمومي سؤال بنيوي ظل يؤرق التجربة الديمقراطية المغربية لسنوات: أين تتموقع الأحزاب السياسية من المواطن؟ وأي معنى يمكن أن تكتسبه العملية الانتخابية حين يغيب التواصل الحقيقي بين الفاعلين السياسيين وعموم الناخبين، الذين يُفترض أنهم قلب العملية الديمقراطية وغايتها القصوى ؟
في السياق الطبيعي لأي مسار انتخابي سليم، يُنتظر أن تعرف الساحة السياسية دينامية متواصلة، قوامها النقاش العمومي، والتنافس البرامجي، والتفاعل المباشر مع انتظارات المواطنين، غير أن الواقع، كما ترصده مؤشرات متعددة، يكشف عن حالة من الفتور السياسي، بل عن شكل من أشكال القطيعة الرمزية والتواصلية بين عدد من الأحزاب والمجتمع، بما يعمق الإحساس العام بالبعد والمسافة وانعدام الثقة.
لقد أضحى التواصل السياسي لدى فئة من التنظيمات الحزبية، ممارسة ظرفية موسمية، لا تستيقظ إلا مع اقتراب مواعيد الاقتراع لتختفي مباشرة بعد إعلان النتائج، ويغيب، بالمقابل، التواصل المستدام القائم على الإنصات، والشرح، والتفاعل، والمساءلة المتبادلة، كما يطغى خطاب إنشائي عام، يُعيد إنتاج الشعارات نفسها، دون قدرة حقيقية على ملامسة الانشغالات اليومية للمواطن المغربي، المرتبطة أساسا بقضايا الشغل، والصحة، والتعليم، والقدرة الشرائية، والعدالة الاجتماعية والمجالية، غير أن أخطر ما في هذا الخلل التواصلي، هو أنه يستند أحيانا إلى تصورات متجاوزة عن الناخب المغربي، باعتباره إما غير مبالٍ، أو قابلا للتأثير السريع عبر الوعود الخطابي، والحال أن المواطن المغربي اليوم راكم تجربة سياسية معتبرة، وأضحى أكثر وعيا ونقدا، وأكثر قدرة على التمييز بين الخطاب والممارسة، وبين الوعود الانتخابية والحصيلة الفعلية. لقد تشكل وعي سياسي جديد يرفض منطق الإفلات من المحاسبة، ويقاوم ثقافة التبرير الدائم، ويطالب بالوضوح والمسؤولية.
إن ضعف التواصل السياسي لا يفرز فقط فجوة نفسية ورمزية بين الأحزاب والمجتمع، بل يفتح الباب واسعاً أمام العزوف الانتخابي، ويغذي مشاعر اللامبالاة والشك في جدوى العمل السياسي برمته، وهو ما ينعكس سلبا على صورة المؤسسات المنتخبة، ويؤثر في منسوب الثقة العامة في المسار الديمقراطي، وفي قدرة السياسة على إحداث التغيير المنشود.
في المقابل، يحمل الناخب المغربي اليوم تطلعات كبرى، تتجاوز منطق الوعود الظرفية إلى مطلب سياسات عمومية ناجعة وعادلة، ونخب سياسية قريبة من نبض المجتمع، قادرة على التواصل بصدق، وشرح اختياراتها بشفافية، والاعتراف بأخطائها قبل التباهي بإنجازاتها، كما أن هذا الناخب لم يعد مستعدا للتسامح مع الفشل المتكرر أو الاستهانة بذكائه، ويُدرك أن آلية المحاسبة عبر صناديق الاقتراع تظل أقوى وسيلة سلمية للتصحيح والتغيير.
وبالتالي، فإن المرحلة الراهنة تفرض على الأحزاب السياسية مراجعة عميقة وشجاعة لمنهجية تواصلها مع المواطنين، والانتقال من منطق الدعاية إلى منطق الحوار، ومن خطاب النخبة المنغلق إلى خطاب المواطن القريب، ومن الموسمية إلى الاستمرارية؛ فالتواصل السياسي ليس مجرد أداة تقنية أو واجب شكلي، بل هو شرط بنيوي لإعادة بناء الثقة، وضمان مشاركة انتخابية وازنة، وإفراز تمثيلية سياسية تعكس فعلا انتظارات المجتمع وتطلعاته.
وفي الأخير، يبقى الرهان مفتوحا على خيارين لا ثالث لهما: إما أن تنجح الأحزاب في كسر جدار الصمت، وتجديد تعاقدها الرمزي والسياسي مع المواطنين قبل فوات الأوان، وإما أن يواصل الشارع توجيه رسالته الصامتة.. ولكن الحاسمة، يوم الاقتراع.



