للنقاش | السكن غير اللائق.. الآفة التي هزمت كل الحكومات

على مدى سنوات، تثير برامج محاربة السكن غير اللائق الكثير من الجدل بخصوص النتائج المرجوة من هذه البرامج التي جاء تنزيلها من أجل تحسين جودة السكن والعمل على محاربة دور الصفيح، من جهة، ومن جهة ثانية، إيجاد حلول للاكتظاظ الذي تعرفه الحواضر الكبرى بفعل الهجرة القروية من أجل الدراسة والشغل.. غير أن الأحداث المؤسفة التي تقع بين الفينة والأخرى من خلال انهيار المساكن فوق أصحابها، إضافة إلى المشاكل التي يعرفها السكن الاقتصادي أو الاجتماعي، تبقى علامة استفهام كبيرة حول من يتحمل مسؤولية الاختلالات التي يعرفها قطاع السكن..

يعكس استمرار السكن العشوائي والمنازل الآيلة للسقوط في العديد من المدن المغربية، هوة عميقة بين البرامج التي خصصت لمحاربة هذا النوع من السكن الهش، وبين ما يعيشه مواطنون بالآلاف اضطروا إلى اقتناء أو اكتراء مساكن في تلك الأحياء أو المدن.. فبين البرامج على الورق وأرض الواقع.. تطرح أكثر من علامة استفهام حول الاختلالات أو القصور الذي رافق تنزيلها من أجل الحد من التجمعات السكنية العشوائية بما لها وما تحتضنه من مظاهر الهشاشة على جميع المستويات..
ففي درب الإصلاح والتقدم الذي يسير فيه المغرب منذ عقود، لجأت السلطات منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني إلى وضع برنامج “مدن بدون صفيح” في إطار استراتيجية كبرى لمحاربة دور الصفيح في المدن، وذلك من خلال مبادرات إسكانية ضخمة، غير أن ما أخر تحقيق هذا البرنامج وفق ما كان مخططا له، هو التحديات الهيكلية، وخاصة ما يتعلق بالنمو الديموغرافي المتزايد والوعاءات العقارية والملكيات الخاصة.. لكن الدولة دخلت في “حرب” جادة لمحاربة مدن الصفيح، من خلال إطلاق مشروع بناء 200.000 سكن اقتصادي، رغم التحديات المتشابكة، وهو ما اعتبر آنذاك ثورة حقيقية ضد ظاهرة البناء العشوائي وأحياء الصفيح، التي أصبحت فيما بعد مدنا قائمة الذات، وفي العهد الجديد، عهد مغرب تطور في جميع المجالات وأصبح يحاكي في نموه كبريات الدول، كان لا بد من القضاء على جميع مظاهر التخلف من جهة، وبالمقابل، العمل على تحسين جودة السكن لفائدة شرائح عريضة من المغاربة، حيث تم التوقيع، بتاريخ 22 يوليوز 2004، تحت الرئاسة الفعلية للملك محمد السادس، على برنامج “مدن بدون صفيح”، ليبدأ من المدن الكبرى كالدار البيضاء والرباط وسلا وتمارة، وقد شمل البرنامج مدنا أخرى على مراحل، ولتفعيله تم وضع الإطار المؤسساتي الذي يسهر على التنفيذ، وهذا الإطار يشمل مجموعة من الفاعلين كالتالي:
1) السلطات المحلية: مهمتها التنسيق على الصعيد المحلي، وتحديد لوائح الأسر المعنية والمصادقة عليها، إلى جانب تأطير عملية الترحيل وهدم “البراريك” وتكثيف المراقبة للحد من انتشار الظاهرة؛
2) الجماعات المحلية: تعبئة العقار الجماعي ومنح الرخص الإدارية والمواكبة الاجتماعية للأسر؛
3) وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة: التأطير والدعم المالي وتعبئة العقار المناسب ووضعهما رهن إشارة المتدخل الذي سيتولى عملية الإنجاز؛
4) صاحب المشروع المنتدب: يعني المؤسسة المكلفة بإنجاز المشروع،
والتتبع التقني لمشاريع إنجاز التجزئات، الشقق أو مشاريع إعادة الهيكلة المخصصة لهذا البرنامج.
بالنظر إلى محاور برامج محاربة السكن غير اللائق، يتبين أنها ناجعة إلى حد كبير للحد من الظاهرة، لكن الواقع يختلف كثيرا عما يتم التخطيط له، وهو ما يطرح أسئلة مشروعة في ظل ما نعيشه يوميا وما نشاهده في الحواضر الكبرى من اختلالات في هذا النوع من السكن من حيث جودة البناء والتصاميم وغيرها: ما الذي يحدث بين التخطيط والتنفيذ؟ من هي الجهة المسؤولة عن الكوارث التي تقع من انهيارات مساكن فوق رؤوس أصحابها، وقبل ذلك، من يسمح بتنفيذ وبناء “منازل” هشة يسكنها عدد كبير من الأسر بعدد كبير من الأفراد؟ ثم – وهذا هو الأهم – هل يتم فعلا تنفيذ ما يتم تخطيطه في برامج محاربة السكن غير اللائق؟ ذلك لأن معظم الأحياء أو المدن التي تم ترحيل ساكنة أحياء القصدير إليها، واقعها يظهر أنها مشوهة شكلا ومضمونا، والنموذج غير بعيد.. ولا أدل على ذلك من العمارتان اللتان ردمتا ساكنتيهما بفاس، والأكيد أن ما بني خارج المتفق عليه لم يكن بعيدا عن الأعين.. ليبقى السؤال مطروحا على السلطات المحلية وغيابها عن تتبع ومراقبة ما يجري في محيط المقاطعات والعمالات التي تشرف على تدبير شؤونها، وهو بالفعل سؤال يحتاج إلى توضيحات طويلة عريضة مسافتها سنين طويلة من الإهمال وعدم تحمل المسؤولية كاملة كل من موقعه، وغياب الضمير المهني، رغم أن الناس التي تبني بطرق غير قانونية ولا هي مبنية على أساسات قوية، تتحمل هي الأخرى مسؤولية ما يقع، لكن الفقير لا يلام في فقره، ولا يمكن محاسبة من أراد بناء أربعة جدران تأوي أسرته من الخلاء.. ولكن يجب الوقوف على كل صغيرة وكبيرة في تنفيذ برامج السكن اللائق والوقوف في نفس الوقت أمام تجار العقار، وتجار مواد البناء المغشوشة، وأيضا المهندسين الذي يوافقون على بناء مشاريع سكنية فوق أراضي غير صالحة للاستقرار..
صحيح أنه تم القضاء على الأحياء الصفيحية، وأنه تم إحداث مدن جديدة على مشارف الحواضر الكبرى لإيواء ساكنة تلك التجمعات القصديرية، أو إيواء المهاجرين من القرى والدواوير إلى المدن الكبرى بحثا عن الاستقرار.. لكن اختلالات البنى التحتية تعيب هندسة تلك المدن، وبالتالي عدم مطابقتها للمعايير التي تم تسطيرها والتي من بينها “الجودة” و”السكن اللائق”، وهو ما يشكل خطرا يهدد ساكنة تلك الأحياء في أي وقت، والنموذج يتكرر في عدة المدن (فاس، سلا، مراكش، مارتيل…).
فبين الأرقام المعلنة حول نتائج برنامج “مدن بدون صفيح” والتي تبشر بالقضاء على الأحياء العشوائية، وبين واقع العيش في تلك التجمعات السكنية، تستوجب أوجه القصور والاختلالات التوقف عندها وتدخل كل المعنيين، من وزارة وصية على القطاع، وسلطات محلية، ومختلف الفاعلين، لتشريح أسباب استفحال ظاهرة انهيار المنازل – وهنا لا نتكلم عن المدن العتيقة، فهذا لوحده موضوع آخر – وعدم مطابقتها لجغرافية المدن، والنقص في جودة مواد البناء، ثم غياب هندسة فعالة لتلك المباني، وهو ما جعل تلك الأحياء تبقى عشوائية ورديئة.. فقط تم استبدال القصدير بمواد ضعيفة لا تصمد كثيرا..
وفي هذا الإطار، فقد سبق لكاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بن إبراهيم، أن قال بمجلس النواب (26 ماي 2025)، أن “عدد الأسر المستفيدة من برنامج مدن بدون صفيح انتقل من 6200 أسرة سنويا خلال الفترة الممتدة ما بين سنة 2018 و2021، إلى ما يقارب 18500 أسرة سنويا خلال الفترة ما بين نونبر 2021 وماي 2025″، وقال أيضا أن “الولاية الحكومية الحالية شهدت تسريعا في وتيرة معالجة السكن الصفيحي، والحصيلة التي تم تحقيقها جد إيجابية، وجاءت نتيجة الاستراتيجية المنسجمة والفعالة التي اعتمدتها الوزارة، بتنسيق مع باقي القطاعات الوزارية المعنية”، وهذا يعني أن تنفيذ برنامج “مدن بدون صفيح” تشارك فيه جميع القطاعات الوزارية، وبالتالي مسؤولية عدم نجاعته تقع على تلك القطاعات المعنية كاملة، وهو ما يتطلب المراقبة والتتبع المستمر والفعال من أكبر مسؤول إلى أصغر مسؤول، حتى يمكن إنجاح تحدي القضاء على الأحياء القصديرية والسكن غير اللائق، من حيث الكيف وليس الكم فقط، كما جاء على لسان كاتب الدولة في الإسكان، الذي قال أن عدد الأسر المستهدفة في البرنامج، كما تم تسطيره في بدايته، بلغ 270.000 أسرة موزعة على 85 مدينة ومركزا حضريا، وأن هذا البرنامج مكن من إعلان 62 مدينة ومركزا حضريا بدون صفيح.
كما قالت وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، في جواب برلماني عن وضعية برامج السكن، خلال شهر أكتوبر 2025، أن “المغرب شهد انتشارا ملحوظا لظاهرة السكن العشوائي ودور الصفيح؛ والنمو الديمغرافي المتسارع الذي عرفته البلاد؛ تزايد موجات الهجرة القروية نحو المدن؛ ضعف القدرة الشرائية لشريحة كبيرة من الـمواطنين.. وقد ساهمت هذه العوامل في تفاقم أزمة السكن وتدهور الأوضاع المعيشية في بعض المناطق، وللتصدي لهذا الوضع، تبنت الوزارة برامج وطنية تهدف إلى: تحسين ظروف عيش الأسر الـمستهدفة؛ تأطير ودعم قطاع إنتاج السكن؛ تنويع العرض السكني الموجه للفئة المستهدفة؛ المساهمة في تمويل برامج عملياتية من أجل تحسين سكن الفئة المستهدفة، وبخصوص برنامج مدن بدون صفيح، فقد مكّن إلى حدود شتنبر 2025 من تحقيق نتائج ملموسة تمثلت في: إعلان 62 مدينة ومركزا حضريا بدون صفيح؛ تحسين ظروف عيش 370.384 أسرة، بكلفة إجمالية قدرها 6372 مليار درهم، كما عملت الوزارة بمعية مختلف الشركاء، على اعتماد مقاربة مزدوجة ترتكز على تسوية الوضعية القانونية للأحياء الناقصة التجهيز وإدماجها في النسيج الحضري، عبر تزويدها بالتجهيزات الأساسية، من طرق، إنارة، تطهير سائل، ساحات عمومية، مساحات خضراء، ومرافق اجتماعية”.. وهنا تكمن المفارقة، فمن يطلع على البرامج والمقررات، يلمس بوضوح أن هناك تقصيرا في التنفيذ، وهو ما يستوجب المساءلة ومحاسبة كل من قصر في القيام بعمله على أكمل وجه، ومن يستغل الثقة الممنوحة له بحكم منصبه لتكون النتيجة ما نعيشه من اختلالات تعميرية في أغلب المدن والأحياء المستهدفة.




