للنقاش | اختطاف الرئيس الفنزويلي.. تعبير عن نهاية مفهوم سيادة الدولة
كيف أصبحت أمريكا رئيسة للعالم

نظريا، سيادة الدولة تعني السلطة العليا المطلقة للدولة على إقليمها وشعبها دون تدخل خارجي، وحقها في تنظيم شؤونها الداخلية والخارجية بكل حرية واستقلال عن التدخلات الخارجية، وتشمل الاستقلال التام واتخاذ القرارات، وتتجسد في سيطرتها على أراضيها وقدرتها على إبرام المعاهدات والانضمام للمنظمات الدولية أو الانسحاب منها دون ضغط أو إكراه من أي جهة كيفما كانت.

إن سيادة الدولة مفهوم يشير إلى السلطة العليا للدولة على إقليمها، وقدرتها على حكم نفسها دون تدخل خارجي مهما كانت قوته، وتعتبر أساسية في القوانين الوطنية والدولية، وتتجسد سيادة الدولة على الصعيد العالمي، عبر السيطرة على الإقليم وتمثيل مصالح المواطنين والمشاركة في المحافل الدولية، وتشير كلمة سيادة في اللغة العربية إلى رفعة القدر والمكانة، ويقال فلان سيد قومه، أي كبيرهم وذو منزلة رفيعة فيهم، وهو مفهوم يدل على الغلبة والقوة والمكانة.. وتعود جذور المصطلح إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو (384-322 قبل الميلاد)، الذي كتب عن “السلطة العليا للدولة”، فيما استخدمه لاحقا فلاسفة أمثال جان بودان وتوماس هوبز.. لتحديد السلطة المطلقة للدولة، ثم بعد ذلك تطور مفهوم السيادة عبر التاريخ ليشمل السيادة الشعبية والوطنية، مع تعدد أشكالها بين سيادة تشريعية أو قضائية حسب النظام السياسي والقانوني بالدولة؛ فبعد أرسطو، تناقل الفكرة نفسها الفلاسفة الرومان ورجال القانون، حيث تشير سيادة الدولة إلى مبدأ أن للدولة السلطة العليا على إقليمها، والقدرة على حكم نفسها دون تدخل من أي جهات خارجية، ويُعد هذا المفهوم أساسيا في القوانين الوطنية والدولية، إذ يؤكد حق الدولة في تقرير مصيرها بنفسها دون تدخل أجنبي في شؤونها الداخلية والخارجية، واستخدم الفيلسوف والمفكر السياسي الفرنسي جان بودان مصطلح السيادة في كتابه الشهير “الجمهورية”، وقصد به “السلطة المطلقة للدولة المرتكزة على المواطنين والرعايا، وهي سلطة لا تقيدها القوانين”، أما القاضي الهولندي هوغو غروتيوس، فقد عرف السيادة بأنها “السلطة السياسية العليا الموكلة إلى شخص لا يخضع لأي سلطة أخرى، ولا يمكن انتهاك إرادته”، وأشار الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام إلى العلاقة الوثيقة بين الفردية وسيادة الدولة في إطار ما سماه “فلسفة المنفعة”، ويرى أن “هناك سيادة غير محدودة للدولة تمكنها من سن القوانين لتحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس”، أما الفيلسوف البريطاني جون أوستن، فيقول: “إنه إذا وجدت سلطة محددة في مجتمع معين، لا تخضع لأي سلطة أخرى، ولكنها تحظى بولاء عام من جميع أفراد ذلك المجتمع، فإن هذه السلطة العليا تسمى سيادة، ويعتبر المجتمع الذي يمتلك تلك السيادة مجتمعا سياسيا مستقلا”.
في القرن 16، استخدم الفيلسوف الفرنسي جان بودان مفهوم السيادة الجديد لتعزيز سلطة الملك الفرنسي على الأمراء الإقطاعيين المتمردين، الذين كانوا يملكون الأراضي والسلطة على الفلاحين، مما سهل الانتقال من النظام الإقطاعي إلى الوطنية، أما المفكر الذي ساهم أكثر في منح المصطلح معنى حديثا، فهو الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679)، الذي جادل بأن “في كل دولة حقيقية يجب أن يكون هناك شخص أو هيئة تمتلك السلطة المطلقة والقصوى لإصدار القوانين، وأن تقسيم هذه السلطة يعني بالأساس تدمير وحدة الدولة”،
بينما اعتبر الفيلسوف البريطاني جون أوستن، أن “السيادة تستمد من البرلمان” (الموسوعة البريطانية).
نظريات الفيلسوفين جون لوك وجان جاك روسو، التي ترى بأن “الدولة مبنية على عقد رسمي أو غير رسمي بين المواطنين”، أي عقد اجتماعي يمنح فيه المواطنون الحكومة السلطات اللازمة للحماية المشتركة، قادت هي الأخرى إلى تطوير مبدأ “السيادة الشعبية” الذي تجلى في إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عام 1776، وقد أضيف بعد ذلك بعد آخر إلى هذا المفهوم، عبر نص في الدستور الفرنسي عام 1791، جاء فيه أن “السيادة واحدة غير قابلة للتجزئة والتنازل والتقادم، وهي ملك للأمة ولا يمكن لأي جماعة أن تنتزع السيادة لنفسها، ولا يمكن لأي فرد أن يدعيها لنفسه”.
وفي القرن 19، طور الفيلسوف جون أوستن هذا المفهوم عبر دراسة من يمارس السيادة باسم الشعب أو باسم الدولة، فاستنتج أن السيادة تُمنح لبرلمان الأمة، واعتبر أن البرلمان هيئة عليا تُصدر القوانين الملزمة للجميع، لكنها نفسها غير ملزمة بهذه القوانين، ويمكنها تعديلها متى شاءت، ومع ذلك، كان هذا الوصف ينطبق فقط على نظام حكومي محدد، مثل النظام الذي ساد في بريطانيا في القرن 19.
لكن فكرة أوستن حول السيادة التشريعية لم تتناسب تماما مع الوضع الأمريكي، إذ أن دستور الولايات المتحدة لم يمنح الهيئة التشريعية الوطنية (الكونغريس) السلطة العليا، بل فرض عليها قيودا مهمة، وتعقد الوضع أكثر عندما أكدت المحكمة العليا الأمريكية، في قضية ويليام ماربيري وجيمس ماديسون عام 1803، حقها في إعلان قوانين غير دستورية عبر إجراء يعرف باسم “المراجعة القضائية”، ورغم أن هذا التطور لم يؤد إلى “السيادة القضائية”، فإنه بدا وكأنه يضع السلطة السيادية في الوثيقة الأساسية نفسها، أي الدستور.
وشهد القرن 20 تحديا آخر لمبدأ سيادة الدولة في الفكر السياسي، على أيدي علماء السياسة، مثل ليون دوغوي وهوغو كرابي وهارولد لاسكي، الذين طوروا نظرية “السيادة التعددية”، التي “تمارسها مجموعات سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية مختلفة تهيمن على حكومة كل دولة”، وبحسب هذه النظرية، فإن السيادة في كل مجتمع ليست مستقرة في هيئة محددة، بل تنتقل باستمرار من مجموعة إلى أخرى، أو من تحالف مجموعات إلى آخر، وترى النظرية التعددية أن الدولة ليست سوى أحد الأمثلة العديدة على التضامن الاجتماعي، وليس لها سلطة خاصة تميزها عن باقي مكونات المجتمع.
وتعود النظريات المتعلقة بسيادة الدولة في القانون الدولي، إلى معاهدة سلام وستفاليا عام 1648، التي أنهت حربا استمرت 30 عاما في أوروبا، وعبر هذه المعاهدة، ظهرت الدولة القومية باعتبارها المؤسسة المهيمنة في العلاقات الدولية، لتحل محل النموذج الوسيط، الذي كانت فيه الشخصيات الدينية هي صاحبة السلطة والسيطرة.
وفي القرن 21، واجهت سيادة الدولة العديد من التحديات التي تهدد النظام العالمي، إذ ثبت أن بعض الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين عبر الحدود الوطنية، أقوى أو أكثر تأثيرا في بعض الحالات من الدول نفسها، وتشمل هذه الجهات الشركات متعددة الجنسيات، والحركات الثقافية أو الدينية وغيرها، ومع ذلك، لا يمتلك هؤلاء الفاعلون أي وضع قانوني ضمن القانون الدولي، ويشير مصطلح “سلامة الأراضي” إلى المبدأ القائل إن “للدولة الحق في الدفاع عن حدودها الإقليمية ضد العدوان الخارجي والحفاظ على سيادتها على أراضيها”، ويُعد هذا المفهوم أساسيا لسيادة الدولة، إذ يضمن بقاء حدودها سليمة ومحترمة من الدول الأخرى، وتُعد سلامة الأراضي جزء لا يتجزأ من حوكمة الدولة، إذ تتيح لها ممارسة سلطتها وتنظيم شؤونها الداخلية ضمن نطاقها الجغرافي المحدد دون تدخل أجنبي خارجي، ويدعم هذا المبدأ الاستقرار السياسي وسيادة القانون، ويعزز من قدرة الدولة على سن القوانين وتنفيذها، كما أن انتهاك سلامة الأراضي يؤدي إلى نزاعات وصراعات دولية تؤثر على الاستقرار الإقليمي والعالمي، وترتبط سلامة الأراضي بقدرة الدولة على التفاوض على المعاهدات والانخراط في الدبلوماسية، مما يُعزز مكانتها على الساحة الدولية.
قال الكاتب الأمريكي المشهور توماس فريدمان: “فنزويلا أصبحت الآن مِلكاً لترامب”، وهذا يعني بكل بساطة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نصب نفسه رئيسا على العالم بأكمله، عن طريق استخدام القوة العسكرية، وبالفعل، فمنذ نشأة الأمم المتحدة سنة 1948، ظلت الولايات المتحدة الأمريكية تسيطر على هذه المنظمة وتتحكم في قراراتها، فأصيبت بالفشل في الوصول إلى حلول جذرية للقضايا الساخنة التي وضعت العالم على شفا حفرة من اندلاع حرب عالمية ثالثة دون أن تستطيع ممارسة أي دور فيها، وظلت أمريكا تهيمن على العالم بأكمله وتتدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة ذات السيادة للحفاظ على مصالحها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، فأمريكا التي تتهم روسيا بالتهديد باستعمال الأسلحة النووية هي التي استعملت القنبلة النووية ضد ناغازاكي اليابانية سنة 1945 والتي قتلت 74 ألف شخص بعد ثلاثة أيام من الهجوم بواسطة السلاح النووي الفتاك، ودمرت مدينة هيروشيما بكاملها وأسفر ذلك العدوان عن مقتل 140 ألف شخص، ورغم خطورة السلاح النووي والنداءات الدولية لحظر هذه الأسلحة، لم توقع أمريكا وإسرائيل على معاهدة حظر السلاح النووي، وأمريكا هي أول دولة طورت أسلحتها النووية وأنظمة إيصال الأسلحة بعيدة المدى وأجرت أكثر من 1000 تجربة نووية وأنفقت أكثر من 8.75 تريليون دولار لتطوير الأسلحة النووية، وأمريكا متزعمة الدفاع عن سيادة أوكرانيا وحماية أراضيها هي التي استعملت العنف ودمرت دولا عديدة عن طريق التدخل العسكري كما في كوبا وغواتيمالا والدومينكان وكامبوديا والعراق وأفغانستان وليبيا والصومال وروندا وهايتي، ودولا أخرى ذات سيادة، وكان التدخل العسكري في العراق بتأييد من بعض الدول العربية الخليجية التابعة لأمريكا دون تفويض من مجلس الأمن خلافا للمادة 7 من الميثاق التي تسمح باتخاذ تدابير زجرية في الوقت الذي أعرب فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن رفضه المطلق لهذا التدخل العسكري، وانتهكت أمريكا سيادة العراق ودمرت اقتصاده وبنياته التحتية تحت غطاء امتلاك أسلحة نووية، حيث تبين فيما بعد أنها كذبة اختلقتها أمريكا غطاء للتدخل الهمجي الذي أدى إلى خسائر بشرية وصلت إلى أكثر من مليون قتيل ومصاب وملايين المشردين، كما أن أمريكا متزعمة الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، هي التي ارتكبت أبشع جريمة قتل في التاريخ عندما نفذت حكم الإعدام في حق الرئيس صدام حسين شنقا في يوم عيد الأضحى تماما كما يحدث في الأفلام الأمريكية، عن طريق محاكمة صورية بتهم ملفقة لا تتوفر فيها أدنى شروط المحاكمة العادلة، هذا مع العلم أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تقبل بسلطة المحكمة الجنائية الدولية على قواتها العسكرية لأنها تعتبر نفسها دولة فوق القانون الدولي، الذي لا يطبق سوى على الدول الضعيفة حسب المفهوم الأمريكي، وكان المقصود من إعدام الرئيس العراقي استفزاز العرب والمسلمين وتركيعهم واحتقارهم وإذلالهم في عقر ديارهم، فأدى ذلك التدخل العسكري الوحشي إلى انهيار الدولة العراقية بأكملها وانزلاق البلاد في عنف طائفي بلغ ذروته، وكان هذا التدخل العسكري العنيف يهدف إلى محافظة الدول الكبرى الاستعمارية وعلى رأسها أمريكا، على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في منطقة الخليج، وأمريكا التي تتهم روسيا اليوم بالتهديد باستعمال السلاح النووي هي التي أنتجت 70000 رأس نووي منذ سنة 1945 استعدادا لهجوم نووي محتمل، وللتذكير فإن قوات حلف شمال الأطلسي بقيادة أمريكا، أثناء الحرب العالمية الثانية استخدمت القصف الجوي على مدن ومدنيين ذهب ضحيته أكثر من مليونين ونصف قتيل، 800 قتيل في مدينة برلين وحدها، وارتكبت أمريكا مجازر رهيبة ضد الإنسانية وجرائم حرب بشعة وقتل الأسرى في ألمانيا واليابان، ولم يتم التحقيق فيها إلى يومنا هذا، وقد أكدتها دراسات مثل كتاب معركة “نورماندي دي- داي”، وكانت أمريكا تنظر إلى أسرى الحرب على أنهم غير آدميين، حيث بلغت جرائم الحرب التي ارتكبتها أمريكا والموثقة لدى البنتاغون، من ضمنها مجزرة “ماي ماي” في الفيتنام الجنوبية، والتب بلغ فيها عدد القتلى 504347 مدني أغلبهم من النساء والأطفال الأبرياء، حيث استخدمت أمريكا السلاح النووي والرش الكيماوي البرتقالي والأزرق والأخضر لتدمير وحرق وإتلاف البشر والحقول والقرى.



